القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَٱلطُّورِ ١

سورة الطور، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالنكت والعيونالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

أقسم الله بالطور، وهو الجبل الذي كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى عليه، وبكتاب مكتوب، وهو القرآن في صحف منشورة، وبالبيت المعمور في السماء بالملائكة الكرام الذين يطوفون به دائمًا، وبالسقف المرفوع وهو السماء الدنيا، وبالبحر المسجور المملوء بالمياه.

النكت والعيونالماوردي، ت ٤٥٠هـ

{والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} قوله تعالى {وَالطُّورِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم للجبل بالسريانية , قاله مجاهد. قال مقاتل: يسمى هذا الطور زبير. الثاني: أن الطور ما أنبت , وما لا ينبت فليس بطور , قاله ابن عباس , وقال الشاعر:

(لو مر بالطور بعض ناعقة ... ما أنبت الطور فوقه ورقة) الماوردي ٥/ ٣٧٦الماوردي ٥/ ٣٧٦

ثم في هذا الطور الذي أقسم الله به ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه طور سيناء , قاله السدي. الثاني: أنه الطور الذي كلم الله عليه موسى , قاله ابن قتيبة. الثالث: أنه جبل مبهم , قاله الكلبي. وأقسم الله به تذكيراً بما فيه من الدلائل. وقال بعض المتعمقة: إن الطور ما يطوى على قلوب الخائفين. {وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ} أي مكتوب , وفي أربعة أقاويل: أحدها: أنه الكتاب الذي كتب الله لملائكته في السماء يقرؤون فيه ما كان وما يكون. الثاني: أنه القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. الثالث: هي صحائف الأعمال فمن أخذ كتابه بيمينه , ومن آخذ كتابه بشماله , قاله الفراء. الرابع: التوراة قاله ابن بحر. {فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الصحيفة المبسوطة وهي التي تخرج للناس أعمالهم , وكل صحيفة فهي رق لرقة حواشيها , قال المتلمس:

(فكأنما هي من تقادم عهدها ... رق أتيح كتابها مسطور)

الثاني: هو ورق مكتوب , قاله أبو عبيدة. الثالث: هو ما بين المشرق والمغرب , قاله ابن عباس. الماوردي ٥/ ٣٧٧الماوردي ٥/ ٣٧٧

{وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: ما روى قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُتِيَ بِيَ إِلَى السَّمَاءِ فَرُفِعَ لَنَا الْبَيتُ المَعْمُورُ , فَإِذَا هُوَ حِيالُ الكَعْبَةِ , لَوْ خَرَّ خَرَّ عَلَيهَا , يَدْخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ , إِذَا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا إِلَيهِ) قاله علي وابن عباس. الثاني: ما قاله السدي: أن البيت المعمور , هو بيت فوق ست سموات , ودون السابعة , يدعى الضراح , يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك من قبيلة إبليس لا يرجعون إليه أبداً , وهو بحذاء البيت العتيق. الثالث: ما قاله الربيع بن أنس , أن البيت المعمور كان في الأرض في موضع الكعبة في زمان آدم , حتى إذا كان زمان نوح أمرهم أن يحجوا , فأبوا عليه وعصوه , فما طغى الماء رفع فجعل بحذائه في السماء الدنيا , فيعمره , فبوأ الله لإبراهيم الكعبة البيت الحرام حيث كان , قاله الله تعالى: {وَإِِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيْمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} الآية. الرابع: ما قاله الحسن أن البيت المعمور هو البيت الحرام. وفي {الْمَعْمُورِ} وجهان: أحدهما: أنه معمور بالقصد إليه. الثاني: بالمقام عليه , قال الشاعر:

(عمر البيت عامر ... إذ أتته جآذر)

(من ظباء روائح ... وظباء تباكر)

وتأول سهل أنه القلب , عمارته إخلاصه , وهو بعيد. {وَالسَّقْفِ المَرْفُوعِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه السماء , قاله علي. الثاني: أنه العرش، قاله الربيع. {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه جهنم , رواه صفوان بن يعلى عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: هو بحر تحت العرش، رواه أبو صالح عن علي رضي الله عنه. الثالث: هو بحر الأرض، وهو الظاهر. الماوردي ٥/ ٣٧٨الماوردي ٥/ ٣٧٨

وفي قوله: {الْمَسْجُورِ} سبعة تأويلات: أحدها: المحبوس، قاله ابن عباس والسدي. الثاني: أنه المرسل، قاله سعيد بن جبير. الثالث: الموقد ناراً، قاله مجاهد. الرابع: أنه الممتلىء، قاله قتادة. الخامس: أنه المختلط، قاله ابن بحر. السادس: أنه الذي قد ذهب ماؤه ويبس، رواه ابن أبي وحشية عن سعيد بن جبير. السابع: هو الذي لا يشرب من مائه ولا يسقى به زرع، قاله العلاء بن زيد. هذا آخر القسم، وجوابه: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لوَاقِعٌ} روى الكلبي: أن جبير بن مطعم قدم المدينة ليفدي حريفاً له يقال له مالك أسر يوم بدر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة [المغرب] يقرأ {وَالطُّورِ} فجلس مستمعاً، حتى بلغ قوله تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} فأسلم جبير خوفاً من العذاب، وجعل يقول: ما كنت أظن أن أقوم من مقامي، حتى يقع بي العذاب. {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْراً} فيه سبعة تأويلات أحدها: معناه تدور دوراً , قاله مجاهد , قال طرفة بن العبد:

(صهابية العثنون موجدة القرا ... بعيدة وخد الرجل موارة اليد.)

