القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا ١

سورة الطلاق، الآية ١مدنية
في سورتها

التفسير

المختارةالكشف والبيان عن تفسير القرآنالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

يا أيها النبي إذا أردتم -أنت والمؤمنون- أن تطلِّقوا نساءكم فطلقوهن مستقبلات لعدتهن -أي في طهر لم يقع فيه جماع، أو في حَمْل ظاهر- واحفظوا العدة؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن، وخافوا الله ربكم، لا تخرجوا المطلقات من البيوت التي يسكنَّ فيها إلى أن تنقضي عدتهن، وهي ثلاث حيضات لغير الصغيرة والآيسة والحامل، ولا يجوز لهن الخروج منها بأنفسهن، إلا إذا فعلن فعلة منكرة ظاهرة كالزنى، وتلك أحكام الله التي شرعها لعباده، ومن يتجاوز أحكام الله فقد ظلم نفسه، وأوردها مورد الهلاك. لا تدري -أيها المطلِّق-: لعل الله يحدث بعد ذلك الطلاق أمرًا لا تتوقعه فتراجعها.

الكشف والبيان عن تفسير القرآنالثعلبي، ت ٤٢٧هـ

١ - {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ}

هذِه السورة تسمى سورة النساء القُصرى وافتتحها الله تعالى بخطاب نبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} ثم جمع الخطاب فقال عزَّ من قائل: {إِذَا طَلَّقْتُمُ} ومجازها: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} قل لأمتك {إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} أي: أردتم تطليقهن كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وهو: أن يطلقها طاهرة من غير جماع ؛ يقول: طلقوهن لطهرهن الذي يحصين من عدتهن. الثعلبي ٢٦/ ٥١٨الثعلبي ٢٦/ ٥١٨

ولا تطلقوهن لحيضهن الذي لا يعتددن به من قروئهن، وهذا للمدخول بها؛ لأن من لم يُدخل بها لا عدة عليها، فإذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه نفذ طلاقه، وأصاب السنة، وإن طلقها حائضًا وقع الطلاق، ولم يكن طلاق السنة . الثعلبي ٢٦/ ٥١٩الثعلبي ٢٦/ ٥١٩

وقال سعيد بن المسيّب في آخرين : لا يقع؛ لأنه خلاف ما أُمر. وإليه ذهبت الشيعة . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٠الثعلبي ٢٦/ ٥٢٠

فإن طلّقها في طهرها ثلاثًا، فكرهه قوم، وقالوا: ليس بطلاق سنة؛ لأنه لم يدع للإمساك موضعًا . وكان الشَّافعيّ رحمه الله، والجمهور يبيحونه ولا يكرهونه ، لأن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته ثلاثًا ، وأن العجلاني لما لاعن قال: كذبت عليها إن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا، فلم ينكر عليه النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - . الثعلبي ٢٦/ ٥٢١الثعلبي ٢٦/ ٥٢١

واختلف المفسرون فيمن نزلت فيه هذِه الآية .

[٣١٥٩] أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا عبيد الله بن محمَّد بن شنبة ، حدثنا أبو القاسم عمر بن عقبة بن الزُّبير الأَنْصَارِيّ ، حدثنا أبو عبد الله محمَّد بن ثواب بن سعيد بن هَبّار الكُوفيّ ، حدثنا أسباط بن محمَّد ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - قال: طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حفصة - رضي الله عنها - فأتت إِلَى أهلها، فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} وقيل له: راجعها فإنَّها صوامة قوامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنة . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٢الثعلبي ٢٦/ ٥٢٢

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٤الثعلبي ٢٦/ ٥٢٤

وقال السُّدِّي: نزلت في عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، وذلك أنَّه طلق امرأته حائضًا، فأمره النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ويمسكها حتَّى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت طلقها إن شاء قبل أن يجامعها، أو يمسكها، فإنَّها العدة التي أمر الله بها . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٥الثعلبي ٢٦/ ٥٢٥

