قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١
لها في الأقسام:الدلائل
التفسير
قل -أيها الرسول-: هو الله المتفرد بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات، لا يشاركه أحد فيها.
قد تقدم ذكر سبب نزولها. وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزيرَ ابن الله. وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله. وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر. وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان - أنزل الله على رسوله ﷺ : (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يُطلَق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله، عز وجل ؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. ابن كثير ٩/ ٥٢٧ابن كثير ٩/ ٥٢٧
وقوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ) قال عكرمة، عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.
وقال الأعمش، عن شقيق عن أبي وائل: (الصَّمَدُ) السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم، بن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: (الصَّمَدُ) السيد. وقال الحسن، وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الحسن أيضا: (الصَّمَدُ) الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: (الصَّمَدُ) الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم.
وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وهو تفسير جيد. وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه.
وقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بُريدة، وعكرمة أيضا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: (الصَّمَدُ) الذي لا جوف له.
قال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: (الصَّمَدُ) المصمت الذي لا جوف له.
وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب.
وقال عبد الله بن بُرَيدة أيضًا: (الصَّمَدُ) نور يتلألأ.
روى ذلك كلَّه وحكاه: ابن أبي حاتم، والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال:
حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال -لا أعلم إلا قد رفعه- قال: (الصَّمَدُ) الذي لا جوف له.
وهذا غريب جدًا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة. ابن كثير ٩/ ٥٢٨ابن كثير ٩/ ٥٢٨
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير "الصمد" : وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا، عز وجل ، وهو الذي يُصمَد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك [أيضا] .
وقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.
قال مجاهد: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) يعني: لا صاحبة له.
وهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦، ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨، ١٥٩] وفي الصحيح -صحيح البخاري-: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" .
وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ قال: "قال الله، عز وجل : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يُعيدَني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" .
ورواه أيضا من حديث عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين .
آخر تفسير سورة "الإخلاص" ابن كثير ٩/ ٥٢٩ابن كثير ٩/ ٥٢٩
[تفسير سورتي المعوذتين]
وهما مدنيتان.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بَهْدَلة، عن زر بنُ حُبَيش قال: قلت لأبي بن كعب: إن ابن مسعود [كان] لا يكتب المعوذتين في مصحفه؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل، عليه السلام ، قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ .
ورواه أبو بكر الحُميدي في مسنده، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لُبَابة وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زر بن حبيش قال: سألتُ أبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يَحُكهما من المصحف. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ ، فقال: "قيل لي: قل، فقلت" . فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ .
وقال أحمد: حدثنا وَكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر قال: سألتُ ابنَ مسعود عن المعوذتين فقال: سألتُ النبي ﷺ عنهما فقال: " قيل لي، فقلت لكم، فقولوا" . قال أبي: فقال لنا النبي ﷺ فنحن نقول .
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عَبدَةُ بن أبي لُبَابة، عن زر بن حُبَيش -وحدثنا عاصم عن زر- قال: سألت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت النبي ﷺ فقال: "قيل لي، فقلت" . فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ .
ورواه البخاري أيضًا والنسائي، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدة وعاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، به .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصَّلْت بن بَهرَام، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كان عبد الله يَحُك المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد الله يقرأ بهما ابن كثير ٩/ ٥٣٠ابن كثير ٩/ ٥٣٠
ورواه عبد الله بن أحمد من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله - قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ ، قال: "قيل لي، فقلت" .
وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء: أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ ، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة، رضي الله عنهم ، كتبوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة.
وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حَازم، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم يُر مثلهن قط: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " و " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " .
ورواه أحمد، ومسلم أيضا، والترمذي، والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة، به . وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نَقب من تلك النقاب، إذ قال لي: "يا عقبة، ألا تَركب؟ ". قال: [فَأجْلَلْتُ رسول الله ﷺ أن أركب مركبه. ثم قال: " يا عُقيب، ألا تركب؟ ". قال] فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: " يا عقيب، ألا أُعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ ". قلت: بلى يا رسول الله. فأقرأني: " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " و " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ " ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي فقال: " كيف رأيت يا عقيب اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت".
ورواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك، كلاهما عن ابن جابر، به . ابن كثير ٩/ ٥٣١ابن كثير ٩/ ٥٣١
ورواه أبو داود والنسائي أيضًا، من حديث ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عقبة، به .
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد ابن عبد العزيز الرعيني وأبو مرحوم، عن يزيد بن محمد القرشي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، من طرق، عن علي بن أبي رباح . وقال الترمذي: غريب.
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن مشَرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ بالمعوذتين، فإنك لن تقرأ بمثلهما" . تفرد به أحمد .
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا حيوة بن شُرَيْح، حدثنا بَقِيَّة، حدثنا بَحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جُبَير بن نُفَير، عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء، فركبها فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ اقرأ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " . فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًا، فقال: "لعلك تهاونت بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها" .
ورواه النسائي عن عمرو بن عثمان، عن بقية، به . ورواه النسائي أيضا من حديث الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر: أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، فذكر نحوه .
طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان، عن زياد أبي الأسد، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) .
طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن أبي عجلان، عن سعيد المقبري، عن عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ فقال: "يا عقبة، قل ". فقلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: " قل ". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فسكت عني، فقلت: اللهم، أردده على. فقال: " يا عقبة، قل ". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ فقال: " ابن كثير ٩/ ٥٣٢ابن كثير ٩/ ٥٣٢
" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " ، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: "قل" . قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟ قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: "ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما" .
طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في صلاة الصبح .
طريق أخرى: قال النسائي: أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عقبة بن عامر قال: اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف. فقال: "لن تقرأ شيئًا أنفع عند الله من " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق " .
حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي عبد الله، عن ابن عائش الجهني: أن النبي ﷺ قال له: "يا ابن عائش، ألا أدلك - أو: ألا أخبرك -بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟. قال: بلى، يا رسول الله. قال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) هاتان السورتان " .
فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.
وقد تقدم في رواية صُدَيّ بن عجلان، وفَرْوَةَ بن مُجَاهد، عنه: "ألا أعلمك ثلاثَ سُوَر لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلَة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب [من بعدي] منكبي، فقال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، ثم قال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: "إذا صليت فاقرأ بهما" . ابن كثير ٩/ ٥٣٣ابن كثير ٩/ ٥٣٣
الظاهر أن هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم.
ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، به .
حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان، عن عقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس-: أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: "قل" . فلم أدر ما أقول، ثم قال لي: "قل" . قلت: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " ثم قال لي: "قل" . قلت: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ حتى فرغت منها، ثم قال لي: "قل" . قلت: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ : "هكذا فَتَعَوَذْ ما تعوذَ المتعوذون بمثلهن قط" .
حديث آخر: قال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بَدَل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجُرَيري، حدثنا أبو نَضْرة، عن جابر بن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ : "اقرأ يا جابر" . قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: "اقرأ " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ " و " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس ". فقرأتهما، فقال: " اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما " .
وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، وينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده.
وقال الإمام مالك: عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتها.
ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة -ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس -وابن ماجة من حديث معن وبشر بن عُمَر، ثمانيتهم عن مالك، به .
وتقدم في آخر سورة: "ن" من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.
بسم الله الرحمن الرحيم ابن كثير ٩/ ٥٣٤ابن كثير ٩/ ٥٣٤
قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ
قال ابنُ رجبٍ - رحمه اللَّه تعالى -: "الكلامُ على سُورةِ الإخْلاصِ " .
وفي موضع نزولِهَا قولانِ: أحدهما: أنها مكيةٌ.
والثاني: مدنية، وذلك في فصولٍ في فضائِلِهَا وسببِ نزولِهَا وتفسيرهَا.
أمَّا فضائِلُهَا فكثيرةٌ جِدًّا.
مِنْهَا: أنَها نِسْبَةُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ.
خرَّج الطبرانيُّ منْ طريقِ عثمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ الطرائفيِّ عَنْ الوازع
ابن نافع عن أبي سلمةَ عنْ أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لكُلِّ شيءٍ نسبةٌ، ونسبةُ اللَّهِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ .
