أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ ٱلْفِيلِ ١
التفسير
ألم تعلم -أيها الرسول- كيف فعل ربك بأصحاب الفيل: أبرهة الحبشي وجيشه الذين أرادوا تدمير الكعبة المباركة؟
أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أنزل {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك} بِمَكَّة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن عُثْمَان بن الْمُغيرَة بن الْأَخْنَس قَالَ: كَانَ من حَدِيث أَصْحَاب الْفِيل أَن أَبْرَهَة الأشرم الحبشي كَانَ ملك الْيمن وَأَن ابْنَته أكسوم بن الصَّباح الحميريّ خرج حَاجا فَلَمَّا انْصَرف من مَكَّة نزل فِي كَنِيسَة بِنَجْرَان فغدا عَلَيْهَا نَاس من أهل مَكَّة فَأخذُوا مَا فِيهَا من الحليّ وَأخذُوا مَتَاع أكسوم فَانْصَرف إِلَى جده مغضباً فَبعث رجلا من أَصْحَابه يُقَال لَهُ شهر بن مَعْقُود على عشْرين ألفا من خولان والاشعريين فَسَارُوا حَتَّى نزلُوا بِأَرْض خثعم فتنحت خثعم عَن طريقهم فَلَمَّا دنا من الطَّائِف خرج إِلَيْهِ نَاس من بني خثعم وَنصر وَثَقِيف فَقَالُوا: مَا حاجت إِلَى طائفنا وَإِنَّمَا هِيَ قَرْيَة صَغِيرَة وَلَكنَّا ندلك على بَيت بِمَكَّة يعبد وحرز من لَجأ إِلَيْهِ من ملكه تمّ لَهُ ملك الْعَرَب فَعَلَيْك بِهِ وَدعنَا مِنْك فَأَتَاهُ حَتَّى إِذا بلغ المغمس وجد إبِلا لعبد الْمطلب مائَة نَاقَة مقلدة فاتهبها بَين أَصْحَابه فَلَمَّا بلغ ذَلِك عبد الْمطلب جَاءَهُ وَكَانَ جميلا وَكَانَ لَهُ صديق من أهل الْيمن يُقَال لَهُ ذُو عَمْرو فَسَأَلَهُ أَن يرد عَلَيْهِ إبِله فَقَالَ: إِنِّي لَا أُطِيق ذَلِك وَلَكِن إِن شِئْت أدخلتك على الْملك فَقَالَ عبد الْمطلب افْعَل السيوطي ٨/ ٦٢٧السيوطي ٨/ ٦٢٧
فَأدْخلهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِن لي إِلَيْك حَاجَة
قَالَ: قضيت كل حَاجَة تطلبها
قَالَ: أَنا فِي بلد حرَام وَفِي سَبِيل بَين أَرض الْعَرَب وَأَرْض الْعَجم وَكَانَت مائَة نَاقَة لي مقلدة ترعى بِهَذَا الْوَادي بَين مَكَّة وتهامة عَلَيْهَا عير أَهلهَا وَتخرج إِلَى تِجَارَتِنَا وتتحمل من عدوّنا عدا عَلَيْهَا جيشك فَأَخَذُوهَا وَلَيْسَ مثلك يظلم من جاوره
فَالْتَفت إِلَى ذِي عَمْرو ثمَّ ضرب بِإِحْدَى يَدَيْهِ على الْأُخْرَى عجبا فَقَالَ: لَو سَأَلَني كل شَيْء أحوزه أَعْطيته إِيَّاه أما ابلك فقد رددنا إِلَيْك وَمثلهَا مَعهَا فَمَا يمنعك أَن تكلمني فِي بنيتكم هَذِه وبلدكم هَذِه فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب: أما بنيتنا هَذِه وَبَلَدنَا هَذِه فَإِن لَهما رَبًّا إِن شَاءَ أَن يمْنَعهَا منعهما وَلَكِنِّي إِنَّمَا أُكَلِّمك فِي مَالِي فَأمر عِنْد ذَلِك بالرحيل وَقَالَ: لتهد من الْكَعْبَة ولتنهبن مَكَّة فَانْصَرف عبد الْمطلب وَهُوَ يَقُول: لَا همّ إِن الْمَرْء يمْنَع رَحْله فامنع حلالك لَا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك فَإِذا فعلت فَرُبمَا تحمى فَأمر مَا بدالك فَإِذا فعلت فَإِنَّهُ أَمر تتمّ بِهِ فعالك وغدوا غَدا بجموعهم والفيل كي يسبوا عِيَالك فَإِذا تَركتهم وكعبتا فوا حَربًا هُنَالك فَلَمَّا توجه شهر وَأَصْحَاب الْفِيل وَقد أَجمعُوا مَا أَجمعُوا طفق كلما وجهوه أَنَاخَ وبرك فَإِذا صرفوه عَنْهَا من حَيْثُ أَتَى أسْرع