[٣١٦٠] أخبرنا عبد الله بن حامد ، حدثنا محمَّد بن يعقوب ، حدثنا الحسن بن عليّ بن عفان ، حدثنا محمَّد بن عبيد الطنافسي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: طلقت امرأتي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض، فذكر ذلك عمر - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها إن شاء قبل أن يجامعها، أو يمسكها؛ فإنَّها العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء" . قال: فقلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتدت بها . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٦الثعلبي ٢٦/ ٥٢٦

وقال المقاتلان: نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو ابن سعيد بن العاص، وطفيل بن الحارث، وعتبة بن غزوان . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٧الثعلبي ٢٦/ ٥٢٧

[٣١٦١] أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا أَحْمد بن عبد الله المزني ، حدثنا الحضرميّ ، حدثنا عثمان ، حدثنا عبد السلام ابن حرب ، عن يزيد الدَّالاني عن أبي العلاء الأَودي ، عن حُميد بن عبد الرحمن ، قال: بلغ أَبا موسى أن النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- وجد عليهم فأتاه فذكر ذلك له، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقول أحدكم: قد تزوجت، قد طلقت، وليس كذلك عدة المسلمين، طلقوا المرأة في قُبل عدتها" . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٨الثعلبي ٢٦/ ٥٢٨

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٢٩الثعلبي ٢٦/ ٥٢٩

وكان ابن عباس ، وابن عمر - رضي الله عنهم - يقرآن: (فطلقوهن في قُبُل عدتهن) . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٠الثعلبي ٢٦/ ٥٣٠

وفي هذِه الآية دليل واضح أن السنة والبدعة اعتبارهما في وقت الطلاق، لا في عدد الطلاق؛ لأن الله تعالى ذكر وقت الطلاق فقال: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} ولم يذكر عدد الطلاق، وكذلك في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - الذي رويناه دليل أن الاعتبار بالوقت لا بالعدد؛ لأن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - علمه الوقت لا العدد .

فصل: في ذكر الأخبار الواردة في الطلاق .

[٣١٦٢] أخبرنا الحسين بن فنجويه -بقراءتي عليه- حدثنا عبيد الله ابن محمَّد بن شنبة ، حدثنا أبو حامد أَحْمد بن جعفر المستملي ، حدثنا أبو محمَّد يحيى بن إسحاق بن سافري ببغداد، حدثنا أَحْمد ابن جناب ، حدثنا عيسى بن يونس ، أخبرنا (عبيد الله) بن الوليد الوصافي ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أبغض الحلال إِلَى الله الطلاق" . الثعلبي ٢٦/ ٥٣١الثعلبي ٢٦/ ٥٣١

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٣الثعلبي ٢٦/ ٥٣٣

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٤الثعلبي ٢٦/ ٥٣٤

[٣١٦٣] أخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا ابن حبش المقرئ ، حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائي -بحلب-، حدثنا ابن إبراهيم الترجماني، حدثنا عمرو بن جُميع ، عن جُويبر ، عن الضحاك ، عن النزال بن سبرة ، عن علي عليه السلام عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش" . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٥الثعلبي ٢٦/ ٥٣٥

[٣١٦٤] وأخبرنا ابن فنجويه ، حدثنا عبيد الله بن محمَّد بن شنبة ، حدثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة ، أخبرنا أبي ، أخبرنا أبو أسامة ، عن حماد بن زيد ، عن أَيُّوب ، عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرَّحبي عن ثوبان - رضي الله عنه - رفعه إِلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، فحرام عليها ريح الجنة" . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٦الثعلبي ٢٦/ ٥٣٦

[٣١٦٥] وأخبرنا الحسين بن محمَّد بن الحسين بن عبد الله ، أخبرنا موسى بن محمَّد بن عليّ ، حدثنا عبد الله بن محمَّد بن ناجية ، حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا محمَّد بن عبد الملك - يعني: الواسطيّ-، حدثنا عمرو بن قيس الملائي عن عبد الله ابن عيسى ، عن عمارة بن راشد ، عن عُبادة بن نسي ، عن أبي موسى الأَشْعريّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تطلقوا النساء إلَّا من ريبة؛ فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات" . الثعلبي ٢٦/ ٥٣٨الثعلبي ٢٦/ ٥٣٨

