القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ١

سورة المدثر، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالنكت والعيونالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

يا أيها المتغطي بثيابه، قم مِن مضجعك، فحذِّر الناس من عذاب الله، وخُصَّ ربك وحده بالتعظيم والتوحيد والعبادة، وَطَهِّر ثيابك من النجاسات؛ فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن، ودُمْ على هَجْر الأصنام والأوثان وأعمال الشرك كلها، فلا تقربها، ولا تُعط العطيَّة؛ كي تلتمس أكثر منها، ولمرضاة ربك فاصبر على الأوامر والنواهي.

النكت والعيونالماوردي، ت ٤٥٠هـ

{يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير} قوله تعالى: {يا أيها المدَّثِّر} فيه قولان: أحدهما: يا أيها المدثر بثيابه , قاله قتادة. الثاني: بالنبوة وأثقالها , قاله عكرمة. {قم} من نومك {فأنذر} قومك عذاب ربك. ويحتمل وجهاً ثالثاً: يا أيها الكاتم لنبوته اجهر بإنذارك. ويحتمل هذا الإنذار وجهين: أحدهما: إعلامهم بنبوته لأنه مقدمة الرسالة. الثاني: دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود بها. قال ابن عباس وجابر هي أول سورة نزلت. {وثيابَك فَطِّهرْ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن المراد بالثياب العمل. الثاني: القلب. الماوردي ٦/ ١٣٥الماوردي ٦/ ١٣٥

الثالث: النفْس. الرابع: النساء والزوجات. الخامس: الثياب الملبوسات على الظاهر. فمن ذهب على أن المراد بها العمل قال تأويل الآية: وعملك فأصلح , قاله مجاهد , ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات فيها) يعني عمله الصالح والطالح. ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب القلب فالشاهد عليه قول امرىء القيس:

(وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ ... فسلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ)

ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي , قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من الغدر وهذا مروي عن ابن عباس , واستشهد بقول الشاعر:

(فإني بحْمدِ الله لا ثوْبَ فاجر ... لبست ولا مِن غَدْرةٍ أَتَقَنّع.)

ومن ذهب إلى أن المراد بالثياب النفس فلأنها لابسة الثياب , فكنى عنها بالثياب , ولهم في تأويل الآية ثلاثة أوجه: أحدها: معناه ونفسك فطهر مما نسبك إليه المشركون من شعر أو سحر أو كهانة أو جنون , رواه ابن أبي نجيح وأبو يحيى عن مجاهد. الثاني: ونفسك فطهرها مما كنت تشكو منه وتحذر , من قول الوليد بن المغيرة , قاله عطاء. الثالث: ونفسك فطهرها من الخطايا , قاله عامر. ومن ذهب إلى أن المراد النساء والزوجات فلقوله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: ١٨٧] ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: معناه ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن من القبل دون الدبر , وفي الطهر دون الحيض , حكاهما ابن بحر. ومن ذهب إلى أن المراد بها الثياب الملبوسة على الظاهر , فلهم في تأويله أربعة أوجه: أحدها: معناه وثيابك فأنْقِ , رواه عطاء عن ابن عباس , ومنه قول امرىء القيس: الماوردي ٦/ ١٣٦الماوردي ٦/ ١٣٦

(ثياب بني عَوفٍ طهارى نقيّةٌ ... وأَوْجُهُهُمْ عند المشاهد غُرّان)

الثاني: وثيابك فشمّر وقصّر , قاله طاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسات بالماء , قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: معناه لا تلبس ثياباً إلا [من] كسب حلال مطهرة من الحرام. {والرُّجْزَ فاهْجُرْ} فيه ستة تأويلات: أحدها: يعني الآثام والأصنام , قاله جابر وابن عباس وقتادة والسدي. الثاني: والشرك فاهجر، قاله ابن جبير. الثالث: والذنب فاهجر , قاله الحسن. الرابع: والإثم فاهجر , قال السدي. الخامس: والعذاب فاهجر , حكاه أسباط. السادس: والظلم فاهجر , ومنه قول رؤبة بن العجاج.

(كم رامنا من ذي عديد منه ... حتى وَقَمْنا كيدَه بالرجزِ.)

قاله السدي: الرَّجز بنصب الراء: الوعيد. {ولا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر} فيه أربعة تأويلات: الماوردي ٦/ ١٣٧الماوردي ٦/ ١٣٧