السّير فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى غشيهم اللَّيْل وَخرجت عَلَيْهِم طير من الْبَحْر لَهَا خراطيم كَأَنَّهَا البلس شَبيهَة بالوطواط حمر وسود فَلَمَّا رأوها أشفقوا مِنْهَا وَسقط فِي أَيْديهم فرمتهم بحجارة مدحرجة كالبنادق تقع على رَأس الرجل فَتخرج من جَوْفه فَلَمَّا أَصْبحُوا من الْغَد أصبح عبد الْمطلب وَمن مَعَه على جبالهم فَلم يرَوا أحدا غشيهم فَبعث ابْنه على فرس لَهُ سريع ينظر مَا لقوا فَإِذا هم مشدخين جَمِيعًا فَرجع يرفع رَأسه كاشفاً عَن فَخذه فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ قَالَ: إِن ابْن أَفرس الْعَرَب وَمَا كشف عَن فَخذه إِلَّا بشيراً أَو نذيراً فَلَمَّا دنا من ناديهم قَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ: هَلَكُوا جَمِيعًا
فَخرج عبد الْمطلب وَأَصْحَابه فَأخذُوا أَمْوَالهم وَقَالَ عبد الْمطلب شعرًا فِي الْمَعْنى: أَنْت منعت الْجَيْش والأفيالا وَقد رعو بِمَكَّة الأفيالا وَقد خشينا مِنْهُم القتالا وكل أَمر مِنْهُم معضالا شكرا وحمداً لَك ذَا الجلالا فَانْصَرف شهر هَارِبا وَحده فَأول منزل نزله سَقَطت يَده الْيُمْنَى ثمَّ نزل منزلا آخر فَسَقَطت رجله الْيُمْنَى فَأتى منزله وَقَومه وَهُوَ جَسَد لَا أَعْضَاء لَهُ فَأخْبرهُم الْخَبَر ثمَّ فاضت نَفسه وهم ينظرُونَ السيوطي ٨/ ٦٢٨السيوطي ٨/ ٦٢٨
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: جَاءَ أَصْحَاب الْفِيل حَتَّى نزلُوا الصفاح فَأَتَاهُم عبد الْمطلب فَقَالَ: إِن هَذَا بَيت الله لم يُسَلط عَلَيْهِ أحد
قَالُوا: لَا نرْجِع حَتَّى نهدمه وَكَانُوا لَا يقدمُونَ فيلهم إِلَّا تَأَخّر فَدَعَا الله الطير الأبابيل فَأَعْطَاهَا حِجَارَة سُودًا عَلَيْهِم الطين فَلَمَّا حاذتهم رَمَتْهُمْ فَمَا بَقِي مِنْهُ أحد إِلَّا أَخَذته الحكة فَكَانَ لَا يحك إِنْسَان مِنْهُم جلده إِلَّا تساقط لَحْمه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: أقبل أَصْحَاب الْفِيل حَتَّى إِذا دنوا من مَكَّة اسْتَقْبَلَهُمْ عبد الْمطلب فَقَالَ لملكهم: مَا جَاءَ بك إِلَيْنَا أَلا بعثت فنأتيك بِكُل شَيْء أردْت فَقَالَ: أخْبرت بِهَذَا الْبَيْت الَّذِي لَا يدْخلهُ أحد إِلَّا أَمن فَجئْت أخيف أَهله فَقَالَ: إِنَّا نَأْتِيك بِكُل شَيْء تُرِيدُ فَارْجِع فَأبى أَن يرجع إِلَّا أَن يدْخلهُ وَانْطَلق يسير نَحوه وتخلف عبد الْمطلب فَقَامَ على جبل فَقَالَ: لَا أشهد مهلك هَذَا الْبَيْت وَأَهله
ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِن لكل إِلَه حَلَالا فامنع حلالك لَا يغلبن محالهم أبدا محالك اللَّهُمَّ فَإِن فعلت فَأمر مَا بدا لَك فَأَقْبَلت مثل السحابة من نَحْو الْبَحْر حَتَّى أظلتهم طيراً أبابيل الَّتِي قَالَ الله ترميهم بحجارة من سجيل فَجعل الْفِيل يعج عجاً فجعلهم كعصف مَأْكُول
وَأخرج عبد بن حميد عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} قَالَ: أقبل أَبْرَهَة الأشرم بِالْحَبَشَةِ وَمن تبعه من غواة أهل الْيمن إِلَى بَيت الله ليهدموه من أجل بيعَة لَهُم أَصَابَهَا الْعَرَب بِأَرْض الْيمن فَأَقْبَلُوا بفيلهم حَتَّى إِذا كَانُوا بالصفاح فَكَانُوا إِذا وجهوه إِلَى بَيت الله ألْقى بجرانه إِلَى الأَرْض فَإِذا وجهوه قبل بِلَادهمْ انْطلق وَله هرولة حَتَّى إِذا كَانُوا ببجلة اليمانية بعث الله عَلَيْهِم طيراً أبابيل بيضًا وَهِي الْكَبِيرَة فَجعلت ترميهم بهَا حَتَّى جعلهم الله كعصف مَأْكُول فنجا أَبُو يكسوم فَجعل كلما نزل أَرضًا تساقط بعض لَحْمه حَتَّى إِذا أَتَى قومه فَأخْبرهُم الْخَبَر ثمَّ هلك السيوطي ٨/ ٦٢٩السيوطي ٨/ ٦٢٩
