القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍۢ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍۢ مُّخَلَّقَةٍۢ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍۢ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًۭا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍۢ شَيْـًۭٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةًۭ فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍۢ ٥

سورة الحج، الآية ٥مدنية
في سورتها

التفسير

المختارةروائع التفسيرالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

يا أيها الناس إن كنتم في شك من أن الله يُحيي الموتى فإنَّا خلقنا أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نطفة، هي المنيُّ يقذفه الرجل في رحم المرأة، فيتحول بقدرة الله إلى علقة، وهي الدم الأحمر الغليظ، ثم إلى مضغة، وهي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمْضَغ، فتكون تارة مخلَّقة، أي تامة الخلق تنتهي إلى خروح الجنين حيًا، وغير تامة الخلق تارة أخرى، فتسقط لغير تمام؛ لنبيِّن لكم تمام قدرتنا بتصريف أطوار الخلق، ونبقي في الأرحام ما نشاء، وهو المخلَّق إلى وقت ولادته، وتكتمل الأطوار بولادة الأجنَّة أطفالا صغارًا تكبَرُ حتى تبلغ الأشد، وهو وقت الشباب والقوة واكتمال العقل، وبعض الأطفال قد يموت قبل ذلك، وبعضهم يكبَرُ حتى يبلغ سن الهرم وضَعْف العقل; فلا يعلم هذا المعمَّر شيئًا مما كان يعلمه قبل ذلك. وترى الأرض يابسةً ميتة لا نبات فيها، فإذا أنزلنا عليها الماء تحركت بالنبات تتفتح عنه، وارتفعت وزادت لارتوائها، وأنبتت من كل نوع من أنواع النبات الحسن الذي يَسُرُّ الناظرين.

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍابن كثير ٦/ ٣٩٥ابن كثير ٦/ ٣٩٥

لما ذكر تعالى المخالف للبعث، المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق ، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أي: في شك (مِنَ الْبَعْثِ) وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أي: أصل بَرْئه لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم، عليه السلام (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) ذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يوما كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوما، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط-ثم يشرع في التشكيل والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان، وصدر وبطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تُسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط؛ ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي: كما تشاهدونها، (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق. فإذا مضى عليها أربعون يوما، وهي مضغة، أرسل الله تعالى إليها ملكا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله عز وجل ، من حسن وقبيح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين، من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ -وهو الصادق المصدوق-: "إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مُضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب عمله وأجله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح" .

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم، أخذها ملك بكفه قال : يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: "غير مخلقة" لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دما. وإن قيل: "مخلقة" ، قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض يموت ؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله. فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق. ابن كثير ٦/ ٣٩٥ابن كثير ٦/ ٣٩٥

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد -يبلغ به النبي ﷺ - قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول الله، ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص .

ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة، ومن طرق أخر، عن أبي الطُّفَيل، بنحو معناه .

وقوله: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا) أي: ضعيفا في بدنه، وسمعه وبصره وحواسه، وبطشه وعقله. ثم يعطيه الله القوة شيئا فشيئا، ويلطف به، ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولهذا قال: (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر.

(وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى) ، أي: في حال شبابه وقواه، (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) ، وهو الشيخوخة والهَرَم وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخَرَف وضعف الفكر؛ ولهذا قال: (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا)، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤] .

وقد قال الحافظ أبو يعلى [أحمد] بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر ابن حزم الأنصاري، عن أنس بن مالك -رفع الحديث- قال: "المولود حتى يبلغ الحنث، ما عمل من حسنة، كتبت لوالده أو لوالدته وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث جرى الله عليه القلم أمر الملكان اللذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص. فإذا بلغ الخمسين، خفف الله حسابه. فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه " . ابن كثير ٦/ ٣٩٦ابن كثير ٦/ ٣٩٦

هذا حديث غريب جدا، وفيه نكارة شديدة. ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده مرفوعا وموقوفا فقال:

حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر، عن محمد بن عبد الله العامري ، عن عمرو بن جعفر، عن أنس قال: إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة، أمنه الله من أنواع البلايا، من الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ الخمسين لَيَّن الله حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله، وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته، ومحا عنه سيئاته، وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع في أهله .

