ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ۖ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُۥ بِمِقْدَارٍ ٨
التفسير
الله تعالى يعلم ما تحمل كلُّ أنثى في بطنها، أذكر هو أم أنثى؟ وشقي هو أم سعيد؟ ويعلم ما تنقصه الأرحام، فيسقط أو يولد قبل تسعة أشهر، وما يزيد حمله عليها. وكل شيء مقدَّر عند الله بمقدار من النقصان أو الزيادة لا يتجاوزه.
يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤] أي: ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢] .
وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي: خلقكم طورا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢: ١٤] وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: يَكْتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد" .
وفي الحديث الآخر: "فيقول الملك: أيْ رب، أذكر أم أنثى؟ أي رب، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك" .
وقوله: (وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا مَعْن، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" . ابن كثير ٥/ ٤٣٥ابن كثير ٥/ ٤٣٥
وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ) يعني: السَقْط (وَمَا تَزْدَادُ) يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما. وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها.
وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيَّتي.
وقال ابن جُرَيْج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين، قدر ما يتحرك ظِل مغْزَل.
وقال مجاهد: (وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) قال: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر. وبه قال عطية العوفي وقتادة، والحسن البصري، والضحاك.
وقال مجاهد أيضا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة، مثل أيام الحيض. وقاله عِكْرِمة، وسعيد بن جبير، وابن زيد.
وقال مجاهد أيضا: (وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ) إراقة المرأة حتى يخس الولد (وَمَا تَزْدَادُ) إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم.
وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب، ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها فمن ثم لا تحيض الحامل. فإذا وقع إلى الأرض استهل، واستهلاله استنكار لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل، أنَّى لي بالرزق؟ فيقول مكحول: يا ويلك ! غَذاك وأنت في بطن أمك، وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل، أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ)
وقال قتادة: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلا معلومًا.
وفي الحديث الصحيح: أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه: أن ابنا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب " الحديث بتمامه ابن كثير ٥/ ٤٣٦ابن كثير ٥/ ٤٣٦
وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء. (الكبير) الذي هو أكبر من كل شيء، (المتعال) أي: على كل شيء، قد أحاط بكل شيء علما، وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد، طوعا وكرها. ابن كثير ٥/ ٤٣٧ابن كثير ٥/ ٤٣٧
[ - قوله تعالى: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} ]
قوله تعالى: {وما تغيض} معناه وما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله: {وغيض الماء} [هود: ٤٤] وهو بمعنى النضوب وهو هنا بمعنى زوال شيء عن الرحم. ثم اختلف المفسرون في هذه الزيادة والنقصان. فقيل غيض الرحم وإراقتها الدم على الحمل. وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا بلغت الحامل تسعة أشهر لم تضع ويبقى الولد في بطنها زيادة عن الزمان يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بإراقة الدم. وهذا هو معنى قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} قاله مجاهد. وقيل غيضه نضوب الدم منه وإمساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون قوله تعالى: {وما تزداد} بعد ذلك جاريًا مجرى تغيض على غير مقابله. بل تغيض الرحم هو بمعنى الزيادة فيه. وقيل غيض الرحم إسقاطها الولد والزيادة أن تضعه كاملًا في مدة كاملة، وهو قول الضحاك. وقيل غيض الرحم ما يسقط قبل التسعة وما تزداد ما تضع بعد التسعة ففي هذه الآية تفسير على دليل مجاهد أن الحامل تحيض، وهي مسألة اختلف فيها. فذهب مالك والشافعي إلى أنها قد تحيض على الحمل، فما تراه المرأة من الدم وهي حامل من الدم ليس بحيض. قالوا ولو كان حيضًا لما صح استبراء الأمة بحيضة وهو إجماع. وحجة القول الأول الآية. وقد روي عن مالك ما يدل أن الحامل لا تحيض. وفي هذه الآية أيضًا دليل على أن الحمل قد يوضع لأقل من تسعة أشهر ولأكثر، إلا أنهم أجمعوا على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا} [الأحقاف: ١٥] مع قوله: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: ٢٣٣] . ابن الفرس ٣/ ٢٣٣ابن الفرس ٣/ ٢٣٣
واختلفوا في أكثره، فقال ابن عبد الحكم أكثره تسعة وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وغيرهم: أكثره حولان. وقال قوم أكثره ثلاثة أعوام، وإليه ذهب الليث بن سعد.
وقال الشافعي -وهو ظاهر قول مالك في غير موضع- أكثره أربعة أعوام. وقال ابن القاسم أكثره خمسة أعوام، وروي عن مالك. وقال مالك في رواية أشهب عنه: أكثره سبعة أعوام وأن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام. وحجة هذا القول الآية على ما قدمناه. وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولين في بطن أمه، قال: ولدت وقد نبتت ثناياي. وروي أن عبد الملك بن مروان ولد لستة أشهر. وذكر أن مالكًا وضعته أمه لسنتين وقيل لثلاث سنين. ابن الفرس ٣/ ٢٣٥ابن الفرس ٣/ ٢٣٥
لا كتاب مختار.