أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١
التفسير
ألم نوسع -أيها النبي- لك صدرك لشرائع الدين، والدعوة إلى الله، والاتصاف بمكارم الأخلاق، وحططنا عنك بذلك حِمْلك.
أخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} قَالَ: شرح الله صَدره للإِسلام
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر عَن الْحسن {ألم نشرح لَك صدرك} قَالَ: مَلِيء حلماً وعلماً {ووضعنا عَنْك وزرك الَّذِي أنقض ظهرك} قَالَ: الَّذِي أثقل الْحمل {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: إِذا ذكرت ذكرت معي
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان قَالَ: سَأَلت سَعْدا عَن قَوْله: {ألم نشرح لَك صدرك} فَحَدثني بِهِ عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ: شقّ بَطْنه من عِنْد صَدره إِلَى أَسْفَل بَطْنه فاستخرج من قلبه فَغسل فِي طست من ذهب ثمَّ ملئ إِيمَانًا وَحِكْمَة ثمَّ أُعِيد مَكَانَهُ السيوطي ٨/ ٥٤٧السيوطي ٨/ ٥٤٧
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد عَن أبي بن كَعْب أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: يَا رَسُول الله مَا أول مَا رَأَيْت من أَمر النُّبُوَّة فَاسْتَوَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا وَقَالَ: لقد سَأَلت أَبَا هُرَيْرَة إِنِّي لفي صحراء ابْن عشْرين سنة وأشهراً إِذا بِكَلَام فَوق رَأْسِي وَإِذا رجل يَقُول لرجل: أهوَ هُوَ فاستقبلاني بِوُجُوه لم أرها لخلق قطّ وأرواح لم أَجدهَا فِي خلق قطّ وَثيَاب لم أَجدهَا على أحد قطّ فَأَقْبَلَا إليّ يمشيان حَتَّى أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا بعضدي لَا أجد لأخذهما مسّاً فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: أضجعه
فأضجعني بِلَا قصر وَلَا هصر فَقَالَ أَحدهمَا: افلق صَدره فخوّى أَحدهمَا إِلَى صَدْرِي ففلقه فِيمَا أرى بِلَا دم وَلَا وجع فَقَالَ لَهُ: أخرج الغل والحسد
فَأخْرج شَيْئا كَهَيئَةِ الْعلقَة ثمَّ نبذها فطرحها فَقَالَ لَهُ: أَدخل الرأفة وَالرَّحْمَة فَإِذا مثل الَّذِي أخرج شبه الْفضة ثمَّ هز ابهام رجْلي الْيُمْنَى
وَقَالَ: اغدوا سلم (اغْدُ واسلم) فَرَجَعت بهَا أغدو بهَا رقة على الصَّغِير وَرَحْمَة للكبير
وَأخرج أَحْمد عَن عتبَة بن عبد السّلمِيّ أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كَيفَ كَانَ أول شَأْنك يَا رَسُول الله قَالَ: كَانَت حاضنتي بنت سعد بن بكر
أخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {ووضعنا عَنْك وزرك} قَالَ: ذَنْبك {الَّذِي أنقض ظهرك} قَالَ: أثقل
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن شُرَيْح بن عبيد الْحَضْرَمِيّ {ووضعنا عَنْك وزرك} قَالَ: وغفرنا لَك ذَنْبك
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد قَالَ: فِي قِرَاءَة عبد الله وحللنا عَنْك وقرك
أخرج الشَّافِعِي فِي الرسَالَة وَعبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَسَعِيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: لَا أذكر إِلَّا ذكرت معي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن قَتَادَة {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: رفع الله ذكره فِي الدُّنْيَا والأخرة فَلَيْسَ خطيب وَلَا متشهد وَلَا صَاحب صَلَاة إِلَّا يُنَادي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله السيوطي ٨/ ٥٤٨السيوطي ٨/ ٥٤٨
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن عَسَاكِر وَابْن الْمُنْذر عَن مُحَمَّد بن كَعْب فِي الْآيَة قَالَ: إِذا ذكر الله ذكر مَعَه أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله
وَأخرج عبد بن حميد عَن الضَّحَّاك {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: إِذا ذكرت ذكرت معي وَلَا تجوز خطْبَة وَلَا نِكَاح إِلَّا بذكرك معي
وَأخرج ابْن عَسَاكِر عَن الْحسن فِي قَوْله: {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: أَلا ترى أَن الله لَا يذكر فِي مَوضِع إِلَّا ذكر مَعَه نبيه
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن الْحسن {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: إِذا ذكر الله ذكر رَسُوله
وَأخرج أَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ: إِن رَبك يَقُول: تَدْرِي كَيفَ رفعت ذكرك قلت: الله أعلم
قَالَ: إِذا ذكرت ذكرت معي
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن عدي بن ثَابت قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سَأَلت رَبِّي مَسْأَلَة وددت أَنِّي لم أكن سَأَلته