ليسَ بأجوفَ ".
الوازعُ ضعيفٌ جدًّا، وعثمانُ يروي المناكيرَ، وسيأتي في سببِ نزولِهَا ما يشهدُ لَهُ.
ومنها: أنَّها صفةُ الرحمنِ، وفي صحيح البخاريِ ومسلم من حديثِ
عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعثَ رجُلاً على سرية فكان يقرأُ لأصحابهِ في صَلاتِهِم فيَختمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فلمَّا رجَعوا ذكَّرَوا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "سلُوهُ: لأيِّ شيء يصنعُ ذلك؟ " ، فسألُوهُ، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحمنِ، وأنا أُحبُّ أن أَقرأَ بِهَا، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أخبروهُ أن اللَّه يُحبُّهُ " . ابن رجب ٢/ ٦٥٤ابن رجب ٢/ ٦٥٤
ومنهَا: أَنَّ حُبَّها يُوجبُ محبةَ اللَّهِ، لهذا الحديث المذكورِ آنفًا، ومنهُ قولُ ابنِ
مسعودٍ: "مَنْ كانَ يحبُّ القرآنَ فهُوَ يحبُ اللَّهَ " َ.
ومنها: أن حُبَّها يُوجبُ دُخولَ الجنَّةِ.
ذكرَ البخاريُّ في "صحيحه " تَعْليقًا
وقالَ: عبيدُ اللهِ عنْ ثابتٍ عن أنسٍ قالَ: كانَ رجُلٌ مِنَ الأنصارِ يؤُمُّهم في
مسجدِ قُباءَ، وكانَ كلَّما افتتحَ سورةً يقرأُ بِهَا لهمْ في الصلاةِ ممَّا يقرأُ به، افتتح بـ (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حتى يفرغُ مِنْها، ثُمَّ يقرأُ سُورةً أُخرَى مَعَهَا، وكانَ يصنعُ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ، وذكرَ الحديثَ، وفيه: فقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا فلانُ، ما حملكَ على لزوم
هذهِ السورةِ في كلِّ ركعةٍ؟ "
فقال: إني أُحِبُّها، فقالَ: "حُبُّكَ إياهَا أدخلكَ الجنَّةَ" .
وخرَّجه الترمذيُّ في "جامعهِ " عن البخاريِّ عَنْ إسماعيلَ ابنِ أبي أويسٍ عنَ الدَّارَورْدِيِّ عَنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وغرَّبه.
وقال: روى مباركُ بنُ فضالةَ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ أن رجلاً قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أحبُّ هذه السورةَ: (قُلْ هٌوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
فقالَ: "إن حُبَّك إياها أدخلكَ الجنَّة"
وقدْ خرَّجه أحمدُ في "المسندِ" عن أبي النضرِ عن مباركِ بنِ فضالَة بهِ.
وروى مالكٌ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ بنِ حُنينٍ قالَ:
سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: أقْبلتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسمعَ رجُلاً يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ابن رجب ٢/ ٦٥٥ابن رجب ٢/ ٦٥٥
فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجَبَتْ " قلت: وَمَا وجبَت؟ قالَ: "الجنةُ" .
وأخرجَهُ النسائيُّ والترمذيُّ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفُه إلا مِنْ حديثِ
مالك.
وروَى أبو نُعيمٍ منْ طريقِ عمرِو بنِ مرزوقٍ عنْ شعبةَ عن مهاجرٍ سمعتُ
رجلاً يقولُ: صحبتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ، فسمِعَ رَجُلاً يقرأُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، فقالَ: "قد بَرِئَ من الشِّرْك " .
وسمعَ آخرَ يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقالَ: "غُفِرَ لهُ " .
ومنْهَا: أنَّها تعْدِلُ ثلثَ القرآنِ ففي "صحيح البخاريِّ" منْ حديثِ أبي
سعيدٍ أنَّ رجلاً سعَ رجُلاً يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يُردِّدُها، فلمَّا أصبحَ جاءَ
إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذكرَ ذلكَ لهُ - وكانّ الرجلَ يتقالُّها - فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"والذي نفسِي بيده إنَّها لتعدلُ ثُلُثَ القرآنِ " .
وقدْ رُوِيَ عنْ أبي سعيدٍ عن أخي قتادةَ بنِ النعمانِ به.
وفي "صحيح البخاريِّ " أيضًا مِنْ طريقِ الأعمشِ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ
والضَّحَّاكِ المشرقيِّ عنْ أبي سعيدٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِهِ:
"أيعجزُ أحدُكُم أنْ يَقْرَأ ثلثَ القرآنِ فِي ليلةٍ؟ "
فشقَّ ذلكَ عليهِم وقالُوا: أيُّنا يطيقُ ذلك يا رسول اللَّه، فقالَ:
"اللَّهُ الواحِدُ الصَّمدُ ثلثُ القرآنِ " .
وفي "المسندِ" منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ عن الحارثِ بنِ يزيدَ عنْ أبي الهيثم عنْ أبي سعيدٍ قال: باتَ قتادةُ بنُ النعمان يقرأُ الليلَ كُلَّهُ بـ ابن رجب ٢/ ٦٥٦ابن رجب ٢/ ٦٥٦
(قلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ)
فذُكِرَ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "والذي نفسِي بيدهِ لَتعْدِلُ نصفَ القرآنِ أو ثُلُثَهُ " .
وفي "المسندِ" أيضًا مِنْ طريقِ ابنِ لهيعةَ، حدَّثَنَا حُييُّ بنُ عبد اللَّهِ عن
أبي عبدِ الرحمنِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو: أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريًّ كانَ في
مجلسٍ وهوَ يقولُ: ألا يسْتَطيعُ أحدُكُم أنْ يقومَ بثُلُثِ القرآنِ كلَّ ليلةٍ؟
فقالُوا: وهل يستطيعُ ذلكَ أحدٌ؟
قال: فإنَّ: (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، ثُلُثُ القرآنِ، قالَ:
فجاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يسمعُ أبا أبوبَ.
فقالَ: "صَدَق أبو أيوبَ " .
ورَوَى يحيى بنُ سعيدٍ عنْ يزيدَ بنِ كيسانَ عنْ أبي حازمٍ - قالَ الترمذيُ:
اسمُهُ سلمانَ - عنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "احشُدُوا، فإنَي سأقْرَأُ عليكُم ثُلُثَ القُرآنِ " ، فحشدَ من حشدَ، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَقَرَا: (قُل هُوَ اللَّه أَحَدٌ) ، ثُمَّ دخلَ فقالَ بعضُنَا لِبعضٍ: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "فإني ساقْرأُ
عليكُم ثُلُثَ القرآنِ "، إنِّي لأرى هذا خبرًا جاءَهُ من السماء، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إني قُلتُ: سأقَرا عليكُم ثُلُثَ القُراَنِ، ألا إنها تعدلُ ثُلُث القُراَنِ " .
أخرجَهُ مسلم.
وروى الإمامُ أحمدُ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديّ عنْ زائدةَ بنِ قدامةَ عنْ
منصورِ عن هلالِ بنِ يسافٍ عن الربيع بنِ خثيمٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ
عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ امرأةٍ مِنَ الأنْصَارِ عنْ أبي أيوبَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "أيَعْجزُ أحدُكُم أنْ يقرأ ثلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ فإنه مَنْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) في ليلةٍ فقدْ قرأَ ليلتئذٍ ثلثَ القرآنِ " .
ورواهُ النسائي والترمذيُّ عنْ بندار. ابن رجب ٢/ ٦٥٧ابن رجب ٢/ ٦٥٧
وروى الترمذيُ عنْ قتيبةَ أيضًا عَنْ ابنِ مهدي، فَهُوَ لَهُمَا عُشَاري ولأحمد
تُسَاعي، وفي روايةِ الترمذيِّ عَنْ امرأةِ أبي أيوبَ عَنْ أبي أيوبَ بِهِ، وذكرَ
اختلافًا في إسنادِهِ.
وروى أحمدُ عن هُشَيم عنْ حصينٍ عن هلال بنِ يسافٍ عنْ
عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ أو رجلٍ منَ الأنصارِ قال:
قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "منْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) فكأنَّما قَرَأَ بثلثِ القرآنِ " .