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} قَالَ: أَبُو يكسوم جَبَّار من الْجَبَابِرَة جَاءَ بالفيل يَسُوقهُ مَعَه الْحَبَش ليهْدم - زعم - بَيت الله من أجل بيعَة كَانَت هدمت بِالْيمن فَلَمَّا دنا الْفِيل من الْحرم ضرب بجرانه فَإِذا أَرَادوا بِهِ الرّجْعَة عَن الْحرم أسْرع الهرولة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: أقبل أَبُو يسكوم صَاحب الْحَبَشَة وَمَعَهُ الْفِيل فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْحرم برك الْفِيل فَأبى أَن يدْخل الْحرم فَإِذا وَجه رَاجعا أسْرع رَاجعا وَإِذا ارْتَدَّ على الْحرم أَبى فَأرْسل الله عَلَيْهِم طيراً صغَارًا بيضًا فِي أفواهها حِجَارَة أَمْثَال الحمص لَا تقع على أحد إِلَّا هلك
وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: جَاءَ أَصْحَاب الْفِيل حَتَّى نزلُوا الصفاح فَأَتَاهُم عبد الْمطلب فَقَالَ: إِن هَذَا بَيت لم يُسَلط عَلَيْهِ أحد
قَالُوا: لَا نرْجِع حَتَّى نهدمه وَكَانُوا لَا يقدمُونَ فيلهم إِلَّا تَأَخّر فَدَعَا الله الطير الأبابيل فَأَعْطَاهَا حِجَارَة سُودًا عَلَيْهَا الطين فَلَمَّا حاذت بهم صفت عَلَيْهِم ثمَّ رَمَتْهُمْ فَمَا بَقِي مِنْهُم أحد إِلَّا أَصَابَته الحكة
وَكَانُوا لَا يحك إِنْسَان مِنْهُم جلده إِلَّا تساقط جلده
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما أرسل الله الْحِجَارَة على أَصْحَاب الْفِيل جعل لَا يَقع مِنْهَا حجر إِلَّا سقط [] وَذَلِكَ مَا كَانَ الجدري ثمَّ أرسل الله سيلاً فَذهب بهم فألقاهم فِي الْبَحْر
قيل: فَمَا الأبابيل قَالَ: الْفرق
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن مَسْعُود {طيراً أبابيل} قَالَ: هِيَ الْفرق
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس {طيراً أبابيل} قَالَ: فوجاً بعد فَوْج كَانَت تخرج عَلَيْهِم من الْبَحْر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {طيراً أبابيل} قَالَ: خضر لَهَا خراطيم كخراطيم الإِبل وأنف كأنف الْكلاب وَأخرج عبد بن حميد عَن ابْن عَبَّاس {طيراً أبابيل} قَالَ: لَهَا أكفّ كأكفّ الرجل وأنياب كأنياب السبَاع السيوطي ٨/ ٦٣٠السيوطي ٨/ ٦٣٠
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ قَالَ: لما أَرَادَ الله أَن يهْلك أَصْحَاب الْفِيل بعث الله عَلَيْهِم طيراً نشأت من الْبَحْر كَأَنَّهَا الخطاطيف بكف كل طير مِنْهَا ثَلَاثَة أحجر مجزعة فِي منقاره حجر وحجران فِي رجلَيْهِ ثمَّ جَاءَت حَتَّى صفت على رؤوسهم ثمَّ صاحت وَأَلْقَتْ مَا فِي أرجلها ومناقيرها فَمَا من حجر وَقع مِنْهَا على رجل إِلَّا خرج من الْجَانِب الآخر إِن وَقع على رَأسه خرج من دبره وَإِن وَقع على شَيْء من بدنه خرج من الْجَانِب الآخر وَبعث الله ريحًا شَدِيدا فَضربت أرجلها فزادها شدَّة فأهلكوا جَمِيعًا