قلت: أَي رب اتَّخذت إِبْرَاهِيم خَلِيلًا وَكلمت مُوسَى تكليماً
قَالَ: يَا مُحَمَّد ألم أجدك يَتِيما فآويت وضالاً فهديت وعائلاً فأغنيت وشرحت لَك صدرك وحططت عَنْك وزرك وَرفعت لَك ذكرك فَلَا أذكر إِلَّا ذكرت معي واتخذتك خَلِيلًا
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما فرغت من أَمر السَّمَوَات وَالْأَرْض قلت يَا رب: إِنَّه لم يكن نَبِي قبلي إِلَّا وَقد كرّمته اتَّخذت إِبْرَاهِيم خَلِيلًا ومُوسَى كليماً وسخرت لداود الْجبَال ولسليمان الرّيح وَالشَّيَاطِين وأحييت لعيسى الْمَوْتَى فَمَا جعلت لي قَالَ: أوليس قد أَعطيتك أفضل من ذَلِك كُله أَن لَا أذكر إِلَّا ذكرت معي وَجعلت صُدُور أمتك أناجيل يقرؤون الْقُرْآن ظَاهرا وَلم أعْطهَا أمة وأعطيتك كنزاً من كنوز عَرْشِي: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه
وَأخرج ابْن عَسَاكِر من طَرِيق الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس {ورفعنا لَك ذكرك} قَالَ: لَا يذكر الله إِلَّا ذكرت مَعَه السيوطي ٨/ ٥٤٩السيوطي ٨/ ٥٤٩
أخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا} قَالَ: اتبع الْعسر يسرا
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا} قَالَ: ذكر لنا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشر بِهَذِهِ الْآيَة أَصْحَابه فَقَالَ: لن يغلب عسر يسرين
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جريروابن مرْدَوَيْه عَن الْحسن قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {إِن مَعَ الْعسر يسرا} قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ابشروا أَتَاكُم الْيُسْر لن يغلب عسر يسرين
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: بعثنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَنحن ثلثمِائة أَو يزِيدُونَ علينا أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح لَيْسَ مَعنا من الحمولة إِلَّا مَا نركب فزودنا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جرابين من تمر فَقَالَ بَعْضنَا لبَعض: قد علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن تُرِيدُونَ وَقد علمْتُم مَا مَعكُمْ من الزَّاد فَلَو رجعتم إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فسألتموه أَن يزوّدكم فرجعنا إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي قد عرفت الَّذِي جئْتُمْ لَهُ وَلَو كَانَ عِنْدِي غير الَّذِي زوّدتكم لزوّدتكموه
فانصرفنا وَنزلت {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا} فَأرْسل نَبِي الله إِلَى بَعْضنَا فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِن الله قد أوحى إليّ {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا} وَإِن يغلب عسر يسيرين
وَأخرج الْبَزَّار وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أنس بن مَالك قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا وحياله حجر فَقَالَ: لَو جَاءَ الْعسر فَدخل هَذَا الْحجر لجاء الْيُسْر حَتَّى يدْخل عَلَيْهِ فيخرجه فَأنْزل الله {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا} وَلَفظ الطَّبَرَانِيّ: وتلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا}
وَأخرج ابْن النجار من طَرِيق حميد بن حَمَّاد عَن عَائِذ عَن أنس أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ قَاعِدا ببقيع الفرقد فَنزل إِلَى حَائِط فَقَالَ: يَا معشر من حضر وَالله لَو كَانَت الْعسر جَاءَت تدخل الْحجر لجاءت الْيُسْر حَتَّى تخرجها فَأنْزل الله {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا}
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لوكان الْعسر فِي حجر لدخل عَلَيْهِ الْيُسْر حَتَّى يُخرجهُ ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {إِن مَعَ الْعسر يسرا} السيوطي ٨/ ٥٥٠السيوطي ٨/ ٥٥٠
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن أبي الدُّنْيَا فِي الصَّبْر وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لَو كَانَ الْعسر فِي حجر لتَبعه الْيُسْر حَتَّى يدْخل عَلَيْهِ ليخرجه وَلنْ يغلب عسر يسرين إِن الله يَقُول: {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا}