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٠الثعلبي ٢٦/ ٥٤٠

[٣١٦٦] وأخبرنا ابن فنجويه ، أخبرنا أبو حذيفة أَحْمد بن محمَّد بن عليّ ، حدثنا عبد الصمد بن سعيد -قاضي حمص - حدثنا عبد السلام بن العباس بن الوليد الحضرميّ ، أخبرنا محمَّد ابن خالد ، حدثنا أبي ، حدثنا سويد ، عن حميد عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق" . الثعلبي ٢٦/ ٥٤١الثعلبي ٢٦/ ٥٤١

قوله تعالى: {وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} أي: عدد أقرائها فاحفظوها {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} حتَّى تنقضي عدتهن {وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وهي: الزنا، فيخرجن لإقامة الحد عليهن. هذا قول أكثر المفسرين . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٣الثعلبي ٢٦/ ٥٤٣

وقال قتادة: معناه، إلَّا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها. والفاحشة: النشوز .

وقال ابن عمر والسدي : خروجها قبل انقضاء عدتها فاحشة.

[٣١٦٧] وأنبأني عبد الله بن حامد ، أخبرنا محمَّد بن الحسن ، حدثنا الفضل بن المسيّب ، حدثنا سنيد ، حدثنا سفيان ، عن محمَّد بن عمرو بن علقمة عن محمَّد بن إبراهيم التيمي ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} قال: إلَّا أن تبدو على أهلها، فإذا بدت عليهم، فقد حل لهم إخراجها . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٤الثعلبي ٢٦/ ٥٤٤

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} أي: مراجعة في الواحدة والثنتين ما دامت في العدة .

[٣١٦٨] أخبرنا عبد الله بن حامد قراءة عليه، أخبرنا محمَّد بن جعفر المطيري ، حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا هشيم عن مغيرة ، وحصين بن عبد الرحمن ، وأشعث ، وإسماعيل (بن أبي خالد) ، (وداد بن أبي هند) ، (وسيّار) ، ومجالد كلهم عن الشعبي قال: دخلتُ على فاطمة بنت قيس - رضي الله عنهما - بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: طلقني زوجي البته فخاصمته إِلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٦الثعلبي ٢٦/ ٥٤٦

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٨الثعلبي ٢٦/ ٥٤٨

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٦/ ٥٤٩الثعلبي ٢٦/ ٥٤٩

قال هشيم: قال مجالد في حديثه: إنما النفقة والسكنى على من كانت له الرجعة . الثعلبي ٢٦/ ٥٥٠الثعلبي ٢٦/ ٥٥٠

[٣١٦٩] وأخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا محمَّد بن لحسين ، حدثنا أَحْمد بن يوسف ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر : (ح) .

[٣١٧٠] وأخبرنا عقيل بن محمَّد الفقيه ، أن أَبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمَّد بن جرير ، حدثنا ابن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن (عبيد الله) ، أن فاطمة بنت قيس - رضي الله عنهما - كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي - رضي الله عنه -، وأنه خرج مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إِلَى اليمن حين أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بعض اليمن، فأرسل إِلَى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وأمر عياش بن أبي ربيعة، والحارث بن هشام أن ينفقا عليها ، فقالا لها: والله مالك من نفقة إلَّا أن تكوني حاملًا، فأتت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فذكرت له قولهما، فلم يجعل لها نفقة إلَّا أن تكون حاملًا، واستأذنته في الانتقال، فأذن لها، فقالت: أين أنتقل يَا رسول الله؟ قال: "عند ابن أم مكتوم" وكان أعمى تضع ثيابها عنده، ولا يراها، فلم تزل هنالك حتَّى مضت عدتها، فأنكحها النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد - رضي الله عنه - فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب يسألها عن هذا الحديث، فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلَّا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا النَّاس عليها، فقالت فاطمة - رضي الله عنها - حين بلغها قول مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} إِلَى قوله: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} قالت: هذا لمن كانت له مراجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث . الثعلبي ٢٦/ ٥٥١الثعلبي ٢٦/ ٥٥١

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًاابن كثير ٩/ ١٤٢ابن كثير ٩/ ١٤٢

خُوطب النبي ﷺ أولا تشريفًا وتكريما، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله، عز وجل : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.

