وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌۭ ۖ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ٧
الشبهات
قوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } [الرعد/ ٧] .
هذه الآية الكريمهَ فيها التصريح بأن لكل قوم هاديًا.
وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هاد، سواء فسرنا الهدى بمعناه الخاص أو بمعناه العام.
فمن الآيات الدالة على أن بعض الناس لم يكن لهم هادٍ بالمعنى الخاص: قوله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ} [الأنعام/ ١١٦] ، فهؤلاء المضلون لم يهدهم هادٍ الهدى الخاص، الذي هو التوفيق لما يرضي اللَّه. ونظيرها قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ } [هود/ ١٧] ، وقوله: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف/ ١٠٣] ، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء/ ٨] إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الآيات الدالة على أن بعض الأقوام لم يكن لهم هادٍ بالمعنى العام، الذي هو إبانة الطريق: قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس/ ٦] بناء على التحقيق من أن "ما" نافية لا موصولة، وقوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} الآية [المائدة/ ١٩] فالذين ماتوا في هذه الفترة لم يكن لهم هادٍ بالمعنى الأعم أيضًا.
والجواب عن هذا من أربعة أوجه: الشنقيطي ١/ ١٧٦الشنقيطي ١/ ١٧٦
الأول: أن معنى قوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: داع يدعوهم ويُرشدهم، إما إلى خير كالأنبياء، وإما إلى شرٍّ كالشياطين. أي: وأنت يا رسول اللَّه مُنذرٌ هادٍ إلى كل خير.
وهذا القول مرويٌّ عن ابن عباس، من طريق علي بن أبي طلحة.
وقد جاء في القرآن استعمال الهدى في الإرشاد إلى الشرِّ أيضًا، كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } [الحج/ ٤] ، وقوله تعالى: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } [الصافات/ ٢٣] وقوله تعالى: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} [النساء/ ١٦٨ - ١٦٩] . كما جاء في القرآن أيضًا إطلاق الإِمام على الداعي إلى الشرِّ، في قوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص/ ٤١] الآية.
الثاني: أن معنى الآية: أنت يا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- منذر، وأنا هادي كل قوم.
ويُروى هذا عن ابن عباس من طريق العوفي، وعن محمد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. قاله ابن كثير.
وعلى هذا القول، فقوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } يعني به نفسه جلَّ وعلا. ونظيره في القرآن قوله تعالى: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر/ ١٤] يعني نفسه، كما قاله قتادهٌ. ونظيره من كلام العرب قول قتادة بن سلمة الحنفي:
ولئن بقيتُ لأرحلنَّ بغزوةٍ ... تحوي الغنائمَ أو يموت كريمُ يعني نفسه. الشنقيطي ١/ ١٧٧الشنقيطي ١/ ١٧٧
وسيأتي تحرير هذا المبحث إن شاء اللَّه في سورة القارعة.
وتحرير المعنى على هذا القول: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم سبقت لهم السعادة والهدى في علمي؛ لدلالة آيات كثيرة على أنه تعالى هدى قومًا وأضلَّ آخرين، على وفق ما سبق به العلم الأزلي، كقوله تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [النحل/ ٣٧] .
الثالث: أن معنى {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: قائد. والقائد: الإِمام، والإمام: العمل. قاله أبو العالية، كما نقله عنه ابن كثير.
وعلى هذا القول، فالمعنى: ولكل قومٍ عملٌ يهديهم إلى ما هم صائرون إليه من خير وشرٍّ.
ويدلُّ لمعنى هذا الوجه قوله تعالى: {هُنَالِكَ تَتلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ} [يونس/ ٣٠] ، على قراءة من قرأها بتاءين مثنَّاتين، بمعنى: تتبع كلُّ نفس ما أسلفت من خير وشرٍّ. وأما على القول بأن معنى {تتلوا} : تقرأ في كتاب عملها ما قدَّمت من خير وشر، فلا دليل في الآية.
