القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣

سورة المائدة، الآية ٣مدنية
في سورتها

الشبهات

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتابالشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ

وقوله: {لِغَيْرِ اللَّهِ} يدخل فيه الملك والنبي، كما يدخل فيه الصنم والنصب والشيطان. وقد وافقونا في منع ما ذبحوه باسم الصنم، وقد دل الدليل على أنه لا فرق في ذلك بين النبي والملك، وبين الصنم والنصب، فلزمهم القول بالمنع. الشنقيطي ١/ ١١٣الشنقيطي ١/ ١١٣

وأما استدلالهم بقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة/ ٣] فلا دليل فيه؛ لأن قوله تعالى: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} ليس بمخصص لقوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [النحل/ ١١٥] ؛ لأنه ذكر فيه بعض ما دل عليه عموم {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} .

وقد تقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد الحكم العام بحكم العام لا يخصِّصُه، على الصحيح، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور محتجًا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص. وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام.

فإذا حققت ذلك، فاعلم أن ذكر البعض لا يخصِّص العام، سواء ذُكِرا في نص واحد، كقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة/ ٢٣٨] ، أو ذُكِر كل واحد منهما على حدة، كحديث الترمذي وغيره: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وحديث مسلم أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- مرَّ بشاة ميتة فقال: "هلا أخذتم إهابها" الحديث.

فذِكْرُ الصلاة الوسطى في الأول لا يدل على عدم المحافظة على غيرها من الصلوات، وذِكْرُ إهاب الشاة في الأخير لا يدل على عدم الانتفاع بإهاب غير الشاة، لأن ذكر البعض لا يخصص العام.

وكذلك رجوع ضمير البعض لا يخصِّص -أيضًا- على الصحيح، كقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} [البقرة/ ٢٢٨] فإن الضمير راجع إلى قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} وهو لخصوص الرجعيات من المطلقات، مع أن تربص ثلاثة قروء عام للمطلقات من رجعيات وبوائن. الشنقيطي ١/ ١١٤الشنقيطي ١/ ١١٤

وإلى هذا أشار في "مراقي السعود" مبينًا معه أيضًا أن سبب الواقعة لا يخصصها، وأن مذهب الراوي لا يخصص مرويه على الصحيح فيهما أيضًا، بقوله:

. . . . . . . . . . . . . ... ودع ضمير البعض والأسبابا

وذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد

وروي عن الشافعي وأكثر الحنفية التخصيص بضمير البعض، وعليه فتربص البوائن ثلاثة قروء مأخوذ من دليل آخر.

أما عدم التخصيص بذكر البعض فلم يخالف فيه إلا أبو ثور، وتقدم رد مذهبه.

ولو سلمنا أن الآية معارضة بقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ، فإنا نجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بترك مثل هذا الذي تعارضت فيه النصوص بقوله: "دع ما يريبك إلى ما يريبك" .

المسألة الثانية: اختلف العلماء في ذكاة نصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة ونحوهم، فالجمهور على أن ذبائحهم لا تؤكل. قاله ابن كثير. وهو مذهب الشافعي، ونقله النووي في "شرح المهذب" عن علي وعطاء وسعيد بن جبير. الشنقيطي ١/ ١١٥الشنقيطي ١/ ١١٥

ونقل النووي -أيضًا- إباحة ذكاتهم عن ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والزهري، والحكم وحماد وأبى حنيفة وإسحاق بن راهويه وأبي ثور. وصحح هذا القول ابن قدامة في "المغني" محتجًا بعموم قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} .

وحجة القول الأول ما روي عن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب، لا تحل لنا ذبائحهم.

وما روي عن علي -رضي اللَّه عنه-: لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب.

ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل، ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدِّل، فصاروا كالمجوس لما أشكل أصرهم في الكتاب لم تؤكل ذبائحهم.

ذكر هذا صاحب "المهذب" ، وسكت عليه النووي في الشرح قائلًا: إنه حجة الشافعية في منع ذبائحهم.

