حمٓ ١
التفسير
{حم} سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتلك الأقوال كلها تترتب في قوله: حم ويختص هذا الموضع بقول آخر، قاله الضحاك. والكسائي: إن حم هجاء «حمّ» بضم الحاء وشد الميم المفتوحة، كأنه يقول: حمّ الأمر ووقع تنزيل الكتاب من الله. وقال ابن عباس: الر [يونس: ١، هود: ١، إبراهيم: ١، يوسف: ١، الحجر: ١] و: حم [غافر: ١، فصلت: ١، الشورى: ١، الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١] و: ن [القلم: ١] هي حروف الرحمن مقطعة في سور. وقال القرظي أقسم الله بحلمه وملكه. وسأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم عن: حم ما هو؟ فقال بدء أسماء وفواتح سور.
وقرأ ابن كثير: بفتح الحاء، وروي عن أبي عمرو: كسر الحاء على الإمالة، وروي عن نافع:
الفتح، وروي عنه: الوسط بينهما، وكذلك اختلف عن عاصم، وروي عن عيسى كسر الحاء على الإمالة، وقرأ جمهور الناس: «حم» بفتح الحاء وسكون الميم، وقرأ عيسى بن عمر أيضا حم بفتح الحاء وفتح الميم الأخيرة في النطق، ولذلك وجهان: أحدهما التحريك للالتقاء مع الياء الساكنة، والآخر: حركة إعراب، وذلك نصب بفعل مقدر تقديره: «اقرأ حم» ، وهذا على أن تجري مجرى الأسماء، والحجة منه قول شريح بن أوفى العبسي: [الطويل] ابن عطية ٤/ ٥٤٥ابن عطية ٤/ ٥٤٥
يذكرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدم
وقول الكميت: [الطويل]
وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقيّ ومعرب
وقرأ أبو السمال: حم بفتح الحاء وكسر الميم الآخرة، وذلك لالتقاء الساكنين.
و: حم آية: و: تَنْزِيلُ رفع بالابتداء، والخبر في قوله: مِنَ اللَّهِ وعلى القول بأن حم إشارة إلى حروف المعجم يكون قوله: حم خبر ابتداء. و: الْكِتابِ القرآن.
وقوله: غافِرِ بدل من المكتوبة، وإن أردت ب غافِرِ المضي، أي غفرانه في الدنيا وقضاؤه بالغفران وستره على المذنبين، فيجوز أن يكون غافِرِ صفة، لأن إضافته إلى المعرفة تكون محضة، وهذا مترجح جدا، وإذا أردت ب غافِرِ الاستقبال أو غفرانه يوم القيامة فالإضافة غير محضة، و: غافِرِ نكرة فلا يكون نعتا، لأن المعرفة لا تنعت بالنكرة، وفي هذا نظر. وقال الزجاج: غافِرِ وَقابِلِ صفتان. و: شَدِيدِ الْعِقابِ بدل، و: الذَّنْبِ اسم الجنس. وأما التَّوْبِ فيحتمل أن يكون مصدرا كالعوم والنوم فيكون اسم جنس، ويحتمل أن يكون جمع توبة كتمرة وتمر، وساعة وساع.
وقبول التوبة من الكافر مقطوع لإخبار الله تعالى، وقبول التوبة من العاصي في وجوبها قولان لأهل السنة، وحكى الطبري عن أبي بكر بن عياش أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني قتلت، فهل لي من توبة؟ فقال نعم، اعمل ولا تيأس، ثم قرأ هذه الآيات إلى قابِلِ التَّوْبِ. وشَدِيدِ الْعِقابِ: صفة، وقيل بدل. ثم عقب هذا الوعيد بوعد ثان في قوله: ذِي الطَّوْلِ أي ذي التطول والمن بكل نعمة فلا خير إلا منه، فترتب في الآية وعيد بين وعدين، وهكذا رحمة الله تغلب غضبه.
قال القاضي أبو محمد: سمعت هذه النزعة من أبي رضي الله عنه، وهي نحو من قول عمر رضي الله عنه: لن يغلب عسر يسريين يريد في قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح: ٥- ٦] .
و: الطَّوْلِ الإنعام، ومنه: حليت بطائل. وحكى الثعلبي عن أهل الإشارة أنه تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ فضلا، وَقابِلِ التَّوْبِ وعدا، وشَدِيدِ الْعِقابِ عدلا. وقال ابن عباس: الطَّوْلِ: السعة والغنى، ثم صدع بالتوحيد في قوله: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. وبالبعث والحشر في قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ.
وقوله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ يريد جدالا باطلا، لأن الجدال فيها يقع من المؤمنين لكن في إثباتها وشرحها.
