القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرْقًۭا ١

سورة النازعات، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةتأويلات أهل السنةالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها، فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله، فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون -ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك- لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب، يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة، تتبعها نفخة أخرى للإحياء.

تأويلات أهل السنةالماتريدي، ت ٣٣٣هـ

قوله تعالى: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا. فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا. فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ .

قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا)، اختلف في تأويله:

فمنهم من حمل ذلك كله على الملائكة، فقال. (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) هم الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفرة، ويغرقون إغراقا؛ أي: يشددون في النزع كما يغرق النازع في القوس، أو يشتد عليه شدة الأمر على الغريق، أو تنزع أرواح الكفرة فتغرق في النار.

قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا قيل: أي: ينشط أرواح الكفرة نشطا عنيفا، أي: تنزع ملائكة العذاب أرواح الكفرة من أجوافهم نزعا شديدا.

وقيل: هذا في حق المؤمنين أن الملائكة تنشط أرواح المؤمنين؛ أي: تحلها حلا رقيقا، كما ينشط من العقال؛ فيخبر بهذا عن خفة ذلك على المؤمنين، ويخبر بالأول عن شدته على الكافر.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا قيل: إن الملائكة يسلون أرواح الصالحين سلا رقيقا.

وقيل: الملائكة يسبحود بين السماء والأرض.

قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا أي: تسبق الملائكة إلى أرواح المؤمنين.

وقيل: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) الملائكة الذين يسبقون بالوحي إلى الأنبياء، عليهم السلام.

وقيل: هم الكَرُوبِيُّون، الذين لا يفترون عن تسبيح رب العالمين. الماتريدي ١٠/ ٤٠٣الماتريدي ١٠/ ٤٠٣

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا هم الملائكة الموكلون بأمور الخلائق وأرزاقهم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى النجوم: أنهن النجوم اللاتي يطلعن من مطالعهن لحوائج الخلق، ولأمور جعلت لها، ويغربن في مغاربهن، ثم ينشطن إلى مطالعهن، فيطلعن منها؛ أي: لا يطلعن كرها؛ بل ناشطات لأمر اللَّه - تعالى - إلى ما سخرن له.

(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) : النجوم أيضا، وسبحهن: دورانهن في الأفق لأمور، خفي ذلك على الخلق؛ لقوله: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) .

وقوله: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) أي: يسبق بعضها بعضا، أو تسبقن الشياطين بالرجم والطرد، لا تدعهن يقربون إلى السماء، وبه قال الحسن، واللَّه أعلم.

ومنهم: من صرف تأويل الآيات إلى مختلف الأشياء، فقال: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) هي القسي ينزعها الإنسان، فيغرق في نزعها، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) هي الأَوْهاق تنشط بها الدابة تكون منه في جهة.

(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) : هن السفن.

(فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) : هن الخيل.

(فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) : هي الملائكة، وبه قال عطاء.

ومنهم: من صرفها إلى أنفس المؤمنين وأرواحهم، فقال: (وَالنَّازِعَاتِ) : هي الأنفس التي تغرق في الصدر، (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) حين تنشط من القدمين.

وقيل: إن أنفس المؤمنين ينشطن إلى الخروج عن الأبدان إذا عاينوا ما أعد لهم في الجنة.

(وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) : هي أرواح المؤمنين، سميت: سابحات؛ لسهولة الأمر عليها، كما يسهل الخروج من الماء لمن يعلم السباحة.

وقوله: (فَالسَّابِقَاتِ) - أيضا -: هي أرواح المؤمنين، سميت: سابقات؛ لما تكاد تسبق فتخرج قبل وقتها؛ لما تعاين من كرامات اللَّه تعالى وما ينتشر من الخير؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر " . الماتريدي ١٠/ ٤٠٤الماتريدي ١٠/ ٤٠٤

وقيل: ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة، والكافر إذا رأى عندما حُضِرَ جعل يبتلع نفسه؛ كراهة أن يخرج، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يحب مفارقتها من شدة ما يرى من عذاب اللَّه تعالى.

وعلى هذا قيل في تأويل قوله - عليه السلام -: " من أحب لقاء اللَّه أحب اللَّه لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه " : إن ذلك عند الموت أن المؤمن إذا حضره الموت ورأى ثوابه من الجنة، ود أن تخرج نفسه؛ فيحب لقاء اللَّه تعالى، ويحب الله لقاءه، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه، فذلك حين كره لقاء اللَّه، وكره الله لقاءه، واللَّه أعلم.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) ، قالوا جميعا: المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم، ونحو ذلك، واللَّه أعلم.

ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم:

فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه القسم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) على معنى: إنكم مبعوثون، وأن القيامة حق، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أنهم لمبعوثون، وأضمر الجواب هاهنا؛ لما دل عليه المعنى؛ فاكتفى به.

ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، فأقسم بما ذكر أن النفختين كائنتان: فالنفخة الأولى يموت بها الخلق، والنفخة الثانية؛ لإحياء الأموات، والراجفة هي النفخة، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة، لا أن تكون علة الإماتة والإحياء. الماتريدي ١٠/ ٤٠٥الماتريدي ١٠/ ٤٠٥

ثم اختلفوا بعد هذا:

فمنهم: من يحمله على التحقيق؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق.

ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث: فالنفخة الأولى؛ للتفزيع والتهويل؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ. . .) الآية، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ. . .) الآية، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) .

ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ؛ بل على التمثيل، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على اللَّه - تعالى - وسهولته كخفة النفخ على النافخ.

أو مثل به؛ لسرعته؛ كما قال تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) .

وقالوا: الرجفة: هي الزلزلة، والتحرك، (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) وهي الزلزلة الأخرى.

ثم إن كان القسم على إثبات البعث، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها، وإن كان موجفة، على قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) فكأنهم سألوا: كيف تكون القلوب في ذلك اليوم؟ فقال: تكون واجفة، والواجفة: الخائفة الوجلة.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ أي: ذليلة.

ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - واللَّه أعلم -: هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره، بل يحدث للقلوب فِكَرٌ وبدوات لا يمكنه أن يدفع عنها الفكر، وكذلك هذا في البصر؛ فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع القلوب والأبصار عن عملها؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي، ولا يحدث للقلوب فكر، بل تكون الأفئدة هواء، لا تقر؛ لشدة ما حل بها من الخوف؛ إذ المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع بصره على شيء فشيء؛ رجاء أن يستدرك ما فيه خلاصه وسلامته من ذلك الأمر، ثم ينقطع عنهم التدبير في ذلك اليوم؛ فتكون القلوب هواء لا تقر في موضع، ولا تقف على تدبير؛ لشدة ما حل بهم، وتكون الأبصار خاشعة ذليلة إلى ما يدعو الداعي. الماتريدي ١٠/ ٤٠٦الماتريدي ١٠/ ٤٠٦

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أي: يقولون: أئنا لنرد إلى ما كنا عليه في الدنيا في ابتداء الأمر خلقا جديدا؛ يقال: أتى فلان فلانا، فرجع على حافرته؛ يقول: على مجيئه الأول.

ويقال: النقد عند الحافرة؛ أي: عند أول البيع والكلام، فقالوا هذا على جهة الإنكار بالبعث والاستهزاء به.

قال أبو بكر: هذا مأخوذ من حافر الدابة، وهو أن الفارس يمكنه أن يصرفها بحافرتها إلى الموضع الذي ابتدأ السير منه من وراء.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً و (ناخرة) ؛ فالناخرة: هي البالية التي لم تفتت بعد، والنخرة هي التي صارت رفاتا ودرست حتى تنسفها الريح.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ قال الحسن وأبو بكر: هذا منهم تكذيب البعث؛ أي: لا يكون أبدا.

وقال غيرهما: معناه: أن لو كانت كرة كما يزعمها المسلمون فهي كرة خاسرة على المسلمين؛ لأنهم ظنوا أنهم إذا كانوا في الدنيا أنعم حالا وأرغد عيشا، وكان المسلمون في ضيق من العيش وشدة من الحال - أن يكونوا كذلك في الآخرة؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) ، فكانوا يظنون أنهم بما أنعم اللَّه - تعالى - عليهم إنما أنعم؛ لأنهم أقرب منزلة، وأعظم درجة من المؤمنين؛ إذ لا يجوز أن يضيق على أوليائه، ويوسع على أعدائه، فإذا وسع عليهم ظنوا أنهم هم المفضلون في الدنيا والآخرة، وأن من خالفهم هم الأخسرون.

ومنهم من قطع هذا الكلام عن مقالة الكفرة، وزعم أن هذا الوصف راجع إلى الكفرة، فقيل: خاسرة؛ لما خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، وخاسرة، أي: مخسرة.

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ففيه إخبار عن سرعة كون ذلك الوقت وسهولته على اللَّه تعالى. الماتريدي ١٠/ ٤٠٧الماتريدي ١٠/ ٤٠٧

وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قيل: الساهرة: هي وجه الأرض.

وجائز أن يكون أريد بهذا أن العيون تسهر في ذلك اليوم، ولا يعتريها النوم؛ بل تكون مهطعة إلى الداعي ذليلة.