ويدلُّ له أيضًا حديث: "لِتتبعْ كلُّ أمَّة ما كانت تعبد؛ فيتبع من كان يعبدُ الشمسَ: الشمسَ، ويتبع مَنْ كان يعبد القمرَ: القمرَ، ويتبع مَنْ كان يعبد الطواغيتَ: الطواغيتَ. . . " الحديث.
الرابع -وبه قال مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد-: أنَّ المراد بالقوم الأُمَّة، والمراد بالهادي النبي. فيكون معنى قوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: ولكل أُمَّة نبي، كقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر/ ٢٤] ، وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ} [يونس/ ٤٧] . الشنقيطي ١/ ١٧٨الشنقيطي ١/ ١٧٨
وكثيرًا ما يُطلق في القرآن اسم القوم على الأُمَّة، كقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [الأعراف/ ٥٩] ، وقوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ} [الأعراف/ ٦٥] ، وقوله: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ} [الأعراف/ ٧٣] ، ونحو ذلك.
وعلى هذا القول، فالمراد بالقوم في قوله: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أعمُّ من مُطلَق ما يصدُق عليه اسم القوم لغةً.
ومما يوضّح ذلك: حديث معاوية بن حيدة القشيري -رضي اللَّه عنه- في السنن والمسانيد: "أنتم تُوَفُّون سبعين أمّة. . . " الحديث.
ومعلومٌ أن ما يُطلق عليه اسم القوم لغةً، أكثر من سبعين بأضعاف.
وحاصل هذا الوجه الرابع: أن الآية كقوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ } [فاطر/ ٢٤] ، وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ} [يونس/ ٤٧] . وهذا لا إشكال فيه؛ لحصر الأُمَم في سبعين، كما بيَّن في الحديث. فآباء القوم الذين لم يُنْذَرُوا مثلًا، المذكورون في قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ} [يس/ ٦] ليسوا أُمَّة مستقلَّة، حتى يرد الإشكال في عدم إنذارهم، مع قوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }، بل هم بعض أُمَّة. الشنقيطي ١/ ١٧٩الشنقيطي ١/ ١٧٩
وقوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }، لا يشكل عليه قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا } [الفرقان/ ٥١] ؛ لأن المعنى: أرسلنا إلى جميع القرى، بل إلى الأسود والأحمر، رسولًا واحدًا هو محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، مع أنَّا لو شئنا أرسلنا إلى كل قرية بانفرادها رسولًا، ولكن لم نفعل ذلك؛ ليكون الإرسال إلى الناس كلهم فيه الإظهار لفضله -صلى اللَّه عليه وسلم- على غيره من الرسل، بإعطائه ما لم يُعطَه أحدٌ قبله من الرسل عليه وعليهم الصلاة والسلام.
كما ثبت عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- في "الصحيح" من أن عموم رسالته إلى الأسود والأحمر مما خصَّه اللَّه به دون غيره من الرسل.
وأقرب الأوجه المذكورة عندنا هو ما يدل عليه القرآن العظيم، وهو الوجه الرابع، وهو أن معنى الآية: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: لكل أمة نبي، فلستَ يا نبي اللَّه بدعًا من الرسل.
ووجه دلالة القرآن على هذا: كثرة إتيان مثله في الآيات، كقوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل/ ٣٦] ، وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ} ، وقوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ }.
وعليه، فالحكمة في الإخبار بأن لكل أمة نبيًا أن المشركين عجبوا من إرساله -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم، كما بينه تعالى بقوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} [يونس/ ٢] ، وقوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا } [الإسراء/ ٩٤] ، فأخبرهم أن إنذاره لهم ليس بعجب ولا غريب؛ لأن لكل أمة منذرًا. الشنقيطي ١/ ١٨٠الشنقيطي ١/ ١٨٠
فالآية كقوله: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف/ ٩] ، وقوله: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء/ ١٦٣] .
والعلم عند اللَّه تعالى. الشنقيطي ١/ ١٨١الشنقيطي ١/ ١٨١
لا كتاب مختار.