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن عِكْرِمَة {طيراً أبابيل} قَالَ: طير بيض وَفِي لفظ: خضر جَاءَت من قبل الْبَحْر كَأَن وجوهها وُجُوه السبَاع لم تَرَ قبل ذَلِك وَلَا بعده فأثرت فِي جُلُودهمْ مثل الجدري فَإِنَّهُ أول مَا رُؤِيَ الجدري
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} لما أقبل أَصْحَاب الْفِيل يُرِيدُونَ مَكَّة ورأسهم أَبُو يكسوم الحبشي حَتَّى أَتَوا المغمس أَتَتْهُم طيرا فِي منقار كل طير حجر وَفِي رجلَيْهِ حجران فرمتهم بهَا فَذَلِك قَوْله: {وَأرْسل عَلَيْهِم طيراً أبابيل} يَقُول: يتبع بَعْضهَا بَعْضًا {ترميهم بحجارة من سجيل} يَقُول من طين
قَالَ: وَكَانَت من جزع أظفار مثل بعر الْغنم فرمتهم بهَا {فجعلهم كعصف مَأْكُول} وَهُوَ ورق الزَّرْع الْبَالِي الْمَأْكُول: يَقُول: خرقتهم الْحِجَارَة كَمَا يتخرق ورق الزَّرْع الْبَالِي الْمَأْكُول
قَالَ: وَكَانَ إقبال هَؤُلَاءِ إِلَى مَكَّة قبل أَو يُولد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِثَلَاث وَعشْرين سنة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن أبي الكنود {ترميهم بحجارة من سجيل} قَالَ: دون الحمصة وَفَوق العدسة
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد عَن عمرَان {طيراً أبابيل} قَالَ: طير كَثِيرَة جَاءَت بحجارة كَثِيرَة أكبرها مثل الحمصة وأصغرها مثل العدسة
وَأخرج أَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ترميهم بحجارة من سجيل} قَالَ: بحجارة مثل البندق وَبهَا نضح حمرَة مختمة مَعَ كل طَائِر ثَلَاثَة أَحْجَار حجران فِي رجلَيْهِ وَحجر فِي منقاره حلقت عَلَيْهِم من السَّمَاء ثمَّ أرْسلت تِلْكَ الْحِجَارَة عَلَيْهِم فَلم تعد عَسْكَرهمْ السيوطي ٨/ ٦٣١السيوطي ٨/ ٦٣١
وَأخرج أَبُو نعيم عَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة الديلمي قَالَ: رَأَيْت الْحَصَى الَّتِي رمي بهَا أَصْحَاب الْفِيل حَصى مثل الحمص وأكبر من العدس حمر مختمة كَأَنَّهَا جزع ظفار
وَأخرج أَبُو نعيم عَن حَكِيم بن حزَام قَالَ: كَانَت فِي الْمِقْدَار من الحمصة والعدسة حَصى بِهِ نضح أَحْمَر مختمة كالجزع فلولا أَنه عذب بِهِ قوم أخذت مِنْهُ مَا اتَّخذهُ لي مَسْجِدا وَهِي بِمَكَّة كثير
وَأخرج أَبُو نعيم عَن أم كرز الْخُزَاعِيَّة قَالَت: رَأَيْت الْحِجَارَة الَّتِي رمي بهَا أَصْحَاب الْفِيل حمراً مختمة كَأَنَّهَا جزع ظفار فَمن غير ذَلِك فَلم ير مِنْهَا شَيْئا وَلم يصبهم كلهم وَقد أفلت مِنْهُم
وَأخرج أَبُو نعيم عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: جاؤوا بفيلين فَأَما مَحْمُود فَرَبَضَ وَأما الآخر فشجع فحصب
وَأخرج أَبُو نعيم عَن عَطاء بن يسَار قَالَ: حَدثنِي من كلم قَائِد الْفِيل وسائسه قَالَ لَهما: أخبراني خبر الْفِيل قَالَا: أَقبلنَا بِهِ وَهُوَ فيل الْملك النَّجَاشِيّ الْأَكْبَر لم يسر بِهِ قطّ إِلَى جمع إِلَّا هَزَمَهُمْ فَلَمَّا دنا من الْحرم جعلنَا كلما نوجهه إِلَى الْحرم يربض فَتَارَة نضربه فيهبط وتاره نضربه حَتَّى نمل ثمَّ نتركه فَلَمَّا انْتهى إِلَى المغمس ربض فَلم يقم فطلع الْعَذَاب فَقُلْنَا: نجا غيركما قَالَا: نعم
لَيْسَ كلهم أَصَابَهُ الْعَذَاب
وَولى أَبْرَهَة وَمن تبعه يُرِيد بِلَاده كلما دخلُوا أَرضًا وَقع مِنْهُم عُضْو حَتَّى انْتَهوا إِلَى بِلَاد خثعم وَلَيْسَ عَلَيْهِ غير رَأسه فَمَاتَ