ثم قال: حدثنا هاشم، حدثنا الفرج، حدثني محمد بن عبد الله العامري، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ ، مثله .

ورواه الإمام أحمد أيضا: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي ذرة الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضَّمْري، عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة، إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص ..... وذكر تمام الحديث، كما تقدم سواء .

ورواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عبد الله بن شبيب، عن أبي شيبة، عن عبد الله بن عبد الملك ، عن أبي قتادة العُذْري، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة، إلا صرف الله عنه أنواعا من البلاء: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله، وأحبه أهل السماء ، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غَفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسُمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته" . ابن كثير ٦/ ٣٩٧ابن كثير ٦/ ٣٩٧

وقوله: (وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً) : هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي القحلَة التي لا نبت فيها ولا شيء .

وقال قتادة: غبراء متهشمة. وقال السدي: ميتة.

(فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي: فإذا أنزل الله عليها المطر (اهْتَزَّتْ) أي: تحركت وحييت بعد موتها، (وَرَبَتْ) أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها؛ ولهذا قال تعالى: (وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي: حسن المنظر طيب الريح. ابن كثير ٦/ ٣٩٨ابن كثير ٦/ ٣٩٨

روائع التفسيرابن رجب، ت ٧٩٥هـ

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)

وقولُه: "ثم يكونُ علقةً مثلَ ذلك "

يعني: أربعين يومًا، والعلقةُ: قطعة من "ثم يكون مضعةً مثلَ ذلك " يعني: أربعين يومًا، والمضغةُ: قطعة من لحم.

"ثمَّ يُرسلُ اللَهُ إليه الملك، فينفخ فيه الرُّوحَ، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ: بكتبِ رزقِهِ وعملِهِ وأجلِهِ وشقى أو سعيدٌ" .

فهذا الحديثُ يدلُّ على أنه يتقلبُ في مائةٍ وعشرينَ يومًا، في ثلاثةِ

أطوارٍ، في كلِّ أربعينَ منها يكونُ في طَوْرٍ، فيكونُ في الأربعينَ الأولى

نطفةً، ثم في الأربعينَ الثانية علقةً، ثم في الأربعينَ الثالثةِ مضغةً، ثم بعدَ

المائةِ وعشرينَ يومًا ينفخُ المَلَكُ فيه الرُّوحَ ويكتبُ لهُ هذه الأربعَ الكلماتِ.

وقد ذكرَ اللَهُ في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنينِ في هذه الأطوارِ.

كقولِهِ تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) . ابن رجب ١/ ٧٠٧ابن رجب ١/ ٧٠٧

وذكرَ هذه الأطوارَ الثلاثةَ: النُّطفةَ والعلقةَ والمضعةَ في مواضعَ متعددةٍ من

القرآنِ، وفي موضع آخرَ ذكرَ زيادةً عليها، فقالَ في سورةِ المؤمنين

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .

فهذه سبعُ تاراتٍ ذكرَها اللَّهُ في هذه الآيةِ لخلقِ ابنِ آدمَ قبلَ نفخ

الروح فيه.

وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: خُلِقَ ابنُ آدمَ منْ سبعٍ، ثم يتلُو هذه الآيةَ.

وسئلَ عن العزلِ، فقرأ هذه الآيةَ ثمَّ قالَ: فهل يخلق أحدٌ حتى

تجري فيه هذه الصفةُ؟

وفي روايةٍ عنه قال: فهلْ تموتُ نفسٌ حتى تمرَّ على هذا الخلقِ؟.

ورُوي عن رفاعةَ بنِ رافع قالَ: جلسَ إلى عمرَ عليّ والزبيرُ وسعدٌ في نفرٍ

منْ أصحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فتذاكرُوا العزل، فقالُوا: لا بأس به، فقالَ رجلٌ: إنَّهم يزعمونَ أنَّها الموءودةُ الصُّغرى.

فقالَ عليٌّ: لا تكون موءودةً حتى تمرَ على التَّاراتِ السَّبع: تكونُ سلالةً من طين، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم تكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكونُ لحمًا، ثم تكونُ خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ، أطال اللَّهُ بقاءَك.