* * * الماتريدي ١٠/ ٤٠٨الماتريدي ١٠/ ٤٠٨

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِعلى الآيات ١ إلى ١٤ابن كثير ٩/ ٣١٢ابن كثير ٩/ ٣١٢

قال ابن مسعود وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وأبو الضحى، والسُّدي: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) الملائكة، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُنف فَتُغرق في نزعها، و [منهم] من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حَلَّته من نشاط، وهو قوله: (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) قاله ابن عباس.

وعن ابن عباس: (والنازعات) هي أنفس الكفار، تُنزع ثم تُنشَط، ثم تغرق في النار. رواه ابن أبي حاتم.

وقال مجاهد: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) الموت. وقال الحسن، وقتادة: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) هي النجوم.

وقال عَطَاءُ بنُ أبي رَباح في قوله: (والنازعات) و (الناشطات) هي القسيّ في القتال. والصحيح الأول، وعليه الأكثرون.

وأما قوله: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) فقال ابن مسعود: هي الملائكة. ورُوي عن علي، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبي صالح مثلُ ذلك.

وعن مجاهد: (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) الموت. وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن.

وقوله: (فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا) رُوي عن علي، ومسروق، ومجاهد، وأبي صالح، والحسن البصري: يعني الملائكة؛ قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت. وقال قتادة: هي النجوم وقال عطاء: هي الخيل في سبيل الله. ابن كثير ٩/ ٣١٢ابن كثير ٩/ ٣١٢

وقوله: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) قال علي، ومجاهد، وعطاء، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي: هي الملائكة- زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض. يعني: بأمر ربها عز وجل . ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) أنها الملائكة، ولا أثبت ولا نفى.

وقوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) قال ابن عباس هما النفختان الأولى والثانية. وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد.

وعن مجاهد: أما الأولى- وهي قوله: (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ) - فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] ، والثانية-وهي الرادفة- فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] .

وقد قال الإمام أحمد حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه" . فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذًا يكفيك الله ما أهَمَّك من دنياك وآخرتك" .

وقد رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سفيان الثوري، بإسناده مثله ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: " يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه" .

وقوله: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) قال ابن عباس: يعني خائفة. وكذا قال مجاهد، وقتادة.

(أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) أي: أبصار أصحابها. وإنما أضيف إليها؛ للملابسة، أي: ذليلة حقيرة؛ مما عاينت من الأهوال.

وقوله: (يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) ؟ يعني: مشركي قريش ومن قال بقولهم في إنكار المعاد، يستبعدون وقوعَ البعث بعد المصير إلى الحافرة، وهي القبور، قاله مجاهد. وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها؛ ولهذا قالوا: (أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) ؟ وقرئ: "ناخرة" .

وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: أي بالية. قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلي ودَخَلت

الريح فيه. (قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ)

وعن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والسدي، وقتادة: الحافرة: الحياة بعد الموت. وقال ابن زيد: الحافرة: النار. وما أكثر أسمائها! هي النار، والجحيم، وسقر، وجهنم، والهاوية، والحافرة، ولظى، والحُطَمة.

وأما قولهم: (تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ) فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن. ابن كثير ٩/ ٣١٣ابن كثير ٩/ ٣١٣

قال الله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) أي: فإنما هو أمر من الله لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس قيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيلَ فينفخ في الصور نفخَة البعث، فإذا الأولون والآخرون قيامٌ بين يَدَي الربّ عز وجل ينظرون، كما قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] .

قال مجاهد: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ) صيحة واحدة.

وقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الرب غَضَبًا على خلقه يوم يبعثهم.

وقال الحسن البصري: زجرة من الغضب. وقال أبو مالك، والربيع بن أنس: زجرة واحدة: هي النفخة الآخرة.

وقوله: (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) قال ابن عباس: (بِالسَّاهِرَة) الأرض كلها. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وقتادة، وأبو صالح.

وقال عكرمة، والحسن، والضحاك، وابن زيد: (بِالسَّاهِرَة) وجه الأرض.

وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها. قال: و (بِالسَّاهِرَة) المكان المستوي.

وقال الثوري: (بِالسَّاهِرَة) أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة: (بِالسَّاهِرَة) أرض بيت المقدس. وقال وهب بن مُنَبه: (الساهرة) جبل إلى جانب بيت المقدس. وقال قتادة أيضا: (بِالسَّاهِرَة) جهنم.

وهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خَزَر بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) قال: أرض بيضاء عفراء خالية كالخُبزَة النَّقِيّ.

وقال الربيع بن أنس: (فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) ويقول الله عز وجل : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥، ١٠٧] . وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] : وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يَهرَاق عليها دم. ابن كثير ٩/ ٣١٤ابن كثير ٩/ ٣١٤