وَأخرج أَبُو نعيم من طَرِيق عَطاء وَالضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَن أَبْرَهَة الأشرم قدم من الْيمن يُرِيد هدم الْكَعْبَة فَأرْسل الله عَلَيْهِم {طيراً أبابيل} يُرِيد مجتمعة لَهَا خراطيم تحمل حَصَاة فِي منقارها وحصاتين فِي رِجْلَيْهَا ترسل وَاحِدَة على رَأس الرجل فيسيل لَحْمه وَدَمه وَتبقى عظاماً خاوية لَا لحم عَلَيْهِ وَلَا جلد وَلَا دم
وَأخرج أَبُو نعيم عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه سَأَلَ رجلا من هُذَيْل قَالَ: أَخْبرنِي عَن يَوْم الْفِيل فَقَالَ: بعثت يَوْم الْفِيل طَلِيعَة على فرس لي أُنْثَى فَرَأَيْت طيراً خرجت من الْحرم فِي كل منقار طير مِنْهَا حجر وَفِي رجل كل طير مِنْهَا حجر وهاجت ريح وظلمة حَتَّى قعدت بِي فرسي مرَّتَيْنِ فمسحتهم مسحة [] كلفته كرداك وانجلت الظلمَة وسكنت الرّيح السيوطي ٨/ ٦٣٢السيوطي ٨/ ٦٣٢
قَالَ: فَنَظَرت إِلَى الْقَوْم خامدين
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم عَن أبي صَالح أَنه رأى عِنْد أم هَانِئ بنت أبي طَالب من تِلْكَ الْحِجَارَة نَحوا من قفيز مخططة بحمرة كَأَنَّهَا جزع ظفار مَكْتُوب فِي الْحجر اسْمه وَاسم أَبِيه
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس {فجعلهم كعصف} يَقُول: كالتبن
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس {فجعلهم كعصف مَأْكُول} قَالَ: ورق الْحِنْطَة
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: العصف الْمَأْكُول ورق الْحِنْطَة
وَأخرج عبد بن حميد عَن طَاوس {كعصف مَأْكُول} قَالَ: ورق الْحِنْطَة فِيهَا النقب
وَأخرج عبد بن حميد عَن عِكْرِمَة {كعصف مَأْكُول} قَالَ: إِذا أكل فَصَارَ أجوف
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو نعيم فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس {كعصف مَأْكُول} قَالَ: هُوَ الطُّيُور عصافة الزَّرْع
وَأخرج ابْن إِسْحَق فِي السِّيرَة والواقدي وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: لقد رَأَيْت سائس الْفِيل وقائده بِمَكَّة أعميين مقعدين يستطعمان
وَأخرج عبد بن حميد وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن أَبْزي قَالَ: ولد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفِيل
وَأخرج ابْن إِسْحَق وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ عَن قيس بن مخرمَة قَالَ: ولدت أَنا وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفِيل
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم قَالَ: ولد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَام الْفِيل وَكَانَت عكاظ بعد الْفِيل بِخمْس عشرَة سنة وَبني الْبَيْت على رَأس خمس وَعشْرين سنة من الْفِيل وتنبأ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رَأس أَرْبَعِينَ من الْفِيل بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم السيوطي ٨/ ٦٣٣السيوطي ٨/ ٦٣٣
هذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وَرَدهم بشر خيبة. وكانوا قوما نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان. ولكن كان هذا من باب الإرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش-على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد، صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.
وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نُوَاس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا -هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًا-فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة؛ لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر. واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر، استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخَلَفَ كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عَتَوْدَة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فَبَرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيها من تراب اليمن، وجز ناصيته فأرسلها معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يُبْنَ قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء. سمتها العرب القُلَّيس؛ لارتفاعها؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا. فأحدث فيها وكرّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث، رفعوا أمرهم إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا. ابن كثير ٩/ ٤٨٣ابن كثير ٩/ ٤٨٣
وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.
فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عَرَمرم؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له: محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك. ويقال: كان معه أيضًا ثمانية أفيال. وقيل: اثنا عشر فيلا. وقيل غيره، والله أعلم. يعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة. فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، ورأوا أن حقًا عليهم المحاجبة دون البيت، وَرَد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل [كان] من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له "ذو نَفْر" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله، عز وجل ، من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر "ذو نُفْر" فاستصحبه معه. ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، عَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَشْعمي في قومه: شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم، الذي عندهم، الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه "أبا رغَال" دليلا. فلما انتهى أبرهة إلى المُغَمْس -وهو قريب من مكة-نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب. وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: "الأسود بن مفصود" فهجاه بعض العرب -فيما ذكره ابن إسحاق -وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تَصُدوه عن البيت. فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟ ! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك. ابن كثير ٩/ ٤٨٤ابن كثير ٩/ ٤٨٤
ويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لاهُمَّ إنَّ المرء يمـ … نَعُ رَحْلَه فامْنع حِلالَك
لا يغلبنَّ صَلِيبُهم … ومحَالُهم غدوًا مِحَالك
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال .
وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مُقَلَّدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق، فينتقم الله منه.
فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله -وكان اسمه محمودًا-وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى.
جنبه ثم أخذ بأذنه وقال ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام". ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل. وخرج نفيل بن حبيب يَشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى. فضربوا في رأسه بالطْبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى؛ فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان.
مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق هذا. ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول: ابن كثير ٩/ ٤٨٥ابن كثير ٩/ ٤٨٥
أينَ المَفَرُّ? والإلهُ الطَّالب … والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب
قال ابن إسحاق: وقال نُفَيل في ذلك أيضًا:
ألا حُييت عَنا يا رُدَينا … نَعمْنا كُم مَعَ الأصبَاح عَينَا
رُدَينةُ لو رأيت -ولا تَرَيْه … لَدَى جَنْب المحصّب -ما رَأينَا
إذا لَعَذَرتني وَحَمَدت أمْري … وَلَم تأسي عَلَى مَا فات بَيْنَا
حَمِدتُ الله إذ أبصَرتُ طيرًا … وَخفْتُ حَجارة تُلقَى عَلَينا
فَكُلّ القوم يَسألُ عَن نُفَيل … كَأنَّ عليَ للحُبْشَان دَينَا!
وذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب [فيها] فإذا وجهوه إلى الحرم رَبَض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، ومسعود [بن عمرو] الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل، وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك، إذ بعث الله عليهم طيرًا أبابيل، أي قَطَعًا قِطَعًا صفرا دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاث أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.
وقال محمد بن كعب: جاءوا بفيلين فأما محمود فَرَبض، وأما الآخر فَشَجُع فحُصِب.
وقال وهب بن مُنَبِّه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك-فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تَشَجَّع فحصب، فهربت بقية الفيلة.
وقال عطاء بن يَسَار، وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.
قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
وذكر مقاتل بن سليمان: أن قريشًا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. ابن كثير ٩/ ٤٨٦ابن كثير ٩/ ٤٨٦
وقال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عُتْبَة: أنه حدث أن أول ما رؤيت الحَصبة والجُدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل والعُشر، ذلك العام .
وهكذا روي عن عكرمة، من طريق جيد.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يَعُد به على قريش من نعْمتَه عليهم وفضله، ما رَدَّ عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدتهم، فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) . ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [سورة قريش] أي: لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
قال ابن هشام: الأبابيل الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج: الحجر، والجل: الطين. يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصفُ: ورقُ الزرع الذي لم يُقضب، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره .
وقد قال حماد بن سلمة: عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -وأبو سلمة بن عبد الرحمن-: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: الفرق .
وقال ابن عباس، والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضًا. وقال الحسن البصري، وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا، ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان.
وقال الكسائي: سمعت [النحويين يقولون: أبول مثل العجول. قال: وقد سمعت] بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل.
وقال ابن جرير: [حدثنا ابن المثنى] حدثني عبد الأعلى، حدثني داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ أنه قال في قوله: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) هي: الأقاطيع، كالإبل المؤبلة. ابن كثير ٩/ ٤٨٧ابن كثير ٩/ ٤٨٧
وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب.
وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: كانت طيرًا خضرا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع.
وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي طير سود بحرية، في منقارها وأظافيرها الحجارة.
وهذه أسانيد صحيحة.
وقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا خضرا لها مناقير صفر، تختلف عليهم.
وعن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مُغْرب. رواه عنهم ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر، أمثال الخطاطيف. كل طير منها تحمل ثلاثة أحجار مجزعة: حجرين في رجليه وحجرا في منقاره. قال: فجاءت حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا وخرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا.
وقال السُّدِّي، عن عكرمة، عن ابن عباس: (حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: طين في حجارة: "سنك -وكل" وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هبور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة. وعنه أيضا: العصف: التبن. والمأكول: القصيل يجز للدواب. وكذلك قال الحسن البصري.
وعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة، كالغلاف على الحنطة.
وقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع، وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار درينا .
والمعنى: أن الله، سبحانه وتعالى ، أهلكهم ودمرهم، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم بخير إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بها جرى لهم، ثم مات. فملك بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة ثم خرج سيف بن ذي يَزَن الحميري إلى كسرى فاستغاثه على الحبشة، فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه، فرد الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب للتهنئة. ابن كثير ٩/ ٤٨٨ابن كثير ٩/ ٤٨٨
وقد قال محمد بن إسحاق: حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مُقْعَدَين، يستطعمان ورواه الواقدي، عن عائشة مثله. ورواه أيضا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس، عند إساف ونائلة، حيث يذبح المشركون ذبائحهم.
قلت: كان اسم قائد الفيل: أنيسا.
وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة" من طريق ابن وهب، عن ابن لَهِيعة عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث على الجيش رجلا يقال له: شمر بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفًا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلا فأصبحوا صرعى.
وهذا السياق غريب جدًا، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه على غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لَهِيعة، عن الأسود، عن عُرْوَة: أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش، والله أعلم.
ثم ذكر ابن إسحاق شيئًا من أشعار العرب، فيما كان من قصة أصحاب الفيل، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزبعرى:
تَنَكَّلُوا عن بطن مَكَّةَ إنها … كانتْ قديمًا لا يُرَام حَريمها
لم تُخلَق الشِّعرَى ليالي حُرّمتْ … إذ لا عزيزَ من الأنام يَرُومها
سائل أميرَ الجيش عنها ما رَأى? … فلسوفَ يُنبي الجاهلين عليمها
ستونَ ألفًا لم يئوبوا أرَضهم … بل لم يعش بعد الإياب سقيمها
كانتْ بها عادٌ وجُرْهُم قبلهم … واللهُ من فوق العباد يُقيمها
وقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المري: ابن كثير ٩/ ٤٨٩ابن كثير ٩/ ٤٨٩
ومن صُنْعه يوم فيل الحُبُو … ش، إذ كل ما بَعَثُوه رَزَمْ
محاجنهم تحت أقرابه … وقد شَرَموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا … إذا يَمَّمُوه قَفَاه كُليم
فَسوَّل أدبر أدراجه … وقد باء بالظلم من كان ثمَّ
فأرسل من فوقهم حاصبًا … يَلُفهُم مثْلَ لَفُ القزُم
تحث على الصَّبر أحبارُهم … وَقَد ثأجُوا كَثؤاج الغَنَم
وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:
إن آيات رَبِّنا بَاقياتٌ … مَا يُمَاري فيهنَّ إلا الكفورُ
خُلِقَ الليلُ والنهارُ فَكُلّ … مستبينٌ حسابُه مَقْدُورُ
ثمَّ يجلو النَّهارَ ربٌ رحيمٌ … بمهاة شُعَاعها منشورُ
حُبِسَ الفيلُ بالمُغمَّس حَتَّى … صار يَحْبُو، كأنه معقورُ
لازمًا حلقُه الجرانَ كما قُطِّر … من ظَهْر كَبْكَب مَحدُورُ
حَوله من مُلُوك كِندةَ أبطالُ … ملاويثُ في الحُرُوب صُقُورُ
خَلَّفُوه ثم ابذَعرّوا جَميعًا، … كُلَّهم عَظْمُ ساقه مَكْسُورُ
كُلّ دين يَومَ القِيَامة عندَ الـ … له إلا دِينُ الحَنِيفَة بورُ
وقد قدمنا في تفسير "سورة الفتح" أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء، أي: حَرَنت. فقال رسول الله ﷺ : "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يُعَظمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتهم إليها" . ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري .
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسَلَّط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب" .
آخر تفسير سورة "الفيل" . ابن كثير ٩/ ٤٩٠ابن كثير ٩/ ٤٩٠
لا كتاب مختار.