أحدها: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها , قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة , قال الضحاك: هذا حرمه الله تعالى على رسول وأباحه لأمته. الثاني: معناه لا تمنن بعملك تستكثر على ربك , قاله الحسن. الثالث: معناه لا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ عليها منهم أجراً , قاله ابن زيد. الرابع: معناه لا تضعف عن الخير أن تستكثر منه , قاله مجاهد. ويحتمل تأويلاً خامساً: لا تفعل الخير لترائي به الناس. {ولِربِّك فاصْبِرْ} أما قوله (وَلِرَبِّكَ) ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: لأمر ربك. الثاني: لوعد ربك. الثالث: لوجه ربك. وفي قوله (فاصْبِرْ سبعة تأويلات: أحدها: فاصْبِرْ على ما لاقيت من الأذى والمكروه قاله مجاهد. الثاني: على محاربة العرب ثم العجم , قاله ابن زيد. الثالث: على الحق فلا يكن أحد أفضل عندك فيه من أحد , قاله السدي. الرابع: فاصْبِرْ على عطيتك لله , قاله إبراهيم. الخامس: فاصْبِرْ على الوعظ لوجه الله , قاله عطاء. السادس: على انتظام ثواب عملك من الله تعالى , وهو معنى قول ابن شجرة. السابع: على ما أمرك الله من أداء الرسالة وتعليم الدين , حكاه ابن عيسى. {فإذا نُقِرَ في الناقُورِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني نفخ في الصور , قاله ابن عباس , وهل المراد النفخة الأولى أو الثانية؟ قولان: أحدهما: الأولى. والثاني: الثانية. - الثاني: أن الناقور القلب يجزع إذا دعي الإنسان للحساب , حكاه ابن كامل. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن الناقور صحف الأعمال إذا نشرت للعرض. الماوردي ٦/ ١٣٨الماوردي ٦/ ١٣٨

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍعلى الآيات ١ إلى ١٠ابن كثير ٩/ ٢٦١ابن كثير ٩/ ٢٦١

ثبت في صحيح البخاري [من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة] عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)

وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما سيأتي [بيان] ذلك هناك.

قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وَكِيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلتُ له مثل ما قلتَ لي، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاورت بحرَاء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا. فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني. وصبوا علي ماء باردا. قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال: فنزلت (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ)

هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثَثْتُ منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) إلى: (فَاهْجُرْ) - قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان -ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع ". ابن كثير ٩/ ٢٦١ابن كثير ٩/ ٢٦١

هذا لفظ البخاري وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء "، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد:

حدثنا حجاج، حدثنا لَيْث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني [بحراء الآن] قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجُثت منه فَرَقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ثم حمي الوحي [بعدُ] وتتابع". أخرجاه من حديث الزهري، به .

وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مُلَيْكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا. قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم ليس بشاعر. وقال بعضهم: [بل] سحر يُؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزنَ وقَنعَ رأسه، وتَدَثَّر، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) .

فقوله (قُمْ فَأَنْذِرْ) أي: شمر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإرسال، كما حصل بالأول النبوة.

(وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) أي: عظم.

وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) ابن كثير ٩/ ٢٦٢ابن كثير ٩/ ٢٦٢

قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرَة. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:

فَإني بحمد الله لا ثوبَ فَاجر … لبستُ ولا من غَدْرَة أتَقَنَّعُ

وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس [في هذه الآية] (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: في كلام العرب: نَقِي الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب. وكذا قال إبراهيم، الشعبي، وعطاء.

وقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم. وكذا قال إبراهيم النخعي.

وقال مجاهد: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: نفسك، ليس ثيابه. وفي رواية عنه: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) عملك فأصلح، وكذا قال أبو رَزِين. وقال في رواية أخرى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا.

وقال قتادة: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد الله إنه لَمُدنَس الثياب. وإذا وفى وأصلح: إنه لمطهر الثياب.

وقال عكرمة، والضحاك: لا تلبسها على معصية.

وقال الشاعر

إذا المرءُ لم يَدْنَس منَ اللؤم عِرْضُه … فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ

وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [يعني] لا تك ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية.

وقال محمد بن سيرين: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) أي: اغسلها بالماء.

وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر، وأن يطهر ثيابه.

وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس:

أفاطمَ مَهلا بعض هَذا التَدَلُّل … وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي

وَإن تَكُ قَد سَاءتك مني خَليقَةٌ … فَسُلّي ثِيَابي مِن ثيابك تَنْسُلِ

وقال سعيد بن جبير: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) وقلبك ونيتك فطهر. ابن كثير ٩/ ٢٦٣ابن كثير ٩/ ٢٦٣

وقال محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: وخُلقَك فَحسّن.

وقوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَالرُّجْزَ) وهو الأصنام، فاهجر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن زيد: إنها الأوثان.

وقال إبراهيم، والضحاك: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) أي: اترك المعصية.

وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] .

وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبو الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.

وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: "ولا تمنن أن تستكثر" .

وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال خصيف، عن مجاهد في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال تمنن في كلام العرب: تضعف.

وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضا من الدنيا.

فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.

وقوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عز وجل ، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك لله تعالى .

وقوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) قال ابن عباس، ومجاهد والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد: (النَّاقُورِ) الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مُطَرِّف، عن عطية العوفي، عن ابن عباس: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) فقال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ " فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا" .

وهكذا رواه الإمام أحمد عن أسباط، به ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن ابن فضيل وأسباط، كلاهما عن مطرف، به. ورواه من طريق أخرى، عن العوفي، عن ابن عباس، به . ابن كثير ٩/ ٢٦٤ابن كثير ٩/ ٢٦٤

وقوله: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) أي: شديد.

(عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) أي: غير سهل عليهم. كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨] .

وقد روينا عن زُرَارة بن أوفى -قاضي البصرة-: أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله: (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) شَهِقَ شهقة، ثم خر ميتا، رحمه الله . ابن كثير ٩/ ٢٦٥ابن كثير ٩/ ٢٦٥