ورواهُ النسائيُّ في "اليومِ والليلة" منْ طريقِ هُشيمٍ عنْ حصينٍ عن ابن أبي ليلَى بهِ منْ غيرِ ذكرِ هلال بنِ يسافٍ.
وروى الإمامُ أحمدُ أيضًا عنْ وكيع عن سفيانَ عن أبي قيسٍ عن عمرِو بن ميمونٍ عنْ أبي مسعودٍ قال: قال رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدِلُ ثلثَ القرآنِ "
ورواهُ ابن ماجةَ والنسائيُّ في "اليومِ والليلةِ" من طُرُق.
وفي بعضِ طرقِهِ وقفُه.
ورواه أبُو نعيم منْ طريقِ مسعرٍ عنْ أبي قيسٍ عَنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ
أبي مسعودٍ الأنصاريّ، كَذا قال.
ومنْ طريقِ شعبةَ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ ابنِ مسعودٍ.
وروَى أبو نُعيمٍ منْ طريقِ عليّ بنِ عاصم عنْ حصينٍ عنْ هلالِ بنِ يساف عنْ ربيع بنِ خُثَيم عنْ ابنِ أبي ليلَى عنْ كعبِ بنِ عجرةَ عنْ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ابن رجب ٢/ ٦٥٨ابن رجب ٢/ ٦٥٨
"منْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في يوم وليلة ثلاثَ مرات كانتْ تعدِلُ ثلثَ القرآنِ " .
ورواهُ شعبةُ عنْ عليِّ بنِ مدركٍ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ عنْ الربيع بنِ خثيمِ
عن ابنِ مسعودٍ عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
وروى أبو نُعيمٍ حدَّثنَا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يحيى، ثنَا أحمدُ بنُ حمدونَ
ابنِ رستم، ثَنا عليٌّ بنُ إشْكَاب، ثنَا شجاعُ بنُ الوليدِ، ثنَا زيادُ بنُ خيثمةَ.
عنْ محمدِ بنِ جحادةَ، عنْ الحسنِ عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - " (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ " ، قالَ إبراهيمُ: هكذا حدَّثَني بهِ وكتبهُ لِي بخطِهِ وإنَّما يحفظُ الإسناد قراءةُ يس.
وروى يوسفُ بنُ عطيةَ الصفارُّ: ثنَا هارونُ بنُ كثيرٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ
عنْ أبيهِ عْن أبي أمامةَ عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"منْ قرَأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فكأنَّما قرأَ ثلثَ القرآنِ، وكتبَ لهُ مِنَ الحسناتِ بعددِ من أشْرَكَ باللَّهِ وآمنَ بِهِ " .
وفي "صحيح مسلم " منْ طريقِ قتادةَ عنْ سالم بنِ أبي الجعدِ عنْ
معدان بنِ أبي طلحةَ عنْ أبي الدَّرْداءَ أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "أيعجزُ أحدُكُم أنْ يقرأَ كلَّ يومٍ ثلثَ القرآنِ؟ "
قالُوا: نعم، قالَ: "إنَ الله جزأَّ القُرآنَ ثلاثةَ أجزاء، فـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ " .
ورَوَى أميةُ بنُ خالدٍ عَنْ ابنِ أخِي ابنِ شهابٍ عنْ عَمِّه عَنْ حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ عَنْ أمهِ أمِّ كُلْثوم بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْط قالَتْ: قالَ ابن رجب ٢/ ٦٥٩ابن رجب ٢/ ٦٥٩
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " (قُلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ " ، رواه أحمدُ والنسائيُّ في "اليومِ والليلةِ" .
ورواهُ أيْضا منْ طريقِ مالكٍ عَنِ الزُّهريّ عَنْ حميدٍ منْ قولهِ، ورواهُ أيضًا
مِنْ طريقِ ابنِ إسحاقَ عَنِ الحارثِ بنِ فُضَيلٍ عَنِ الزهريِّ عَنْ حميدٍ أنَّ نَفرًا
مِنْ أصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - حدَّثوه عَنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قالَ: " (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) تعدِلُ ثلثَ القرآنِ لمن صلَّى بِهَا" .
وروى الحافظُ أبو يَعْلَى عَنْ قطنِ بنِ نُسيرٍ عنْ عبيسِ بنِ ميمون عنْ
يزيدَ الرقاشيِّ عَنْ أنسٍ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"أمَا يستطيعُ أحدُكُم أنْ يقْرأَ: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) ثلاثَ مرات في ليلةٍ فإنَّها تعدِلُ ثلثَ القرآنِ " إسنادُه ضعيفٌ.
ويُستدلُّ بِهِ على أنَّ المرادَ بكونِهَا تعدِلُ ثلثَ القرآنِ، أجرَهُ وثوابَهُ، كما
يُستدلُّ بحديثِ أبي الدرداءَ المتقدمِ علَى أنَّها جزءُ التوحيدِ مِنَ القرآنِ، وأنَّه
- ثلاثةُ أجزاءٍ: تَوحيدٌ، وتَشْريعٌ، وقَصَصٌ.
ومِنْها: أنَّ قراءَتَها تكفِي مِنَ الشرِّ، وتمنعهُ، وقدْ ثبتَ في "صحيح
البخاريِّ " عنْ عائشةَ: "أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذَا أوَى إلى فِراشِهِ قرأَها مع المعوذتينِ ومَسَحَ ما استطاعَ مِنَ جسدِهِ " .
وروى أبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ مِنْ طريقِ معاذِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ خُبيبٍ عنْ أبيهِ عَنِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لهُ: "قُلْ (قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) والمعوذتينِ حِينَ تُمِسي وحينَ تُصْبِحُ ثلاثًا تكفيكَ كُلَّ يوم " ابن رجب ٢/ ٦٦٠ابن رجب ٢/ ٦٦٠
وصحَّحهُ الترمذيُّ.
ورواهُ النسائيُّ مِنْ طريقٍ أُخرَى عنْ معاذ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ - خُبيبٍ عنْ
أبيهِ عَنْ عقبةَ بنِ عامر فذكرهُ ولفظُه: "تَكْفِكَ كلَّ شيء" .
وقالَ البزارُ في "مسندهِ " : حدَّثنا إبراهيمُ الجوهريُّ: ثَنا غسانُ بنُ عبيدٍ
عنْ أبي عمرانَ الجونيّ، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"إذَا وضعْتَ جنبكَ على الفراشِ، وقرأتَ فاتحةَ الكتابِ، و (قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) فقدْ أمنتَ مِنْ كلَ شيء إلا الموتَ " .
ومنْهَا: أنَّها أفضلُ سورِ القرآنِ، فروى الدارميُّ في "مسندِه " عنْ أبي
المغيرةَ عَنْ صفوانَ عنْ أيفعَ بنِ عبيد الكلاعيِّ قالَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ
اللَّهِ، أيُّ سورِ القرآنِ أعظمُ؟
قال: " (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) " .
وفي "المسندِ" منْ طريقِ معاذِ بنِ رفاعةَ عنْ عليِّ بنِ يزيدَ، عنْ القاسم.
عنْ أبي أمامةَ، عنْ عقبةَ بنِ عامر قالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أَعلمُكَ خيرَ ثلاثِ سورٍ أنزِلَتْ في التوراةِ والإنجيلِ والزَّبور والقُراَنِ العَظيم؟ "
قلتُ: بَلَى.
قالَ: "فَأَقرَأَنِي: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) و (قلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَقِ)
و (قل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) "
ثُمَّ قالَ لِي: "يا عقْبةُ، لا تنْسَهُن ولا تَبِتْ ليلة حَتَى تَقْرَأهُن" .