الثاني: تموج موجاً , قاله الضحاك. الثالث: تشقق السماء , قاله ابن عباس لقوله تعالى {فَإِذَا بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً} الآية. الرابع: تجري السماء جرياً , ومنه قول جرير:

(وما زالت القتلى تمور دماؤها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل)

الخامس: تتكفأ بأهلها , قاله أبو عبيدة وأنشد بيت الأعشى: الماوردي ٥/ ٣٧٩الماوردي ٥/ ٣٧٩

(كأن مشيتها من بيت جارتها ... مور السحابة لا ريث ولا عجل)

السادس: تنقلب انقلاباً. السابع: أن السماء ها هنا الفلك , وموره اضطراب نظمه واختلاف سيره , قاله ابن بحر. {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً} فيه تأويلان: أحدهما: يدفعون دفعاً عنيفاً ومنه قول الراجز:

(يدعه بصفحتي حيزومه ... دع الوصي جانبي يتيمه)

قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وابن زيد. الثاني: يزعجون إزعاجاً , قاله قتادة. ويحتمل ثالثاً: أن يدعهم زبانيتها بالدعاء عليهم. الماوردي ٥/ ٣٨٠الماوردي ٥/ ٣٨٠

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَعلى الآيات ١ إلى ١٤ابن كثير ٨/ ٤٢٧ابن كثير ٨/ ٤٢٧

يقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة: أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى، وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورا، إنما يقال له: جبل.

(وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ) قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارا؛ ولهذا قال: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) . ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء -بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" يعني: يتعبدون فيه ويطوفون، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل، عليه السلام ، مسندا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم. ابن كثير ٨/ ٤٢٧ابن كثير ٨/ ٤٢٧

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "في السماء السابعة بيت يقال له: " المعمور "؛ بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: " الحيوان " يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدا، ويولي عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة" .

هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجوزجاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم.

قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهري

وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السُّريّ، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: "الضُّراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدا

وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سِمَاك وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن طَلْق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور، قال: مسجد في السماء يقال له: "الضُّراح" ، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدا. ورواه من حديث أبي الطُّفَيْل، عن علي بمثله.

وقال العَوْفي عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش، تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف. ابن كثير ٨/ ٤٢٨ابن كثير ٨/ ٤٢٨

وقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: "هل تدرون ما البيت المعمور؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم" .

وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم: الحِن ، من قبيلة إبليس ، فالله أعلم.

وقوله: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) : قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة، عن علي: (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) يعني: السماء، قال سفيان: ثم تلا ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٢] . وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جُرَيْج، وابن زيد، واختاره ابن جرير.

وقال الربيع بن أنس: هو العرش يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور.

وقوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) : قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل [الله] منه المطر الذي يحيى به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: (المسجور) ، فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارا كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] أي: أضرمت فتصير نارا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الله بن عبيد بن عُمير وغيرهم.

وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.

وعن سعيد بن جُبير: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) يعني: المرسل. وقال قتادة: ( [وَالْبَحْرِ] الْمَسْجُورِ) المملوء. واختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقدا اليوم فهو مملوء.

وقيل: المراد به الفارغ، قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال: الفارغ؛ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: "إن الحوض مسجور" ، تعني: فارغا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. ابن كثير ٨/ ٤٢٩ابن كثير ٨/ ٤٢٩

وقيل: المراد بالمسجور: الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا يغمرها فيغرق أهلها. قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، رحمه الله ، في مسنده، فإنه قال:

حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال: "ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل " .

وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون-عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إليَّ أن البحر يشرف يحاذي رءوس الجبال، فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات، يستأذن الله أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله عز وجل " . فيه رجل مبهم لم يسم .

وقوله: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) : هذا هو المقسم عليه، أي: الواقع بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى: (مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك.

قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يَعِسّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: (والطور) حتى بلغ (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) قال: قسم -ورب الكعبة-حق. فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه .

وقال الإمام أبو عبيد في "فضائل القرآن" : حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن: أن عمر قرأ: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) ، فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوما .

وقوله: (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا) : قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكا. وعن ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر الله، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى: ابن كثير ٨/ ٤٣٠ابن كثير ٨/ ٤٣٠

كأن مشْيَتَها من بيتِ جَارتها … مَورُ السحابة لا رَيْثٌ ولا عجل

(وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا) أي: تذهب فتصير هباء منبثا، وتنسف نسفا.

(فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم، وعقابه لهم.

(الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوا ولعبا.

(يَوْمَ يُدَعُّونَ) أي: يدفعون ويساقون، (إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) : وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري: يدفعون فيها دفعا.

(هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعا وتوبيخا. ابن كثير ٨/ ٤٣١ابن كثير ٨/ ٤٣١