وقوله: فَلا يَغْرُرْكَ أنزله منزلة: «فلا يحزنك ولا يهمنك» ، لتدل الآية على أنهم ينبغي أن لا يغتروا بإملاء الله تعالى لهم، فالخطاب له والإشارة إلى من يقع منه الاغترار، ويحتمل أن يكون يَغْرُرْكَ بمعنى تظن أن وراء تقلبهم وإمهالهم خيرا لهم فتقول عسى أن لا يعذبوا وحل الفعل من الإدغام لسكون الحرف الثاني، وحيث هما متحركان لا يجوز الحل، لا تقول زيد يغررك. و: تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ عبارة عن تمتعهم بالمساكن والمزارع والأسفار وغير ذلك. ثم مثل لهم بمن تقدمهم من الأمم، أي كما حل بأولئك كذلك ينزل بهؤلاء. وَالْأَحْزابُ: يريد بهم عادا وثمود أو أهل مدين وغيرهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: «برسولها» ، ردا على الأمة، وضمير الجماعة هو على معنى الأمة لا على لفظها. ابن عطية ٤/ ٥٤٦ابن عطية ٤/ ٥٤٦
وقوله: لِيَأْخُذُوهُ معناه ليهلكوه كما قال تعالى: فَأَخَذْتُهُمْ والعرب تقول للقتيل: أخيذ، وللأسير كذلك، ومنه قولهم: أكذب من الأخيذ الصبحان. وقال قتادة: لِيَأْخُذُوهُ معناه: ليقتلوه. ولِيُدْحِضُوا معناه: ليزلقوا وليذهبوا، والمدحضة المزلة والمزلقة.
وقوله: فَكَيْفَ كانَ عِقابِ تعجيب وتعظيم، وليس باستفهام عن كيفية وقوع الأمر.
قوله عز وجل: ابن عطية ٤/ ٥٤٧ابن عطية ٤/ ٥٤٧
أما الكلام على الحروف المقطعة، فقد تقدم في أول "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقد قيل: إن (حم) اسم من أسماء الله عز وجل ، وأنشدوا في ذلك
يُذَكِّرُني حامِيمَ والرمحُ شَاجر … فَهَلا تلا حَاميمَ قَبْل التَّقدُّمِ
وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي، من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صُفْرة قال: حدثني من سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن بَيَّتم الليلة فقولوا: حم، لا ينصرون" وهذا إسناد صحيح .
واختار أبو عبيد أن يُروى: "فقولوا: حم، لا ينصروا" أي: إن قلتم ذلك لا ينصروا، جعله جزاء لقوله: فقولوا.
وقوله: (تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) أي: تنزيل هذا الكتاب -وهو القرآن-من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه.
وقوله: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ) أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخَضَع لديه.
وقوله: (شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله، وبغى [وقد اجتمع في هذه الآية الرجاء والخوف] . وهذه كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن؛ ليبقى العبد بين الرجاء والخوف.
وقوله: (ذِي الطَّوْلِ) قال ابن عباس: يعني: السعة والغنى. وكذا قال مجاهد وقتادة.
وقال يزيد بن الأصم: (ذِي الطَّوْلِ) يعني: الخير الكثير. ابن كثير ٨/ ١٢٧ابن كثير ٨/ ١٢٧
وقال عكرمة: (ذِي الطَّوْلِ) ذي المن.
وقال قتادة: [يعني] ذي النعم والفواضل.
والمعنى: أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هو فيه من المنن والأنعام، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ] ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
وقوله: (لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أي: المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] .
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السَّبِيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] فقال: يا أمير المؤمنين إني قَتَلْتُ، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه (حم * تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) وقال: اعمل ولا تيأس.
رواه ابن أبي حاتم -واللفظ له-وابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرِّقِّي، حدثنا عمر -يعني ابن أيوب-أخبرنا جعفر بن بَرْقان، عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] ، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، يتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: "من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان، سلام عليك، [أما بعد] : فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير" . ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقْبِل بقلبه، وأن يتوب الله عليه . فلما بلغ الرجل كتابُ عمر جعل يقرؤه ويردده، ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي.
ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: "فلم يزل يُرَدّدها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر [ رضي الله عنه ] خبرهُ قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلَّة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه" .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شَبَّة ، حدثنا حماد بن واقد -أبو عُمَر الصفار-، حدثنا ثابت البناني، قال: كنت مع مصعب بن الزبير في سواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي ركعتين فافتتحت: (حم) المؤمن، حتى بلغت: (لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مُقَطَّعات يمنية فقال: إذا قلت: (غَافِرِ الذَّنْبِ) فقل: "يا غافر الذنب، اغفر لي ذنبي" . ابن كثير ٨/ ١٢٨ابن كثير ٨/ ١٢٨
وإذا قلت: (وَقَابِلِ التَّوْبِ) ، فقل: "يا قابل التوب، اقبل توبتي" . وإذا قلت: (شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، فقل: "يا شديد العقاب، لا تعاقبني" . قال: فالتفت فلم أر أحدًا، فخرجت إلى الباب فقلت: مَرّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحدًا فكانوا يُرَون أنه إلياس.
ثم رواه من طريق أخرى، عن ثابت، بنحوه. وليس فيه ذكر إلياس. ابن كثير ٨/ ١٢٩ابن كثير ٨/ ١٢٩
لا كتاب مختار.