وروى الترمذيُّ بعضَ هذا الحديثِ وحسَّنهُ، ورواه أحمد أيضًا بطولِهِ منْ طريقِ أُسيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الخثعميِّ عنْ فروةَ بنِ مجاهدٍ عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ بِهِ. ابن رجب ٢/ ٦٦١ابن رجب ٢/ ٦٦١
ومنْهَا: أنَّ الدعاءَ بها مستجابٌ، ففي السنن الأربعةِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ
بريدةَ عنْ أبيهِ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ رجلاً يصلِّي يَدْعُو يقولُ: اللهُمَّ إني أسألُك بأني أشهَدُ أن لا إله إلا أنتَ الأحَدُ الصّمدُ الذي لمْ يلدْ ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، قالَ:
"والذي نفْسي بيدِهِ لقدْ سألَهُ باسمِهِ الأعظمَ، الَّذِي إذا سُئِلَ به
أعطى، وإذا دُعِيَ بهِ أجابَ ".
وقال الترمذي: حسن غريب.
وفي "المسندِ" عن محجنِ بنِ الأدرع أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخلَ المسجدَ، فإذَا هو برجلٍ قدْ قَضَى صلاتَه وهوَ يتشهدُ وهُو يقولُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنّكَ الواحدُ الأحدُ الصّمدُ الَّذي لمْ يلدْ، ولمْ يولدْ، ولم يكنْ لهُ كُفُوًا أحدٌ، أن تغفرَ لي ذنوبِي إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ.
فقالَ نبيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَ مراتٍ: "قدْ غُفِر لَهُ، قدْ غُفِر لَهُ، قَدْ غُفِر لَهُ " .
وقدْ وردَ في تكرير قراءَتِها خمسينَ مرةً أو أكثرَ منْ ذلكَ، وعشرَ مراتٍ
عقيبَ كُلِّ صلاةٍ أحاديثُ كثيرةٌ فيهَا ضعفٌ، وكذلكَ حديثُ معاويةَ بنِ
معاويةَ الليثيِّ خرَّجَهُ الطبرانيُّ، وأبو يَعْلى من طرقٍ كُلِّها ضعيفةٌ فلم
نذكُرْهَا.
وأمَّا سببُ نزولِهَا: ففي "المسندِ" والترمذي عنْ أبي سعيدٍ الصَّاغَاني محمدِ بنِ مبشرٍ عن أبي جعفرٍ الرازيّ عَنْ الربيع بنِ أنسٍ عنْ أبي العاليةَ عَنْ ابن رجب ٢/ ٦٦٢ابن رجب ٢/ ٦٦٢
أبيِّ بنِ كعبٍ أنَّ المشركينَ قالُوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: انسبْ لنَا ربَّكَ يا محمدُ؛ فأنزل اللَّهُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
ورواه الترمذيُّ من طريق عبيد النله بن موسى، عن أبي جعفر عن الرَّبيع عن أبي العاليةِ مرسلاً. وقال: هذا أصحُّ من حديث أبي سعيد.
ورواه أبو يعْلَي الموصليُّ والطبرانيُّ وابن جرير من طريق شريح بن
يونسَ عن إسماعيل بن مجالدٍ عن مجالدٍ عن الشعبيِّ عن جابر: أنَّ أعرابيا
جاءَ إلى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: انسبْ لنا ربَّكَ؟
فأنزل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخرِهَا، ورُوِيَ مُرْسًلاً.
وروى عبيدُ بنُ إسحاقَ العطَّارُ عنْ قيسِ بنِ الربيع عنْ عاصمٍ عنْ أبي
وائلٍ عَن ابنِ مسعودٍ قال: قالتْ قُريشٌ لرسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: انسُبْ لنَا ربكَ فنزلتْ: (قُلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ) قال الطبراني: ورواه الفريابيُّ وغيرُه عَنْ قيسٍ عنْ عاصم عنْ أبي وائلٍ مُرْسَلاً.
وروى ابنُ أبي حاتم في "تفسيرِه" : حدَّثنا أبو زرعةَ: ثنا العباس بنُ
الوليدِة ثنا يزيدُ بنُ زريع: ثنا عليٌّ بنُ الحسينِ: ثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحرشيّ: ثنا
أبو خلفٍ عبدُ اللَّهِ بنِ عيسى: ثنا داودُ بنُ أبي هند، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ
عبَّاسٍ أنَّ اليهودَ جاءتْ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم حُييُّ بنُ أخطبَ وكعبُ بنُ الأشرفِ فقالُوا: يا محمدُ، صِفْ لنا الذي بَعَثَك؟
فأنزل اللَّه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ) فيخرجُ منه الولدُ، (وَلَمْ يُولَدْ) فيخرجُ مِنْ شيءٍ. ابن رجب ٢/ ٦٦٣ابن رجب ٢/ ٦٦٣
وأما التفسيرُ:
فقولُه: (قُلْ) هذا افتتاحٌ للسورةِ بالأمرِ بالقول، كما في المعوذتينِ وسورةِ
الجنَ.
وقدْ سُئلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عنِ المعوذتينِ فقال:
"قِيلَ لي فقلتُ "
وذلكَ إشارةٌ منهُ إلى أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مبلغٌ مَحْضٌ لِمَا يُوحَى إليه، ليسَ فيه تصرفٌ لِمَا أوحاهُ اللَهُ إليه بزيادة ولا نقصٍ، وإنَّما هُوَ مُبَلِّغٌ لكلامِ ربِّه كَمَا أوحاهُ إليهِ فإذا قالَ: (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كانَ امتثالاً للقول الذي قيلَ لهُ بلفظِهِ لا بمعناهُ، و (هُوَ) : اسمٌ مضمرٌ قيل إنَّه: ضميرُ الشأنِ، وقيل: لا.
و (اللَّهُ أَحَدٌ) ن قيلَ: هو ضميرُ الشأنِ، فالجملةُ مبتدأ وخبرٌ.
وإنْ قيلَ: لا، ففيه وجهانِ، أحدهما: أنَّ (هُوَ) مبتدأٌ، و (اللَّهُ أَحَدٌ) مبتدأ وخبرٌ، وهما خبرٌ للمبتدأ الأولِ، ولا حاجةَ فيه إلى رابطٍ لأنَّ الخبرَ هو المبتدأُ بعينِهِ.
والثاني: أنَّ (هُوَ) مبتدا و (اللَّهُ) خبرُه و (أَحَدٌ) بدل منه.
و (أَحَدٌ) : اسمٌ مِنْ أسماءِ اللَّه يُسمَّى اللَّهُ به، ولا يُسمَّى غيرُه من الأعيانِ
فلا يسمَّى شيءٌ من الأشياءِ أحدًا في الإثباتِ إلا في الأعدادِ المطلقةِ.
وإنما يُسمَّى به في النفْي وما أشبهَهُ من الاستفهامِ والنهيِّ، والشرطِ كقوله:
(وَلَمْ يَكُن لَّه كفُوًا أَحَدٌ) ، وقولِهِ: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) . ابن رجب ٢/ ٦٦٤ابن رجب ٢/ ٦٦٤
وقولِهِ: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) ، وقوِلهِ: (وَإِنْ أَحَدٌ منَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) ونحوه.
والأحدُ: هو الواحدُ في إلاهيته ورُبُوبيته، وفسَّرهُ أهلُ الكلامِ، بما لا
يتجزأُ ولا ينقَسِمُ، فإنْ أُريدَ بذلكَ أنًّه ليسَ مؤلفًا مركَّبًا منْ أجزاءٍ متفرقة
فصحيحٌ، أو أنَّه غيرُ قابلٍ للقسمةِ فصحيحٌ، وإنْ أُريدَ أنَّه لا يتميَزُ منه شيءٌ
عن شيءٍ، وهو المرادُ بالمجسمِ عندهم فباطلٌ.
قال ابنُ عقيلٍ: الذي يَصِحُّ من قولِنا معَ إثباتِ الصفاتِ أنه واحد في
إلاهيتِهِ لا غيرُ.
والأحدُ هو الواحدُ. قالَ ابنُ الجوزيّ: قالَهُ ابنُ عباسٍ وأبو عبيدةَ، وفرَّقَ
قومٌ بينهما.
قال الخطابيُّ: الفرق بين الأحدِ والواحدِ: أنَّ "الواحد" : هو المتفرد بذاته
فلا يضاهيه أحد.
و "الأحدُ" : المنفردُ بصفاتِهِ ونعوتِهِ فلا يشاركُهُ فيها أحد.
