وَٱلطُّورِ ١
التفسير
أقسم الله بالطور، وهو الجبل الذي كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه، وبكتاب مكتوب، وهو القرآن في صحف منشورة، وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفون به دائمًا، وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا، وبالبحر المسجور المملوء بالمياه.
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله {وَالطور} قَالَ: جبل
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الطّور من جبال الْجنَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن كثير بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الطّور جبل من جبال الْجنَّة وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {وَالطور} قَالَ: هُوَ الْجَبَل بالسُّرْيَانيَّة {وَكتاب مسطور} قَالَ: صحف {فِي رق منشور} قَالَ: الصَّحِيفَة السيوطي ٧/ ٦٢٦السيوطي ٧/ ٦٢٦
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله {وَكتاب} قَالَ: الذّكر {مسطور} قَالَ: مَكْتُوب
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْبُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله {وَالطور وَكتاب مسطور} قَالَ: مَكْتُوب {فِي رق منشور} قَالَ: هُوَ الْكتاب
وَأخرج آدم بن أبي اياس وَالْبُخَارِيّ فِي خلق أَفعَال الْعباد وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله {وَكتاب مسطور} قَالَ: صحف مَكْتُوبَة {فِي رق منشور} قَالَ: فِي صحف
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {فِي رق منشور} قَالَ: فِي الْكتاب
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء السَّابِعَة يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لَا يعودون إِلَيْهِ حَتَّى تقوم السَّاعَة
وَأخرج ابْن الْمُنْذر والعقيلي وَابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: فِي السَّمَاء بَيت يُقَال لَهُ الْمَعْمُور بحيال الْكَعْبَة وَفِي السَّمَاء الرَّابِعَة نهر يُقَال لَهُ الْحَيَوَان يدْخلهُ جِبْرِيل كل يَوْم فينغمس انغماسة ثمَّ يخرج فينتفض انتفاضة يخر عَنهُ سَبْعُونَ ألف قَطْرَة يخلق الله من كل قَطْرَة ملكا يؤمرون أَن يَأْتُوا الْبَيْت الْمَعْمُور فيصلون فيفعلون ثمَّ يخرجُون فَلَا يعودون إِلَيْهِ أبدا ويولي عَلَيْهِم أحدهم يُؤمر أَن يقف بهم فِي السَّمَاء موقفا يسبحون الله فِيهِ إِلَى أَن تقوم السَّاعَة
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه بِسَنَد ضَعِيف عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: الْبَيْت الْمَعْمُور فِي السَّمَاء يُقَال لَهُ الضراح على مثل الْبَيْت الْحَرَام بحياله لَو سقط لسقط عَلَيْهِ يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك لم يردوه قطّ وَإِن لَهُ فِي السَّمَاء حُرْمَة على قدر حُرْمَة مَكَّة وَأخرجه عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف عَن كريب مولى ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا مُرْسلا السيوطي ٧/ ٦٢٧السيوطي ٧/ ٦٢٧
وَأخرج اسحق بن رَاهَوَيْه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن خَالِد بن عرْعرة أَن رجلا قَالَ لعَلي رَضِي الله عَنهُ: مَا الْبَيْت الْمَعْمُور قَالَ: بَيت فِي السَّمَاء يُقَال لَهُ الضراح وَهُوَ بحيال مَكَّة من فَوْقهَا حرمته فِي السَّمَاء كَحُرْمَةِ الْبَيْت فِي الأَرْض يُصَلِّي فِيهِ كل يَوْم سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة لَا يعودون إِلَيْهِ أبدا
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن الْمُنْذر وَابْن جرير وَابْن الْأَنْبَارِي فِي الْمَصَاحِف عَن أبي الطُّفَيْل أَن ابْن الكوا سَأَلَ عليا رَضِي الله عَنهُ عَن الْبَيْت الْمَعْمُور مَا هُوَ قَالَ: ذَلِك الضراح بَيت فَوق سبع سموات تَحت الْعَرْش يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك ثمَّ لَا يعودون إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله {وَالْبَيْت الْمَعْمُور} قَالَ: هُوَ بَيت حذاء الْعَرْش يعمره الْمَلَائِكَة يُصَلِّي فِيهِ كل يَوْم سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة ثمَّ لَا يعودون إِلَيْهِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله {وَالْبَيْت الْمَعْمُور} قَالَ: أنزل من الْجنَّة فَكَانَ يعمر بِمَكَّة فَلَمَّا كَانَ الْغَرق رَفعه الله فَهُوَ فِي السَّمَاء السَّادِسَة يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك من قَبيلَة إِبْلِيس ثمَّ لَا يرجع إِلَيْهِ أحد يَوْمًا وَاحِدًا أبدا
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عبد الله بن عَمْرو رَفعه قَالَ: إِن الْبَيْت الْمَعْمُور بحيال الْكَعْبَة لَو سقط شَيْء مِنْهُ لسقط عَلَيْهَا يُصَلِّي فِيهِ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك وَالْحرم حرم بحياله إِلَى الْعَرْش وَمَا من السَّمَاء مَوضِع إهَاب إِلَّا وَعَلِيهِ ملك ساجد أَو قَائِم