رواه الدارقطنيُّ في "المؤتلف والمختلف " .

* * * [قالَ البخاريُّ] : "بابُ: مُخَلَّقةٍ وغيرِ مُخَلَّقةٍ" : ابن رجب ١/ ٧٠٨ابن رجب ١/ ٧٠٨

حدثنا مسدد: ثنا حماد، عن عبيد الله بنِ أبي بكرٍ، عن أنس بنِ مالكٌ.

عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:

"إنَّ اللهَ عزَّ وجل وكَلَ بالرَّحم ملَكًا، يقولُ: يا ربِّ نُطفة يا ربِّ

علَقة، يا ربِّ مُضْغة، فإذا أراد أن يقْضِي اللَّهُ خلقَهُ قال: أذَكَر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيا؟ فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ في بطنِ أمِّه ".

اختلف السَّلفُ في تأويلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) .

فقال مجاهد: هي المضغةُ التي تسقطُها المرأةُ، منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه

تصوير وتخطيطٌ، ومنها ما ليسَ بمخلَّقٍ ولا تصوير فيه، أرَى اللَهُ تعالى ذلك

عبادَه ليُبَين لهم أصْلَ ما خُلِقُوا منه، والذي يُقِرّه في الأرحامِ هو الذي يتمُّ

خلْقُهُ ولُولَدُ.

وقالتْ طائفةٌ: المخلقةُ: هي التي يتمُّ خلْقُها، وغيرُ مخلقة: هي التي

تَسقُطُ قبلَ أن تكونَ مضغةً.

روى الشَّعْبيُّ، عن علْقَمَةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: النطفةُ إذا استقرتْ في

الرَّحم حَمَلَها ملَكٌ بكفِّه، وقال: أي ربِّ، مخلقة أم غيرُ مُخلقةٍ؟

فإنْ قيلَ: غير مخلقةٍ: لم تكنْ نسمة، وقذفَتْها الأرحامُ.

وإن قيلَ: مخلقةٌ، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيدٌ؟

ما الأجلُ؟ ما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟

قال: فيقالُ للنطفةِ: من ربّكِ؟

فتقولُ: اللَّهُ، فيقالُ: من رازقُكِ؟ فتقولُ: اللَّهَ.

فيقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: اذهبْ إلى الكتابِ، فإنَّكَ ستجدُ فيه قصةَ هذه النطفةِ، قالَ: فتُخلقُ، فتعيشُ في أجلِها، وتأكلُ رزقَها، وتطأُ في أثَرِها. ابن رجب ١/ ٧٠٩ابن رجب ١/ ٧٠٩

حتى إذا جاء أجلُها ماتتْ، فدُفنتْ في ذلكَ، ثم تلا الشعبيُّ: (يَا أَيُّهَا الناسُ

إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) إلى قولهِ: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، فإذا

بلغتْ مضغةً نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابع، فكانتْ نسمةً، فإنْ كانتْ غيرَ مخلقةٍ

قذفَتْها الأرحامُ دمًا، وإن كانتْ مخلقةً نكِسَتْ نسمةً.

خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه، وآخرُهُ هو من قولِ الشعبيِّ.

وقد يستأنسُ بهذا من يقولُ: إنَّ الحاملَ لا تحيضُ ولا ترى دمَ الحيضِ في

حالِ حَمْلِها، وأنَها لا ترَى إلا دمَ النِّفاسِ خاصةً، وفي ذلكَ نظرٌ.

وقد قيلَ: إن هذا هو مرادُ البخاريِّ بتبويبِهِ هذا.

وقد رُويَ عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجل: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسانَ مِن نُّطْفَةٍ

أَمْشَاجِ) ، أنَّ النطفةَ مُشجتْ - أي: خُلِطَتْ بدمِ الحيضِ -، فإذا

حَمَلتِ المرأةُ ارتفعَ حيضُها.

وحديثُ أنسٍ الذي خرَّجه البخاريُّ يدلُّ على أنَّه لا يُخلقُ إلا بعدَ أن

يكونَ مضغةً، وليسَ فيه ذِكْرُ مدةِ ذلكَ.