وقيلَ: بينهما فرق آخرُ، وهو أن الأحدَ في النفي نصٌ في العمومِ.
بخلافِ الواحدِ فإنه محتملٌ للعمومِ وغيره، فتقولُ: ما في الدارِ أحدٌ، ولا
يقالُ: بل اثنانِ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ما في الدارِ واحدٌ، بل اثنانِ.
وفرَّقَ بعضُ فقهاءِ الحنفيةِ بينهُما وقالَ: الأحديَةُ لا تحتملُ الجزئيةَ والعدديةَ
بحالٍ.
والواحدُ يحتملُها لأنَّه يقالُ: مائةٌ واحدةٌ وألفٌ واحدة، ولا يُقالُ: مائةٌ
أحدٌ ولا ألفٌ أحدٌ. ابن رجب ٢/ ٦٦٥ابن رجب ٢/ ٦٦٥
وبُنيَ على ذلك مسألةُ محمدِ بنِ الحسنِ التي ذكرَهَا في "الجامع الكبيرِ" :
إذا كان لِرجلٍ أربعُ نسو فقالَ: واللَّهِ لا أقربُ واحدةً منْكُنَّ صارَ مُوليًا منهنَّ
جميعًا، ولم يَجُزْ أن يقربَ واحدةً منهن إلا بكفارة، ولوْ قالَ: واللَّهِ لا أقربُ
إحداكُن لم يصِر مُوليًا إلا منْ إحداهُنَّ والبيانُ إليهِ.
وقال العسكريُّ: أصلُ أحدٍ أوحَدُ مثلُ أكبرِ، وإحْدى مثل كُبْرى، فلمَّا
وقَعَا اسمينِ وكانا كثيرَي الاستعمالِ هرَبُوا إلى الكسرةِ ليخفَّ، وحذفُوا الواوَ
ليفرقُوا بين الاسم والصفةِ، وذلك أنَّ أوحدَ اسمٌ وأكبر منه.
والواحدُ فاعلٌ منْ وحَدَ يَحِدُ وهو واحدٌ مثل: وَعَدَ يَعِدُ فهو واعدٌ.
سؤالٌ: قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) ولم يقل الأحد كما قال: (الصَّمَدُ) ؟
جوابه: أنَّ الصمدَ يُسمَّى به غيرُ اللَّهِ كما يأتِي ذكرُهُ، فأتى فيه بالألفِ
واللامِ ليدلَّ على أنَّه - سبحانه - هو المستحقُ لكمالِ الصَّمَديّةِ، فإنَّ الألفَ
واللام تأتي لاستغراقِ الجنسِ تارةَّ، ولاستغراقِ خصائصَ أخرى، كقولِهِ: زيدٌ هو الرجلُ أي: الكاملُ في صفاتِ الرجولةِ فكذلكَ قولُهُ: (اللَّهُ الصَّمَدُ) أى: الكاملُ في صفاتِ الصمديَّةِ.
وأما الأحدُ فلم يَتَّسِمْ به غيرُ اللَّهِ فلمْ يحتجْ فيه إلى الألفِ واللامِ.
قولُهُ: (اللَّهُ الصَّمَدُ) أعادَ الاسمَ المبتدأ تأكيدًا للجملةِ وخبرُة الصمدُ.
وقيلَ: هو نعتٌ والخبرُ ما بعدَهُ.
والصمدُ: اختلفتْ عِباراتُ السَّلفِ في معناه، وهي متقاربة أو متفقةٌ
والمشهور منها قولان:
أحدُهما: أنَّ الصمدَ هو السَّيدُ الذي تصْمُدُ إليه الخلقُ في حوائجِهِم ومطالبِهِم وهو مرويٌ عَنْ ابنِ عباسٍ وغيرِه من السلفِ. ابن رجب ٢/ ٦٦٦ابن رجب ٢/ ٦٦٦
قالَ ابنُ الأنباريِّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصمدَ: السيدُ الذي ليس
فوقَه أحد، الذي يصمُدُ إليه الناسُ في حوائجِهِم وأمورِهِم.
وقالَ الزَّجَّاجُ: هو الذي ينتهِي إليه السُّؤددُ، فقدْ صَمَدَ له كلُّ شيءٍ.
أي: قصدَ قصْدَهُ.
وأنشدُوا:
لقدْ بكَّرَ النَّاعي بِخَيْرِ بني أسَدْ. . . بعمرِو بنِ مَسْعودٍ وبالسَّيدِ الصَّمَدْ
وأنشدوا أيضًا:
عَلَوْتُهُ بُحسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ. . . خُذْها حُذَيْفُ فأنتَ السيًدُ الصَمَدُ
وفي "تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ " بإسنادِهِ عن عكرمةَ عنِ ابنِ عباسٍ قال:
الصمدُ: الذي تصمدُ إليه الأشياءُ إذا نزَلَ بهم كربةٌ، أو بلاء.
وعن إبراهيمَ قال: الذي يَصْمُدُ إليه العبادُ في حوائجِهِم.
وعنْ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنْ ابنِ عباسٍ، قالَ: الصمدُ: السيدُ الذي قدْ
كَمُل في سؤدَدِهِ، والشَّرِيفُ الذي قدْ كَمُلَ في شرَفِهِ، والعظيمُ الذي قدْ كَمُلَ في عظمتِهِ، والحليمُ الذي قدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعليمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحكيمُ الذي قدْ كَمُلَ في حكمتِهِ، وهو الذي قدْ كَمُلَ في أنواع
الشرفِ والسُّؤددِ.
وهو اللَّهُ - سبحانه - هذه صفتُهُ لا تنبغِي إلا له، ليس له كفوٌ وليسَ كمثلِهِ شيءٌ، سبحان اللَّهِ الواحدِ القهارِ.
والقولُ الثاني: أنَّ الصمدَ الذي لا جوفَ له، وأنَّه الذي لا يأكلُ ولا يشربُ والذي لا حشوَ له، وأنَّه الذي لا يدْخلُ فيه شيءٌ، ولا يخرجُ منه شيءٌ. ابن رجب ٢/ ٦٦٧ابن رجب ٢/ ٦٦٧
ونحوُ هذه العباراتِ المتقاربةِ في المعنى.
ورُوي ذلك عنْ ابنِ مسعودٍ، وقدْ سبقَ في حديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في أوَّلِ تفسيرِ السورةِ:
والصمدُ الذي ليسَ بأجوفَ.
وروى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ منْ طريقِ عبيدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ - قائد
الأعمشِ -: حدَّثني صالحُ بنُ حيانَ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ بريدةَ عنْ أبيه، قال: لا
أعلمُ إلا أنَّه قدْ رفعَهُ: قال: "الصمد: الذي لا جوفَ له " .
وعنْ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ عنْ ابنِ مسعودِ قال: الصمدُ ليسَ له
حشاء.
ورُوي عن ابن عباسِ أيضًا وعكرمةَ: الصمدُ الذي لا يَطْعَمُ.
وعنه: الصمدُ: الذي لم يخرجْ منه شيءٌ.
وعنِ الشعبيِّ: الصمدُ: الذي لا يأكلُ ولا يشربُ.
وعنْ مجاهد: هو المصْمَتُ الذي لا جوفَ له.
وقال طائفةٌ: الصمدُ: الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، كأنَّهم جَعَلُوا ما بعدَهُ
تفسيرًا له، وهو مما تقدَّم أنَّه الذي لم يَنْفَصِلْ منه شيء.
ورويَ ذلك عن أبيّ بنِ كعبٍ والربيع بنِ أنسٍ.
وتوجيهُ ذلك: الولادةُ والتوليدُ إنما يكونُ من أصلينِ، وما كانَ عينًا قائمًا
بنفسه منَ المتولداتِ فلا بدَّ له من مادهِ يخرجُ منها، وما كانَ عرَضًا قائِمًا
بغير فلا بذَ له منْ محل يقومُ به، فالأولُ: نفاهُ بقولِهِ: "أحدٌ" فإنَّ الأحدَ هو الذي لا كفوَ له ولا نظيرَ فيمتنعُ أنْ يكونَ له صاحبة. ابن رجب ٢/ ٦٦٨ابن رجب ٢/ ٦٦٨
والتولُّدُ إنَّما يكونُ بين شيئينِ، وكونُه تعالى أحَدًا، ليسَ أحدٌ كفوًا له
يستلزمُ أنَّه لم يلدْ ولم يولدْ، لأنَّ الوالدَ والولدَ متماثلانِ متكافئانِ، وهو
تعالى أحد لا كفوَ له.
