ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًۭا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍۢ ۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ٨٥
القراءات
واخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم) . وبعضُهم: (أُسارَى تُفادُوهم) . وبعضُهم: الطبري ٢/ ٢١٢الطبري ٢/ ٢١٢
اخْتَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: (وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون) . بالياءِ على وجهِ الإخْبارِ عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتِهم معنى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلَّا الخِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ. الطبري ٢/ ٢١٧الطبري ٢/ ٢١٧
قوله: ﴿تَظاهَرُونَ﴾ قرأه الكوفيون مخفّفا، ومثله في التحريم:
﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ «التحريم ٤» ، وشدّدهما الباقون.
وعلة ذلك لمن خفّف، أن الأصل «تتظاهرون» بتاءين، فاستثقل التكرير في فعل، والفعل ثقيل، في الجمع ، والجمع ثقيل، فحذف إحدى التاءين استخفافا، وكأنه استثقل الإدغام، لأن الحرف باق بدله مع الإدغام، والمحذوف هي التاء الثانية عند سيبويه، لأن بها يقع التكرير والاستثقال، لأن التاء الأولى تدل على الاستثقال، ولو حذفت لذهبت الدلالة، والتاء الأولى هي المحذوفة عند الكوفيين لزيادتها. مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٠مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٠
وعلة من شدّد أنه كره الحذف. فأدغم التاء الثانية في الظاء، فزال لفظ التكرير، وحسن، الإدغام لأنك تبدل من التاء في الإدغام حرفا أقوى من التاء، وهو الظاء .
قوله: ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ قرأ حمزة «أسرى» على وزن «فعلى» ، وقرأ الباقون «أسارى» على وزن «فعالى» ، وقرأ نافع وعاصم والكسائي «تفادوهم» بضم التاء وبالألف، وقرأ الباقون «تفدوهم» بفتح التاء [وإسكان الفاء] من غير ألف.
وعلة من قرأ «أسرى» ، على «فعلى» ، أنه جمع أسير ك «جريح، وقتيل» بمعنى مأسور ومجروح ومقتول. فلمّا كان «جريح وقتيل» يجمعان على «فعلى» ، ولا يجمعان على «فعالى» ، فعل ب «أسير» ذلك، فهو أصله، وبه قرأ الحسن وابن وثّاب وابن أبي إسحاق والنّخعي وطلحة وعيسى والأعمش.
وحجة من قرأ «أسارى» على [وزن] «فعالى» أنه شبّهه ب «كسالى» ، وذلك أن الأسير، لمّا كان محبوسا عن كثير من تصرّفه، صار كالكسلان، الذي حبسه الكسل عن كثير من تصرفه، فلمّا اشتبها في هذا المعنى حملا في الجمع على بناء واحد، فجمع «كسلان» على «كسلى» وهو باب أسير، وجمع «أسير» على «أسارى» ، وهو باب «كسلان» . فكل واحد محمول على الآخر. مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥١مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥١
وعلة من قرأ «تفادوهم» بألف وضمّ التاء أنه بناه على أصل المفاعلة من اثنين لأن كل واحد من الفريقين يدفع من عنده من الأساري ويأخذ من عند الآخرين من الأسرى فكل واحد مفاد فاعل، والفاعلان بابهما المفاعلة.
وأيضا فإن المفاعلة قد تكون من واحد، فيكون [معناه] معنى قراءة من قرأ بغير ألف، فيتفق معنى القراءتين. فأما من قرأه بفتح التاء، من غير ألف، فإنه بناه على أن أحد الفريقين يفدي أصحابه من الفريق الآخر، بمال أو غيره، من عرض. وكذلك العادة في المغلوب، هو يفدي ما أخذ له الغالب. فالفعل من واحد، إذ لا يكون كل واحد من الفريقين غالبا، وإنما تحمل المفاعلة على القراءة بالألف أن لكل واحد من الفريقين أسيرا فيفادي كل واحد [منهما] ويدفع ما عنده من الأسرى بما عند الفريق الآخر من الأسرى. ويجوز أن يكون تقاتلا فغلب أحدهما الآخر، وأسر الغالب، ثم تقاتلا فغلب المغلوب وأسر، ثم تفادوا. وإنما أسروا أسرى هؤلاء وأسرى هؤلاء. والاختيار «أسارى» على «فعالى» و «تفدوهم» بغير ألف لما ذكرنا من العلة، ولأن القراءتين قد ترجعان إلى معنى، ولأن أكثر القراء على ذلك. وبذلك قرأ مجاهد وابن محيصن والأعرج وشبل، وبه قرأ قتادة وأبو عبد الرحمن وغيرهم. وكان أبو عمرو يقول: الأسرى الذين جاؤوا مستأمنين، والأسارى الذين في الوثاق والسجون أخذوا قسرا . مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٢مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٢
قوله: (تعملون. أولئك) قرأه الحرميان وأبو بكر بالياء، ردّوه على قوله: ﴿يُرَدُّونَ﴾ وعلى قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾، وقوله: (عنهم) (ولاهم) فلمّا أتى كلّه بلفظ الغائب، حمل صدر الكلام عليه، وقرأ الباقون بالتاء، حملوه على ما تقدّم من الخطاب في قوله: ﴿يَأْتُوكُمْ أُسارى﴾ و ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وقوله: ﴿فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ﴾، فلمّا تكرّر الخطاب حمل عليه، وهو الاختيار لكثرة ما قبله من الخطاب، ولأن أكثر القراء عليه . مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٢مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٥٢
لا كتاب مختار.