ورواه ابن جرير، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة … فذكره مرسلا وقد ورد من غير وجه: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها.

وقال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا الليث وعقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم: أن عبد الله بن عمر أخبره: أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله ﷺ ، فتغيظ رسول الله ﷺ ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله، عز وجل "

هكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم، ولفظه: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"

ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة ومواضع استقصائها كتب الأحكام. ابن كثير ٩/ ١٤٢ابن كثير ٩/ ١٤٢

وأمَسُّ لفظ يورَد ها هنا ما رواه مسلم في صحيحه، من طريق ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزبير: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزة يسأل ابن عمر- وأبو الزبير يسمع ذلك: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طَلَّق ابن عمر امرأته حائضا على عهد رسول الله ﷺ ، فسأل عمر رسول الله ﷺ فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله ﷺ : "ليراجعها" فَردَّها، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو يمسك" . قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .

وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) قال: الطهر من غير جماع وروي عن ابن عمر وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وميمون بن مِهْران، ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) قال: لا يطلقها وهي حائض ولا في طهر قد جامعها فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة.

وقال عكرمة: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) العدة: الطهر، والقرء الحيضة، أن يطلقها حبلى مستبينا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدري حبلى هي أم لا.

ومن ها هنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملا قد استبان حملها. والبدعى: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة، وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وقوله (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها؛ لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج. (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ) أي: في ذلك.

وقوله: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضا الخروج لأنها معتقلة لحق الزوج أيضًا.

وقوله: (إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل الزنا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعِكْرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قِلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسُّدِّي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم وتشمل ماذا نشزَت المرأة أو بَذَت على أهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبي بن كعب، وابن عباس، وعكرمة، وغيرهم. ابن كثير ٩/ ١٤٣ابن كثير ٩/ ١٤٣

وقوله: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه ومحارمه (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) أي: بفعل ذلك.

وقوله: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَها، فيكون ذلك أيسر وأسهل.

قال الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) قال: هي الرجعة. وكذا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل ابن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن تابعهم، كالإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى إلى أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضًا على حديث فاطمة بنت قيس الفهرية، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبًا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير - [يعني] نفقة- فَتَسَخَّطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة. فأتت رسول الله ﷺ ، فقال: "ليس لك عليه نفقة" . ولمسلم: ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" الحديث

وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر، فقال:

حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد النبي ﷺ ، فبعثه رسول الله ﷺ في سَرية. قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار. فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل. قال: لا. قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن فلانا طلقني، وأن أخاه أخرجني ومنعني السكنى والنفقة، [فأرسل إليه] فقال: "ما لك ولابنة آل قيس" ، قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعًا. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "انظري يا بنت آل قيس، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كان له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى. اخرجي فانزلي على فلانة" . ثم قال: "إنه يُتحَدّث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم، فإنه أعمى لا يراك" وذكر تمام الحديث

وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التُّسْتَريّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البجلي، حدثنا عامر الشعبي: أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة علي والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا عمرو بن حفص أرسل إلي بطلاقي، فطلبت السكنى والنفقة علي، فقال: أولياؤه: لم يرسل إلينا في ذلك بشيء. فقال رسول الله ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فلا نفقة لها ولا سكنى" . ابن كثير ٩/ ١٤٤ابن كثير ٩/ ١٤٤

وكذا رواه النسائي عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن، عن سعيد بن يزيد وهو الأحمسي البَجَلي الكوفي. قال أبو حاتم الرازي: وهو شيخ، يروى عنه ابن كثير ٩/ ١٤٥ابن كثير ٩/ ١٤٥