وأيضًا فالتولُّد يحتاجُ إلى زوجة وهي مكافئةٌ لزوجِهَا مِنْ وجهٍ، وذلك
أيضًا ممتنعٌ.
ولهذا قال تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) .
وقد فَسَّر مجاهدٌ "الكفوَ" هَاهُنا بالصَّاحبةِ.
وأما الثاني؛ وهو: انفصالُ المادة فنفاهُ - سبحانه - بأنَّه الصمدُ، وهُوَ المتولدُ مِنْ أصلينِ، ربما يتكونُ منْ جزئينِ يَنْفصلانِ منْ الأصلينِ، كتولُّدِ الحيوانِ منْ أبيه وأمِّه بالمنيِّ الذي ينفصلُ منهُما، وكالنَّارِ المتولدةِ منْ بينِ الزِّندينِ سواءٌ كانا خشبينِ أو حجَرَينِ أو حَجَرًا وحديدًا.
وهو - سبحانه - صمد لا يخرجُ منهُ شيءٌ منفصل عنه.
والحيوانُ نوعانِ: متوالدٌ: وهوَ ما ولَدُهُ منْ جنسِهِ، وهو الإنسانُ وما يُخلقُ
منْ أبوينِ منَ البهائم والطيرِ وغيرِهِما.
ومتولِّدٌ: وهوَ ما يُخْلَقُ منْ غيرِ جنسِهِ كدودِ الفاكِهَةِ والخلِّ، وكالقَمْلِ
المتولدِ من الوَسَخ، والفارِ والبراغيثِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يُخلَق منَ التَّرابِ والماء.
وإنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا كما خُلِقَ آدمُ من ترابٍ وماء.
وإلا فالترابُ المحضُ الذي لم يَخْتَلِطْ به ما لا يُخلقُّ مَنه شيءٌ لا حيوانَ
ولا نباتَ، والنباتُ جميعُه إنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا. ابن رجب ٢/ ٦٦٩ابن رجب ٢/ ٦٦٩
والمسيحُ - عليه السلامُ - خُلِقَ من مريمَ ونفخة جبريلَ، وهيَ حملتْ به
كمَا تحملُ النساءُ وولدتْه، فلِهَذا يقالُ لهُ: ابنُ مريمَ، بخلافِ حواءَ فإنَّها
خُلِقَتْ من ضِلْع آدمَ، فلا يُقالُ: إنَّه أبوهَا ولا هيَ ولدُهُ.
وكذلك سائرُ المتولداتِ من غيرِهِما.
كما أنَّ آدمَ لا يُقالُ: إنَّه ولدُ الترابِ ولا الطينِ، والمتولِّدُ منْ جنسِهِ أكملُ
من المتولدِ من غيرِ جنْسِهِ، ولهذا كان خلقُ آدمَ أعجبَ منْ خَلْقِ أولادِهِ.
فإذا نُزِّهَ الربُّ عنِ المادةِ العَلَقِ وهيَ التولدُ منْ النظيرِ، فتنزُّهُهُ عن تولدِهِ
من غيرِ نظيرٍ أولى، كما أنَّ تنزيهَهُ عنِ الكفوِ تنزيهٌ له عنْ أنْ يكونَ غيرُهُ
أفضلَ منه بطريقِ الأولى.
فتبيَّنَ أنَّ ما يُقالُ: إنَّه متولدٌ من غيره منَ الأعْيانِ القائمة بنفسِهَا لا يكونُ
إلا منْ مادةٍ تخرجُ منْ ذلكَ الوالدِ، ولا تكونُ إلا منْ أصلينِ، والربُّ تعالى
صمَدٌ، فيمتنعُ أنْ يخرجَ منه شيءٌ وهو - سبحانه - لمْ يكنْ له صاحبةٌ فيمتنعْ
أن يكونَ له ولدٌ.
وأمَّا تولدُ الأعْراضِ كتولدِ الشعاع، وتولدِ العِلْم عنِ الفكرةِ والشبع عنِ
الأكْلِ، والحرارةِ عن الحركةِ ونحوِ ذلك.
فهذا ليسَ من تولدِ الأعْيانِ معَ أنَّ هذا لا بدَّ لهُ منْ محل، ولا بدَّ له من
أصلينِ كالشعاع فإنَّه يحتاجُ إلى محاذَاةِ جسم نُوريٍّ لجسمٍ آخرَ يقابلُهُ فينعكِسُ
عليه شعاعُهُ.
فقد تَضَمَّنتْ هذه السورةُ العظيمةُ نفْيَ نوعينِ عنِ اللَّهِ تعالى:
أحدُهُما: المماثلةُ، ودلَّ على نفيهَا قولُهُ تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ابن رجب ٢/ ٦٧٠ابن رجب ٢/ ٦٧٠
مع دلالةِ قولِهِ: (قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) على ذلكَ، لأنَّ أحَدِيتهُ تقتضِي أنَّه متفردٌ
بذاتِه، وصفاتِهِ، فلا يشاركُهُ في ذلكَ أحدٌ.
والثاني: نفْيُ النقائصِ والعيوبِ،، وقد نفَى منها التولُّدَ منَ الطرفينِ.
وتضَمَّنتْ إثباتَ جميعَ صفاتِ الكمالِ بإثباتِ الأحديّةِ، فالصمديّةُ تُثبتُ
الكمالَ المنافيَ للنقائصِ، والأحديّةُ تُثْبِتُ الانفرادَ بذلك. فإنَّ الأحديةَ تَقْتضِي
انفرادَهُ بصفاتِهِ وامتيازَهُ عَنْ خَلْقِهِ بذاتِهِ وصفاتِهِ، والصمديةُ إثباتُ جميع
صفاتِ الكمالِ ودوامِهَا وقِدَمِهَا، فإنَّ السيدَ الذي يُصْمَدُ إليه لا يكونُ إلا
مُتَّصِفًا بجميع صفاتِ الكمالِ الَّتي استحقَّ لأجْلِهَا أنْ يكونَ صَمَدًا، وأنَّه لمْ
يزلْ كذلك ولا يزالُ، فإنَّ صمديتَهُ مِنْ لوازمِ ذاتهِ لا تنفكُّ عنهُ بحالٍ.
ومنْ هُنا فُسِّر الصمدُ بالسيدِ الذي قَدْ انتهى سؤُددُه، وفَسَّرَهُ عكرمةُ: بالذي لَيْسَ فوقَهُ أحدٌ.
ورُويَ عَنْ عليٍّ وعنْ كَعْبٍ أَنَّه: الَّذي لا يكافِئُه أحدٌ في خَلْقِهِ.
وعنْ أبي هريرةَ قالَ: هو المُسْتَغِني عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، المحتاجُ إليه كُلُّ أحدٍ.
وعنْ سعيدِ بن جبيرٍ قالَ: هو الكاملُ في جميع صفاتِهِ وأفعالِهِ.
وعَنِ الربيع قالَ: هوَ الذي لا تعْتريهِ الآفاتُ.
وعنْ مقاتلِ بنِ حيانَ قالَ: هوَ الذي لا عَيْبَ فِيهِ.
وعنْ ابنِ كيسانَ: هوَ الذي لا يُوصفُ بصفَتِهِ أحدٌ.
وعنْ قتادةَ: الصمدُ: البَاقِي بَعْدَ خَلقِه، وعَنْ مجاهدٍ ومَعْمَرٍ: هُوَ الدائمُ.
وعَنْ مُرَّةَ الهمدانيِّ: هوَ الَّذي لا يَبْلى ولا يَفْنى. ابن رجب ٢/ ٦٧١ابن رجب ٢/ ٦٧١
وعنه أيضًا: هو الذي يحكمُ ما يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ؛ لا مُعَقِّبَ لحكمِهِ
ولا رادَّ لقضائِهِ.