ويفهم منه عدم إباحة أكل ذكاة اليهود والنصارى اليوم؛ لتبديلهم، لا سيما فيمن عرفوا منهم بأكل الميتة كالنصارى.

المسألة الثالثة: ذبائح المجوس لا تحل للمسلمين.

قال النووي في "شرح المهذب" : هي حرام عندنا، وقال به جمهور العلماء، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء.

قال: وممن قال به: سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد اللَّه بن زيد ومرة الهمداني ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق. الشنقيطي ١/ ١١٦الشنقيطي ١/ ١١٦

وقال ابن كثير في تفسير قوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} : وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعًا وإلحاقًا لأهل الكتاب، فإنه لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعيِّ وأحمدِ بن حنبل، ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عليه الفقهاء، حتى قال عنه الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني: في هذه المسألة. وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب" ، ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإنما الذي في "صحيح البخاري" عن عبد الرحمن بن عوف: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر. ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ، فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة- على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل. انتهى كلام ابن كثير بلفظه. واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه: أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة.

قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الصواب مع الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-، واعتراض الشيخ عليه سهو منه، لأن مفهوم قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مفهوم علة لا مفهوم لقب كما ظنه الشيخ، لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد، سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع. وضابطه: أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط؛ لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر دون غيره. الشنقيطي ١/ ١١٧الشنقيطي ١/ ١١٧

أما تعليق هذا الحكم -الذي هو إباحة طعامهم- بالوصف بإيتاء الكتاب فهو تعليق الحكم بعلته؛ لأن الوصف بإيتاء الكتاب صالحٌ لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم.

وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة -المعروف بالإيماء والتنبيه- على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب، وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم؛ لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في التخصيص بإيتاء الكتاب فائدة. ومعلومٌ أن ترتيب الحكم على وصفٍ لو لم يكن علَّته لكان حشوًا من غير فائدة = يُفْهَمُ منه أنه علته بمسلك الإيماء والتنبيه.

قال في "مراقي السعود" في تعداد صور الإيماء:

كما إذا سَمِعَ وصفًا فحَكَم ... وذكرُه في الحكم وصفًا قد ألم

إن لم يكن علته لم يفد ... ومنعَه مما يفيتُ استفد

ترتيبه الحكم عليه واتضح ... . . . . . . . . . . .

ومحل الشاهد منه قوله: "استفد ترتيبه الحكم عليه" ، وقوله: "وذكره في الحكم وصفًا إن لم يكن علته لم يفد" . الشنقيطي ١/ ١١٨الشنقيطي ١/ ١١٨

ومما يوضح ما ذكرنا: أن قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} موصول، وصلته جملة فعلية، وقد تقرر عند علماء النحو في المذهب الصحيح المشهور: أن الصفة الصريحة كاسم الفاعل واسم المفعول الواقعة صلة "أل" بمثابة الفعل مع الموصول. ولذا عمل الوصف المقترن بـ "أل" الموصولة في الماضي؛ لأنه بمنزلة الفعل، كما أشار له في "الخلاصة" بقوله:

وإن يكن صلة أل ففي المضي ... وغيره إعماله قد ارتضي

فإذا حققت ذلك علمت أنَّ {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} بمثابة ما لو قلت: وطعام المؤتين الكتاب، بصيغة اسم المفعول، ولم يقل أحد: إنَّ مفهوم اسم المفعول مفهوم لقب، لاشتماله على أمر هو المصدر يصلح أن يكون المتصف به مقصودًا للمتكلم دون غيره، كما ذكروا في مفهوم الصفة.

فظهر أن إيتاء الكتاب صفة خاصة بهم دون غيرهم، وهي العلة في إباحة طعامهم ونكاح نسائهم، فادعاء أنها مفهوم لقب سهوٌ ظاهر.

وظهر أن التحقيق أن المفهوم في قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} مفهوم علة، ومفهوم العلة قسم من أقسام مفهوم الصفة، فالصفة أعم من العلة.