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: إِن فِي السَّمَاء بَيْتا يُقَال لَهُ الضراح وَهُوَ فَوق الْبَيْت من حياله حرمته فِي السَّمَاء كَحُرْمَةِ هَذَا فِي الأَرْض يلجه كل لَيْلَة سَبْعُونَ ألف ملك يصلونَ فِيهِ لَا يعودون إِلَيْهِ أبدا غير تِلْكَ اللَّيْلَة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قدم مَكَّة فَأَرَادَتْ عَائِشَة أَن تدخل الْبَيْت فَقَالَ لَهَا بَنو شيبَة: إِن أحدا لَا يدْخلهُ لَيْلًا وَلَكِن نخليه لَك نَهَارا فَدخل عَلَيْهَا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فشكت إِلَيْهِ أَنهم منعوها أَن تدخل الْبَيْت فَقَالَ: إِنَّه لَيْسَ لأحد أَن يدْخل الْبَيْت لَيْلًا إِن هَذِه الْكَعْبَة بحيال الْبَيْت الْمَعْمُور الَّذِي فِي السَّمَاء يدْخل ذَلِك الْمَعْمُور سَبْعُونَ ألف ملك لَا يعودون إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَو وَقع حجر مِنْهُ لوقع على ظهر الْكَعْبَة السيوطي ٧/ ٦٢٨السيوطي ٧/ ٦٢٨
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَالْبَيْت الْمَعْمُور} قَالَ: ذكر لنا أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه: هَل تَدْرُونَ مَا الْبَيْت الْمَعْمُور قَالُوا: الله وَرَسُوله أعلم
قَالَ: فَإِنَّهُ مَسْجِد فِي السَّمَاء بحيال الْكَعْبَة لَو خرَّ خرَّ عَلَيْهَا يُصَلِّي كل يَوْم فِيهِ سَبْعُونَ ألف ملك إِذا خَرجُوا مِنْهُ لم يعودوا آخر مَا عَلَيْهِم
وَأخرج ابْن جرير عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لما عرج بِي الْملك إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة انْتَهَيْت إِلَى بِنَاء فَقلت للْملك مَا هَذَا قَالَ: هَذَا بِنَاء بناه الله للْمَلَائكَة يدْخلهُ كل يَوْم سَبْعُونَ ألف ملك يسبحون الله ويقدسونه لَا يعودون إِلَيْهِ
وَأخرج ابْن رَاهَوَيْه وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة وَالْحَاكِم وَصَححهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله {والسقف الْمَرْفُوع} قَالَ: السَّمَاء
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع بن أنس فِي قَوْله {والسقف الْمَرْفُوع} قَالَ: الْعَرْش {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: هُوَ المَاء الْأَعْلَى الَّذِي تَحت الْعَرْش
وَأخرج ابْن جرير وَأَبُو الشَّيْخ عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {والسقف} قَالَ: السَّمَاء
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: بَحر فِي السَّمَاء تَحت الْعَرْش
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَمْرو مثله
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: الْمَحْبُوس
وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: الْمُرْسل وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: قَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ لرجل من الْيَهُود: أَيْن جَهَنَّم قَالَ: هِيَ الْبَحْر فَقَالَ عليّ: مَا أرَاهُ إِلَّا صَادِقا وَقَرَأَ {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} {وَإِذا الْبحار سجرت} التكوير ٦ السيوطي ٧/ ٦٢٩السيوطي ٧/ ٦٢٩
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ فِي العظمة وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث والنشور عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: مَا رَأَيْت يَهُودِيّا أصدق من فلَان زعم أَن نَار الله الْكُبْرَى هِيَ الْبَحْر فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله فِيهِ الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم ثمَّ بعث عَلَيْهِ الدبور فسعرته
وَأخرج ابْن جرير عَن مُجَاهِد فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: الموقد
وَأخرج أَبُو الشَّيْخ عَن كَعْب فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: الْبَحْر يسجر فَيصير جَهَنَّم
وَأخرج ابْن جرير عَن قَتَادَة فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: المملوء
وَأخرج الشِّيرَازِيّ فِي الألقاب من طَرِيق الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن ذِي الرمة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله {وَالْبَحْر الْمَسْجُور} قَالَ: الفارغ خرجت أمة تستقي فرأت الْحَوْض فَارغًا فَقَالَت: الْحَوْض مسجور
الآيا ٧ - ١٨ أخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن سعد وَأحمد عَن جُبَير بن مطعم قَالَ: قدمت الْمَدِينَة فِي أُسَارَى بدر على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فوقفت إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْمغرب فَسَمعته يقْرَأ {إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع} فَكَأَنَّمَا صدع قلبِي وَأخرج أَبُو عبيد فِي فضائله عَن الْحسن أَن عمر بن الْخطاب قَرَأَ {إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع} فربا لَهَا ربوة عيد لَهَا عشْرين يَوْمًا السيوطي ٧/ ٦٣٠السيوطي ٧/ ٦٣٠
وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن مَالك بن مغول قَالَ: قَرَأَ عمر {وَالطور وَكتاب مسطور فِي رق منشور} قَالَ: قسم إِلَى قَوْله {إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع} فَبكى ثمَّ بَكَى حَتَّى عيد من وَجَعه ذَلِك
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة فِي قَوْله {إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع} قَالَ: وَقع الْقسم هُنَا وَذَاكَ يَوْم الْقِيَامَة السيوطي ٧/ ٦٣١السيوطي ٧/ ٦٣١
يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة: أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له: جبل.
(وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) . ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء -بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" يعني: يتعبدون فيه ويطوفون، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل، عليه السلام ، مسندا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم. ابن كثير ٨/ ٤٢٧ابن كثير ٨/ ٤٢٧
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "في السماء السابعة بيت يقال له: " المعمور "؛ بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: " الحيوان " يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة" .
هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم.
قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري
وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السُّريّ، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: "الضُّراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدا
وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سِمَاك وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن طَلْق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: "الضُّراح" ، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطُّفَيْل، عن علي بمثله.
وقال العَوْفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف. ابن كثير ٨/ ٤٢٨ابن كثير ٨/ ٤٢٨
وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم" .
وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم: الحِن ، من قبيلة إبليس ، فالله أعلم.
وقوله: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) : قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة، عن علي: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يعني: السماء، قال سفيان: ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جُرَيْج، وابن زيد، واختاره ابن جرير.
وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور.
وقوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) : قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل [الله] منه المطر الذي يحيى به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: (المسجور) ، فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عُمير وغيرهم.
وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.
وعن سعيد بن جُبير: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يعني: المرسل. وقال قتادة: ( [وَالْبَحْرِ] الْمَسْجُورِ) المملوء. واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء.
وقيل: المراد به الفارغ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال: الفارغ؛ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: "إن الحوض مسجور" ، تعني: فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. ابن كثير ٨/ ٤٢٩ابن كثير ٨/ ٤٢٩
وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها. قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رحمه الله ، في مسنده، فإنه قال:
حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل " .
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون-عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إليَّ أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل " . فيه رجل مبهم لم يسم .
وقوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) : هذا هو المقسم عليه، أي: الواقع بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى: (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.
قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يَعِسّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: (والطور) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) قال: قسم -ورب الكعبة-حق. فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه .
وقال الإمام أبو عبيد في "فضائل القرآن" : حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن: أن عمر قرأ: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما .
وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) : قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكا. وعن ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى: ابن كثير ٨/ ٤٣٠ابن كثير ٨/ ٤٣٠
كأن مشْيَتَها من بيتِ جَارتها … مَورُ السحابة لا رَيْثٌ ولا عجل
(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) أي: تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا.
(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعقابه لهم.
(الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا.
(يَوْمَ يُدَعُّونَ) أي: يدفعون ويساقون، (إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) : وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري: يدفعون فيها دفعا.
(هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا. ابن كثير ٨/ ٤٣١ابن كثير ٨/ ٤٣١
لا كتاب مختار.