فقد تَضَمَّنَتْ هذه السورةُْ العظيمةُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ، ونفيَ النقائصِ
والعيوب مِنْ خصائصِ المخلوقينَ مِنْ التولدِ والمماثلةِ.
وإذا كانَ منزَّهًا عنْ أنْ يخرجَ منهُ مادةُ الولدِ الَّتي هي أشرفُ الموادِ فَلأنْ نُزِّهَ
عَنْ خروج مادةِ غَيرِ الولدِ أوْلَى.
وكذلكَ تنزيهُهُ نفسَهُ عَنْ أنْ يُولَدَ فلا يكونُ مِنْ مثلِهِ تنزيهٌ لهُ عنْ أنْ يكونَ
مِنْ سائرِ الموادِ بطريقِ الأوْلَى.
فمنْ أثبتَ للَّهِ ولدًا فقدْ شَتَمهُ وقدْ ثبتَ في "صحيح البخاريّ " عنْ أبي
هريرةَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "يقولُ اللَهُ - عزَّ وجلَ - كذبني ابنُ آدمَ ولم يكنْ له ذلكَ، وشَتَمني ولم يكنْ لهُ ذلكَ، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بدأني وليسَ أولُ الخلق بأهَونَ علي من إعادته، وأمَّا شَتمُهُ إيايَ فقوله: اتَخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ.
لم أَلِدْ ولم أُولَدْ ولم يكن لي كُفوًا أحد".
وفي "صحيح البخاري " أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: كذبني ابنُ آدمَ وَلَم يكنْ له ذلكَ، وشتمني ولم يكنْ لَه ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فزعَم أتي لا أقدِرُ أن أعيدَهُ كما كان، وأمَّا شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولد، فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبة أو وَلدًا!.
وقد ردَّ اللَّهُ علَى منْ زعمَ أنَّه لا يعيدُ الخلقَ، وعلَى منْ زعمَ أنَّ لهُ ولدًا كما تَضَمَّنهُ هذا الحديثُ في قولهِ: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوفَ أُخْرَجُ حَيًّا) ، إلى قوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا . ابن رجب ٢/ ٦٧٢ابن رجب ٢/ ٦٧٢
وفي "صحيح البخاريَ " أيضًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"لا أحَدَ أصبرُ على أذىً سمعهُ مِنَ اللَّه، إنَهُم يجعلونَ لهُ ولَدًا وهو يرزقُهُم ويُعافِيهم " .
فهذه السورةُ الكريمةُ تَضَمَّنتْ نَفْيَ مَا هوَ من خصائصِ آلهةِ المشركين عنْ
رب العالمينَ؛ حيثُ جاءَ في سببِ النزول أنَّهُم سالُوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عنْ ربِّه منْ أيّ شيءٍ هوَ؟ أمِنْ كذا، أم من كَذَا؟ أو ممَن وَرِثَ الدنيا؛ ولمن يُوَرَثُها؛ حيثُ كانوا قد اعتادُوا آلهةً يلدونَ، ويولدونَ، ويرِثُون ويُوَرّثونَ، وآلهةً من مواد مصنوعةٍ منها، فأنزل اللَهُ هذه السورةَ.
وفي "المسندِ" من حديثِ أبيِّ بنِ كعبٍ بعدَ ذكرِ نزولهِا: لأنَّه ليسَ أحدٌ
يولدُ لا يموتُ ولا أحدٌ يرِثُ إلا يُورَث، يقولُ: كل مَنْ عُبِدَ منْ دونِ اللَّهِ وقدْ وُلد مثلُ المسيح والعزيرِ وغيرِهما من الصالحينَ، ومثلُ الفراعنةِ المدعين
الإلهية، فهذا مولودٌ يموت وهو وإنْ كانَ قد ورثَ من غيرِه ما هو فيه فإذا
ماتَ وَرِثَهُ غيرُه واللَّه سبحانه حيٌّ لا يموتُ ولا يُورَثُ سبحانه وتعالى، واللَّهُ
أعلمُ.
سؤالٌ: نفى سبحانهُ الولادةَ قبلَ نفي التولدِ، والتولد أسبقُ وقوعًا من
الولادِ في حقِّ مَنْ هو متولدٌ؟
وجوابه: أنَّ الولادةَ لم يَدَّعها أحد في حقِّه سبحانه وإنَّما ادّعَوا أنَّه وَلَدَ.
فلذلكَ قَدَّم نفيَه لأنَّه المهمُّ المحتاجُ إلى نَفْيِهِ. ابن رجب ٢/ ٦٧٣ابن رجب ٢/ ٦٧٣
سؤالٌ آخرُ: كيفَ نَفَى أنْ يكونَ مولودًا ولم يعتقدْه أحَد؟
جوابُهُ: مِنْ وجهينِ، أحدُهُما: أَنَّهم سألوا عَمن وَرِثَ الدنيا ولِمنَ يورِّثُها.
وهذا يُشعرُ بأن منهُم منْ اعتقدَ ذلكَ.
والثاني: أنه نفى عَنْ نفسِهِ سبحانه خصائصَ آلهةِ المشركينَ فإنَّ منْهمُ مَنْ
عبدَ المسيحَ، ومنْهُم منْ عبَدَ العزيرَ وهُمَا مولودانِ، ومنْهُم مَنْ عبدَ الملائكةَ
والعجلَ وهيَ متولدات، وقد تقدَّم أن نفيَ الولادةِ تدلُّ علَى نفي المتولدِ بطريقِ الأَوْلى.
فائدةٌ: قالَ ابنُ عطيةَ: (كفُوًا) خبرُ كانَ، واسمُهَا (أَحَدٌ) ، والظرفُ
مَلغي، وسيبويه يستحسن أنْ يكونَ الظرفُ إذا تقدَّم خبرًا.
ولكنْ قَدْ يجيءُ مُلْغى فى أماكنَ يقتَضِيَها المعنى كهذِهِ الآيةِ، وكقولِ
الشاعرِ أنشدَهُ سيبويه:
ما دامَ فيهنَّ فَصِيلٌ حيًّا
ويُحتملُ أن يكونَ: (كفوًا) حالاً لما قُدِّمَ مِنْ كونِهِ وصفًا للنكرةِ كَمَا قالَ
كثير لعزَّةَ:
لميةَ موحِشًا طَلَلُ
قالَ سيبويه: وهذا نَقْل في الكلامِ وبابُهُ الشِّعرُ.
فهذه السورةُ تتضمنُ انفرادَهُ ووحدانيتَهُ، وائه منقطعُ النظيرِ، وأنَّهُ إنما نُزِّهَ
عن أنْ يكونَ من أجناسِ المخلوقاتِ، لأنَّ أفرادَ كُل جنسٍ مِنْ هذهِ الأجناسِ
متكافئة مماثلة، فالذهبُ يكافئُ الذهبَ، والإنسانُ يكافئُ الإنسانَ ويزاوجُهُ.
ولهذا قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، فمَا مِنْ مخلوقٍ إلا وله كفؤ، هو زوجُهُ، ونظيرُهُ، وعدلُهُ، ومثيلُهُ، فلوْ كانَ الحقُّ مِنْ جنسِ ابن رجب ٢/ ٦٧٤ابن رجب ٢/ ٦٧٤
شيءٍ منْ هذهِ الأجناسِ لكانَ له كفوٌ وعدلٌ، وقدْ عُلِمَ انتفاؤُهُ بالشرع
والعقلِ.
فهذه السورةُ هِيَ نسبُ الرحمنِ وصفتُه، وهيَ التي أنزلَهَا اللَهُ في نفي مَا
أضافَ إليه المبطلونَ من تمثيل، وتجسيم، وإثباتِ أصل وفرع، فدخَلَ فيها ما
يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ، والصابئةِ، وأهلِ الكتابِ، ومن دخلَ فيهم من منافِقِي هذهِ الأمةِ من تولدِ الملائكةِ أوِ العقولِ، أوِ النفوسِ، أوِ بعضِ الأنبياءِ، أو غيرِ الأنبياءِ.
ودخلَ فيها ما يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من تولدِهِ عن
غيرِه كالذينَ قالُوا في المسيح: إنَّه اللَهُ، والذينَ يقولونَ في الدجالِ: إنَهُ اللَّهُ، والذين يقولون ذلك في عليٍّ وغيرِه.