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن قَالَ: خرج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْمًا فَرحا مَسْرُورا وَهُوَ يضْحك وَيَقُول: لن يغلب عسر يسرين {فَإِن مَعَ الْعسر يسرا إِن مَعَ الْعسر يسرا}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ لَا يلغب عسر وَاحِد يسرين اثْنَيْنِ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه من طرق عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فَإِذا فرغت فانصب} الْآيَة قَالَ: إِذا فرغت من الصَّلَاة فانصب فِي الدُّعَاء واسأل الله وارغب إِلَيْهِ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {فَإِذا فرغت فانصب} الْآيَة قَالَ: قَالَ الله لرَسُوله: إِذا فرغت من صَلَاتك وتشهدت فانصب إِلَى رَبك واسأله حَاجَتك
وَأخرج ابْن أبي الدُّنْيَا فِي الذّكر عَن ابْن مَسْعُود {فَإِذا فرغت فانصب} إِلَى الدُّعَاء {وَإِلَى رَبك فارغب} فِي الْمَسْأَلَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك قَالَ: كَانَ ابْن مَسْعُود يَقُول: أَيّمَا رجل أحدث فِي آخر صلَاته فقد تمت صلَاته وَذَلِكَ قَوْله: {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: فراغك من الرُّكُوع وَالسُّجُود {وَإِلَى رَبك فارغب} قَالَ: فِي الْمَسْأَلَة وَأَنت جَالس
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن مَسْعُود {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: إِذا فرغت من الْفَرَائِض فانصب فِي قيام اللَّيْل
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: إِذا جَلَست فاجتهد فِي الدُّعَاء وَالْمَسْأَلَة وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن نصر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: إِذا فرغت من أَسبَاب نَفسك فصل {وَإِلَى رَبك فارغب} قَالَ: اجْعَل رغبتك إِلَى رَبك السيوطي ٨/ ٥٥١السيوطي ٨/ ٥٥١
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: إِذا فرغت من صَلَاتك فانصب فِي الدُّعَاء
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن نصر عَن الضَّحَّاك {فَإِذا فرغت} قَالَ: من الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة {وَإِلَى رَبك فارغب} قَالَ: فِي الْمَسْأَلَة وَالدُّعَاء وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة {فَإِذا فرغت فانصب وَإِلَى رَبك فارغب} قَالَ: أمره إِذا فرغ من الصَّلَاة أَن يرغب فِي الدُّعَاء إِلَى ربه وَقَالَ الْحسن: أمره إِذا فرغ من غَزوه أَن يجْتَهد فِي الْعِبَادَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن زيد بن أسلم {فَإِذا فرغت فانصب} قَالَ: إِذا فرغت من الْجِهَاد فتعبد ٩٥ السيوطي ٨/ ٥٥٢السيوطي ٨/ ٥٥٢
يقول تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) يعني: أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فَسيحًا رحيبًا واسعًا كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ، وكما شرح الله صدره كذلك جعل شَرْعه فسيحا واسعًا سمحًا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق.
وقيل: المراد بقوله: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) شرح صدره ليلة الإسراء، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة وقد أورده الترمذي هاهنا. وهذا وإن كان واقعًا، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الذي فُعِل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، والله أعلم.
قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبي محمد بن معاذ، عن معاذ، عن محمد، عن أبي بن كعب: أن أبا هريرة كان جريًّا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله، ما أولُ ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: "لقد سألتَ يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابنُ عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ [قال: نعم] فاستقبلاني بوجوه لم أرها [لخلق] قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط. فأقبلا إلي يمشيان، حتى أخذ كل واحد منهما بعَضُدي، لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قَصْر ولا هَصْر. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره. فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغِلّ والحَسَد. فأخرج شيئًا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل الذي أخرج شبهُ الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ واسلم. فرجعت بها أغدو، رقة على الصغير، ورحمةً للكبير " . ابن كثير ٩/ ٤٢٩ابن كثير ٩/ ٤٢٩
وقوله: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ) بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) الإنقاض: الصوت. وقال غير واحد من السلف في قوله: (الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) أي: أثقلك حمله.
