وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ ١
التفسير
أقسم الله سبحانه بالسماء والنجم الذي يطرق ليلا وما أدراك ما عِظَمُ هذا النجم؟ هو النجم المضيء المتوهِّج. ما كل نفس إلا أوكل بها مَلَك رقيب يحفظ عليها أعمالها؛ لتحاسب عليها يوم القيامة.
{والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر} قوله تعالى {والسماءِ والطارقِ} هما قسمَان: (والسماءِ) قَسَمٌ , (والطارقِ) قَسَمٌ. (الطارق) نجم , وقد بيّنه الله تعالى بقوله: {وما أدْراكَ ما الطارقُ النجْمُ الثّاقبُ} ومنه قول هند بنت عتبة:
(نحْنُ بنات طارِق ... نمْشي على النمارق)
تقول: نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها , وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل , والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً , قال الشاعر:
(ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ ... وهندٌ أَتى مِن , دُونها النأيُ والصَّدّ)
وأصل الطرق الدق , ومنه سميت المطرقة , فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق. الماوردي ٦/ ٢٤٥الماوردي ٦/ ٢٤٥
وفي قوله (النجم الثاقب) ستة أوجه: أحدها: المضيء , قاله ابن عباس. الثاني: المتوهج , قاله مجاهد. الثالث: المنقصّ , قاله عكرمة. الرابع: أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها , قاله الفراء. الخامس: الثاقب: الشياطين حين ترمى , قاله السدي. السادس: الثاقب في مسيره ومجراه , قاله الضحاك. وفي هذا النجم الثاقب قولان: أحدهما: أنه زُحل , قاله عليّ. الثاني: الثريّا , قاله ابن زيد. {إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ} فيه وجهان: أحدهما: (لّما) بمعنى إلاّ، وتقديره: إنْ كل نفس إلَاّ عليها حافظ، قاله قتادة. الثاني: أن (ما) التي بعد اللام صله زائدة , وتقديره: إن كل نفس لعليها حافظ، قاله الأخفش. وفي الحافظ قولان: أحدهما: حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه، قاله ابن جبير. الثاني: من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر، قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: أن يكون الحافظ الذي عليه عقله، لأنه يرشده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضاره. {يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب} فيه قولان: أحدهما: من بين صلب الرجل وترائبه، قاله الحسن وقتادة. الماوردي ٦/ ٢٤٦الماوردي ٦/ ٢٤٦
الثاني: بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء. وفي الترائب ستة أقاويل: أحدها: أنه الصدر , قاله ابن عياض , ومنه قول دريد بن الصمة.
(فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم ... وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب)
الثاني: ما بين المنكبين إلى الصدر , قاله مجاهد. الثالث: موضع القلادة , قاله ابن عباس , قال الشاعر:
(والزعفران على ترائبها ... شرق به اللّباتُ والنحْرُ)
الرابع: أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل , قاله ابن جبير , وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. الخامس: أنها بين اليدين والرجلين والعينين , قاله الضحاك. السادس: هي عصارة القلب , قاله معمر بن أبي حبيبة. {إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ} فيه خمسة أوجه: أحدها: على أن يرد المني في الإحليل , قاله مجاهد. الثاني: على أن يرد الماء في الصلب , قاله عكرمة. الثالث: على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب , ومن الشباب إلى الصبا , ومن الصبا إلى النطفة , قاله الضحاك. الرابع: على أن يعيده حيّاً بعد موته , قاله الحسن وعكرمة وقتادة. الخامس: على أن يحبس الماء فلا يخرج. ويحتمل سادساً: على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة. {يومَ تُبْلَى السّرائرُ} أي تَظْهَر. ويحتمل ثانياً: أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا. الماوردي ٦/ ٢٤٧الماوردي ٦/ ٢٤٧
وفيها قولان: أحدهما: كل ما استتر به الإنسان من خير وشر , وأضمره من إيمان أو كفر , كما قال الأحوص:
(ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا ... سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ.)
الثاني: هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأمانات ثلاث: الصلاة والصوم والجنابة , استأمن الله ابن آدم على الصلاة , فإن شاء قال: قد صليت ولم يُصلّ , استأمن الله ابن آدم على الصوم , فإن شاء قال: قد صمت ولم يصم , استأمن الله ابن آدم على الجنابة , فإن شاء قال: قد اغتسلت ولم يغتسل , اقرؤوا إن شئتم: ) يوم تُبْلى السّرائرُ (. {فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ} فيه قولان: أحدهما: أن القوة العشيرة , والناصر: الحليف , قاله سفيان. الثاني: فما له من قوة في بدنه , ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله , أو ينتصر به على الله , وهو معنى قول قتادة. ويحتمل ثالثاً: فما له من قوة في الامتناع , ولا ناصر في الاحتجاج. الماوردي ٦/ ٢٤٨الماوردي ٦/ ٢٤٨
يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة؛ ولهذا قال: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) ثم قال (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ) ثم فسره بقوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ)
قال قتادة وغيره: إنما سمي النجم طارقا؛ لأنه إنما يرى بالليل ويختفي بالنهار. ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا أي: يأتيهم فجأة بالليل. وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: "إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن" . ابن كثير ٩/ ٣٧٤ابن كثير ٩/ ٣٧٤
وقوله: (الثَّاقِبُ) قال ابن عباس: المضيء. وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.
وقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الرعد: ١١] .
وقوله: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خُلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البَدَاءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وقوله: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ) يعني: المني؛ يخرج دَفقًا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله، عز وجل ؛ ولهذا قال: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) يعني: صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها.
قال شبيب بن بشر، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) صلب الرجل وترائب المرأة، أصفر رقيق، لا يكون الولد إلا منهما. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وعكرمة، وقتادة والسُّدِّي، وغيرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مِسْعَر: سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) قال: هذه الترائب. ووضع يده على صدره.
وقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تَريبة المرأة موضُع القلادة. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جُبَير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب: بين ثدييها.
وعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر. وعنه أيضا: الترائب أسفل من التراقي. وقال سفيان الثوري: فوق الثديين. وعن سعيد بن جُبَير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل.
وعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين.
وقال الليث بن سعد عن مَعْمَر بن أبي حبيبة المدني: أنه بلغه في قول الله عز وجل : (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) قال: هو عصارة القلب، من هناك يكون الولد.
وعن قتادة: (يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) من بين صلبه ونحره.
وقوله: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) فيه قولان:
أحدهما: على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد، وعكرمة، وغيرهما. ابن كثير ٩/ ٣٧٥ابن كثير ٩/ ٣٧٥
والقول الثاني: إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر على البدء قدر على الإعادة.
وقد ذكر الله، عز وجل ، هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك، واختاره ابن جرير، ولهذا قال: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا. وقد ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال: هذه غَدْرَةُ فلان بن فلان" .
وقوله: (فَمَا لَهُ) أي: الإنسان يوم القيامة (مِنْ قُوَّةٍ) أي: في نفسه (وَلا نَاصِرٍ) أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله، ولا يستطيع له أحد ذلك. ابن كثير ٩/ ٣٧٦ابن كثير ٩/ ٣٧٦
لا كتاب مختار.