ودخلَ ما يقولُه من يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من إثباتِ كفوٍ له في
شيءٍ من الأشياءِ، مثل من يجعلُ له بتشبيهِهِ، أو بِتَجْسيمِهِ، كفوًا له أو يجعلُ
لَهُ بعبادةِ غيرِه كُفؤا، أو يجعلُ لَهُ بإضافةِ بعضِ خلقِهِ إلى غيرِه كُفوًا فلا كفوَ
لهُ في شيءٍ من صفاتِهِ، ولا في ربوبيتِهِ ولا في إلاهيته.
فتضمنتْ هذه السورةُ تنزيهُهُ، وتقديسُهُ، عَنِ الأصولِ والفروع، والنظراءِ.
والأمثالِ.
وليسَ في المخلوقاتِ شيءٌ ألا ولا بدَّ أنْ يُنسبَ إلى بعضِ هذه الأعيانِ
والمعانِي، فالحيوانُ من الآدمي وغيرِه لا بدَّ أنْ يكونَ له إما والد، وإمًّا مولودٌ، وإمَّا نظيرٌ هو كفؤُه، وكذلك الجنُّ، والملائكةُ، كما قالَ تعالى: ابن رجب ٢/ ٦٧٥ابن رجب ٢/ ٦٧٥
(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .
قالَ بعضُ السلفِ: (لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) فتعلمونَ أنَّ خالقَ الأزواج واحدٌ.
قالَ تعالَى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) ، قالَ مجاهد: كلّ شيءٍ خلَقهُ اللَّهُ فهو
شفع قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .
الكفرُ والإيمانُ، والهدى والضلالة، والشقاوةُ والسعادةُ، والليلُ والنهارُ.
والسماءُ والأرْضُ، والبر والبحر، والشمسُ والقمرُ، والجنّ والإنسُ، والوترُ اللَّهُ تباركَ وتعالَى.
وهو الذي ذكرهُ البخاريُّ في "صحيحِهِ " فإته يعتمدُ قولَ مجاهدٍ لأنَّه أصَح
التفسيرِ، قالَ الثوريُّ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عَنْ مُجاهدٍ فحسبُكَ به، واختارَهُ
الشيخُ مجدُ الدينِ ابنِ تيميةَ.
وحقيقةُ الكفؤ: هُوَ المُسَاوِي والمُقَاومُ، فلا كفوَ لَهُ تعالَى في ذاتِهِ، ولا في
صِفَاتِهِ، ولا في أسمائِهِ، ولا في أفعالِهِ، ولا في ربوبيتِه، ولا فِي إلاهيتهِ.
ولهذا كانَ الإيمانُ بالقدرِ نظامَ التوحيدِ، كَمَا قالَ ابنُ عبًّاسٍ، لأنَّ القدريةَ
جعلُوا له كُفُوًا في الخلقِ.
وأمَّا توحيدُ الإلَهيةِ فالشركُ فيهِ تارة يوجبُ الكفرَ والخروجَ مِنَ الملةِ.
والخلودَ في النارِ، ومنهُ مَا هُو أصغرُ كالحلفِ بغيرِ اللَّهِ والنذرِ لهُ، وخشيةِ غيرِ اللَّهِ ورجائِهِ والتوكلِ عليهِ والذلِّ لَهُ وقولِ القائلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشئْتَ.
ومنهُ ابتغاءُ الرزق مِنْ عندِ غيرِ اللَّه، وحَمْدُ غيره علَى ما أعْطَى، والغنيةُ
بذلكَ عَنْ حمدِهِ، ومنهُ العملُ لغيرِ اللَهِ وهو الرياءُ، وهوَ أقسام.
ولهذا حرَّم التَّشَبهَ بأفْعَالِهِ بالتصويرِ، وحرَّم التسمي بأسمَائِهِ المختصةِ به كاللَّهِ والرحمنِ والرَّبِّ. ابن رجب ٢/ ٦٧٦ابن رجب ٢/ ٦٧٦
وإنما يجوزُ التسميةُ بِهِ مُضَافًا إلى غَيرِ مَنْ يعقلُ، وكذلك الجبَّارُ والمتكبرُ
والقهارُ ونحوُ ذلكَ كالخلاقِ والرزَّاقِ والدائم، ومنه ملكُ الملوكِ، وقدْ جَعلَ
ابنُ عقيلٍ التسميةَ بهذا مكروهَةً.
قال ابنُ عقيلِ: كُل ما انفردَ بِهِ اللَهُ - عز وجل -: "اللَّه " و "رحمنِ " و "خالقٍ " لا يجوزُ التَّسمي بِهِ، وكلَّما وُجِدَ معنَاهُ في الآدَمِي فإنْ كانَ يوجدُ تكبرًا، كالملكِ العظيم والأعظم، وملكِ الملوكِ والجبارِ فمكروهٌ، والصوابُ الجزمُ بتحريمِهِ.
فأمَّا مَا يتسمَّى بِهِ المخلوقونَ مِنْ أسمائِهِ كالسميع والبصيرِ والقديرِ والعليم
والرحيم، فإن الإضافةَ قاطعةُ الشركةَ، وكذلكَ الوصفيةُ، فقولنا: زيدٌ سميع
بصيرٌ لا يُفيدُ إلا صفةَ المخلوقِ وقولُنا: اللَّهُ سميع بصير يفيدُ صفتَهُ اللائقةَ
بِهِ، فانقطعتْ المشابهة بوجْهٍ من الوجوهِ، ولهذا قالَ تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ
سمِيًّا) .
وفيه قولان: أحدُهُما: نَفْيُ التسميةِ.
والثاني: نَفْىُ المساواةِ وقدْ نَفَى سبحانه عن نفسهِ المثلية بقولِهِ:
(لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ونفى عنه العدلَ والتسويةَ بقولِهِ:
(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ، وقولِهِ: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . ونَفَى عنه النِّدَ بقولِهِ: (فَلا تَجْعَلُوا لِلًهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .
وقولِهِ: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) . ابن رجب ٢/ ٦٧٧ابن رجب ٢/ ٦٧٧
وفي الحديثِ: أيُّ الذّنبِ أعظمُ؟
قالَ: "أن تَجعل للهِ ندًّا وَهُوَ خلقكَ " .
وقالَ للذي قالَ لهُ: ما شاءَ اللَّه وشئتَ: "أجعلتني للَّه ندًّا؟ " .
وفي رواية: "أَجعلتني للَّه عدلاً" .
وقالَ كعب: السماواتُ السبعُ، والأرضونَ السبعُ، أُسسَت عَلَى هذه
السورةِ (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) .
ومعنى هذا - واللَّهُ أعلمُ - أن السماواتِ، والأرضَ، إنما خلقتْ بالحقِ.
والعدلِ، والتوحيدِ؛ كمَا قالَ: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) .
ومِنْ شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلتِ:
وسبحانَ ربيِّ خالقِ النورِ لم يَلد. . . ولم يكُ مُولُودًا بذلكَ أشهَد
وسبحانَهُ مِنْ كُلِّ إفكٍ وباطلٍ. . . وكيفَ يلدْ ذو العرشِ أمْ كيفَ يُولَد
هو اللَّهُ بارِئُ الخلقِ والخلقُ كُلُّهم. . . إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جميعًا وأَعْبَد
هو الصمدُ اللَهُ الذي لَمْ يكنْ لَهُ. . . مِنَ الخلقِ كفوٌ قَدْ يُضَاهِيه مخلد
وأنَّى يكونُ الخلقُ كالخالقِ الَّذي. . . يدومُ ويَبْقَى والخليقة تَنْفَد
وليسَ بمخلوق على الدَّهْرِ جده. . . ومَنْ ذا عَلَى مَرِّ الحوادثِ يَخْلُد
وَتفْنَى ولا يبْقَى سِوى القاهرِ الَّذي. . . يُميتُ ويُحيي دائِبًا ليس يَمْهَد.
* * *
آخرُه والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ. ابن رجب ٢/ ٦٧٨ابن رجب ٢/ ٦٧٨
لا كتاب مختار.