وقوله: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) قال مجاهد: لا أُذْكرُ إلا ذُكِرتَ معي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وقال قتادة: رفع اللهُ ذكرَه في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا مُتشهد ولا صاحبُ صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن دَراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال: إنّ ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي "، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، به ورواه أبو يعلى من طريق ابن لَهِيعة، عن دَرَّاج .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا أبو عُمر الحَوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "سألت ربي مسألة وَدَدْتُ أني لم أكن سألته، قلت: قد كانت قبلي أنبياء، منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي الموتى. قال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك عائلا فاغنيتك؟ قال: قلت: بلى يا رب. قال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب " .
وقال أبو نعيم في "دلائل النبوة ": حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجَوْني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بَهْرام الهيتي، حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض قلت: يا رب، إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته، جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله، أني لا أذكر إلا ذُكِرْتَ معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" . ابن كثير ٩/ ٤٣٠ابن كثير ٩/ ٤٣٠
وحكى البغوي، عن ابن عباس ومجاهد: أن المراد بذلك: الأذان. يعني: ذكره فيه، وأورد من شعر حسان بن ثابت:
أغَرّ عَلَيه للنبوة خَاتَم … مِنَ الله من نُور يَلوحُ وَيشْهَد
وَضمَّ الإلهُ اسم النبي إلى اسمه … إذا قَالَ في الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ
وَشَقَّ لَهُ مِن اسمه ليُجِلَّه … فَذُو العَرشِ محمودٌ وهَذا مُحَمَّدُ
وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به، حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته فلا يُذكر الله إلا ذُكر معه.
وما أحسن ما قال الصرصري، رحمه الله :
لا يَصِحُّ الأذانُ في الفَرْضِ إلا … باسمِه العَذْب في الفم المرْضي
وقال أيضًا:
[ألَم تَر أنَّا لا يَصحُّ أذانُنَا … وَلا فَرْضُنا إنْ لم نُكَررْه فيهما]
وقوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) أخبر تعالى أن مع العسر يوجَدُ اليسر، ثم أكد هذا الخبر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حُميد بن حماد بن خَوَار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شُريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ جالسًا وحياله حجر، فقال: "لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه" ، فأنزل الله عز وجل : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) .
ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن مَعْمَر، عن حُميد بن حماد، به ولفظه: "لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه" ثم قال: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح .
قلت: وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفا. ابن كثير ٩/ ٤٣١ابن كثير ٩/ ٤٣١
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قَطَن حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الحسن قال: خرج النبي ﷺ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يضحك، وهو يقول: "لن يَغْلِب عُسْر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرًا * إن مع العسر يسرًا" .
وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي ويونس بن عبيد، عن الحسن مرسلا .
وقال سعيد، عن قتادة: ذُكِرَ لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين" .
ومعنى هذا: أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر فتعدد؛ ولهذا قال: "لن يغلب عسر يسرين" ، يعني قوله: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد.
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "نزل المعونة من السماء على قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة" .
ومما يروى عن الشافعي، رضي الله عنه ، أنه قال:
صَبرا جَميلا ما أقرَبَ الفَرجا … مَن رَاقَب الله في الأمور نَجَا
مَن صَدَق الله لَم يَنَلْه أذَى … وَمَن رَجَاه يَكون حَيثُ رَجَا
وقال ابن دُرَيد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:
إذا اشتملت على اليأس القلوبُ … وضاق لما به الصدر الرحيبُ
وأوطأت المكاره واطمأنت … وأرست في أماكنها الخطوبُ
ولم تر لانكشاف الضر وجها … ولا أغنى بحيلته الأريبُ أتاك على قُنوط منك غَوثٌ … يمن به اللطيف المستجيبُ ابن كثير ٩/ ٤٣٢ابن كثير ٩/ ٤٣٢
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريب
وقال آخر:
وَلَرُب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكان يظنها لا تفرج
وقوله: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) أي: إذا فَرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها، فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة. ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" وقوله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء، فابدءوا بالعَشَاء" .
قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة، فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وعن ابن عياض نحوه. وفي رواية عن ابن مسعود: (فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) يعني: في الدعاء.
وقال زيد بن أسلم، والضحاك: (فَإِذَا فَرَغْتَ) أي: من الجهاد (فَانْصَبْ) أي: في العبادة. (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله، عز وجل .
آخر تفسير سورة "ألم نشرح" ولله الحمد. ابن كثير ٩/ ٤٣٣ابن كثير ٩/ ٤٣٣
لا كتاب مختار.