وإيضاحه -كما بينه القرافي-: أن الصفة قد تكون مكملة للعلة لا علة تامة؛ كوجوب الزكاة في السائمة، فإن علته ليست السوم فقط، ولو كان كذلك لوجبت في الوحوش؛ لأنها سائمة، ولكن العلة ملك ما يحصل به الغنى، وهي مع السوم أتم منها مع العلف، وهذا عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة. الشنقيطي ١/ ١١٩الشنقيطي ١/ ١١٩

وظهر أن ما قاله الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- هو الصواب.

وقد تمرر في علم الأصول أن المفهوم بنوعيه من مخصصات العموم، أما تخصيص العام بمفهوم الموافقة بقسميه فلا خلاف فيه، وممن حكى الإجماع عليه: الآمدي والسبكي في "شرح المختصر" ، ودليل جوازه أن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

ومثاله: تخصيص حديث: "ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" . أي: يحل العِرض بقوله: مطلني، والعقوبة بالحبس؛ فإنه مخصَّصٌ بمفهوم الموافقة الذي هو الفحوى في قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء/ ٢٣] ؛ لأن فحواه تحريم أذاهما فلا يحبس الوالد بدين الولد.

وأما تخصيصه بمفهوم المخالفة ففيه خلاف، والأرجح منه هو ما مشى عليه الحافظ ابن كثير -تغمده اللَّه برحمته الواسعة- وهو التخصيص. والدليل عليه ما قدمنا من أنَّ إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما.

وقيل: لا يجوز التخصيص به. ونقله الباجي عن أكثر المالكية.

وحجة هذا القول: أن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق، وهو مقدم على المفهوم. ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من أفراد العام، فالمفهوم مقدم عليه؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. الشنقيطي ١/ ١٢٠الشنقيطي ١/ ١٢٠

واعتمد التخصيص صاحب "مراقي السعود" في قوله -في مبحث الخاص في الكلام على المخصصات المنفصلة-:

واعتبرَ الإجماعَ جلُّ الناس ... وقسمي المفهوم كالقياس

ومثال التخصيص بمفهوم المخالفة: تخصيص قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "في أربعين شاة شاة" ، الذي يشمل عمومُه السائمةَ والمعلوفةَ، بمفهوم قوله: "في الغنم السائمة زكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة، وهم الأكثر؛ لأنه يفهم منه أن غير السائمة لا زكاة فيها، فيخصص بذلك عموم: "في أربعين شاة شاة" . والعلم عند اللَّه تعالى.

المسألة الرابعة: ما صاده الكتابي بالجوارح والسلاح حلالٌ للمسلم؛ لأن العقر ذكاة الصيد. وعلى هذا القول الأئمة الثلاثة، وبه قال عطاء والليث والأوزاعي وابن المنذر وداود وجمهور العلماء، كما نقله عنهم النووي في "شرح المهذب" .

وحجة الجمهور واضحة، وهي قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} ، وخالف مالك وابن القاسم ففرقا بين ذبح الكتابي وصيده مستدلين بقوله تعالى: {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة/ ٩٤] ؛ لأنه خص الصيد بأيدي المسلمين ورماحهم دون غير المسلمين.

قال مقيده -عفا اللَّه عنه-: الذي يظهر لي -واللَّه أعلم- أن هذا الاحتجاج لا ينهض على الجمهور، وأن الصواب مع الجمهور. الشنقيطي ١/ ١٢١الشنقيطي ١/ ١٢١

وقد وافق الجمهور من المالكية: أشهب وابن هارون وابن يونس والباجي واللخمي. ولمالكٍ في "الموازية" كراهته. قال ابن بشير: ويمكن حمل "المدونة" على الكراهة.

المسألة الخامسة: ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب كذبائحهم في دار الإسلام. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه. الشنقيطي ١/ ١٢٢الشنقيطي ١/ ١٢٢