وذكرُ المدةِ في حديث ابنِ مسعودٍ -

وقد خرَّجه البخاريُّ في مواضعَ أُخَرَ - قالَ: حدثنا رسولُ اللًّهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادقُ المصدوقُ -:

"إنَّ خلقَ أحدِكُم يُجْمَع في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُبعثُ إليه الملكُ، فيُؤمَرُ بأربع

كلماتٍ: بكتْبِ رزِقه، وأجَلِهِ، وعمَلِهِ، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفخُ فيه الرُّوح " -

وذكر الحديثَ.

وقد رُويَ هذا المعنى عن ابن مسعودٍ موقوفًا عليه، وعن ابنِ عباسٍ، وغيرِهما من الصحابةِ. ابن رجب ١/ ٧١٠ابن رجب ١/ ٧١٠

وقد أخذَ كثيرٌ من العلماءِ بظاهرِ حديثِ ابنِ مسعودٍ، وقالُوا. أقلُّ ما يتبيَنُ

فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانونَ يومًا؛ لأنه لا يكونُ مضغةً إلا فى الأربعينَ

الثالثةِ، ولا يتخلَّقُ قبلَ أن يكونَ مضغةً.

قال الإمامُ أحمدُ: ثنا هُشَيْمٌ: أنْبَأ داودُ، عن الشعبي، قال: إذا نُكِسَ

السَّقْطُ الخلْقَ الرابعَ وكان مخلقًا عُتقَت به الأَمَةُ، وانقضتْ به العدَّة.

قال أحمدُ: إذا تبيَّنَ الخلْقُ فهو نفاسٌ، وتُعْتَقُ به إذا تبيَّن.

قال: ولا يُصَلَّى على السَّقْطِ إلا بعد أربعة أشهرٍ.

قيلَ له: فإنْ كان أقلَّ من أربعةٍ؟

قالَ: لا، هو في الأربعةِ يتبيَّنُ خلقُه.

وقال: العلقةُ: هي دمٌ لا يتبين فيها الخلقُ.

وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيّ - بناءً على أن الخلقَ لا يكونُ إلا في

المضغةِ -: أقلّ ما يُتبيَّنُ فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانون يومًا، في أولِ الأربعين

الثالثةِ التي يكونُ فيها مضغةٌ، فإن أُسقطتْ مضغةً مخلقةً انقضتْ بها العدةُ

وعُتِقَتْ بها أمُّ الولدِ، ولو كان التخليقُ خفِيًّا لا يَشهدُ به إلا من يعرفُهُ من

النساء فكذلكَ.

فإنْ كانتْ مضغةً لا تَخْليقَ فيها: ففي انقضاءِ العدةِ وعتقِ الأمَةِ به روايتانِ

عن أحمدَ.

وهل يعتبرُ للمضغةِ المخلقةِ أن يكونَ وضعُها بعدَ تمامِ أربعةِ أشهر؟

فيه قولانِ، أشهرُهُما: لا يُعتبرُ ذلكَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، حتى قالَ: إذا تبيَّنَ خلقُهُ: ليسَ فيه اختلافٌ، أنها تُعْتقَ بذلكَ. ابن رجب ١/ ٧١١ابن رجب ١/ ٧١١

ورويَ عنه ما يدل على اعتبارِ مُضِيِّ الأربعةِ أشهُرِ، وعنه روايةٌ أُخْرى في

العلقةِ إذا تبيَّنَ أنها ولدٌ: أنَّ الأمَةَ تُعْتَقُ بها، ومن أصحابنا من طرد ذلك في

انقضاءِ العدَّةِ بها - أيضًا - وهذه الروايةُ قول النَّخعِي، وحكيَ قولاً للشافعي.

وهذا يدلُّ على أنَّه يمكنُ التخليقُ في العلقةِ، وقد رُويَ ما يدلُّ عليه.

والأطباءُ تعترفُ بذلكَ.

فأمَّا الصلاةُ على السقْطِ: فالمشهورُ عن أحمدَ أنه لا يُصلَّى عليهِ حتى يُنفخَ

فيه الروحُ، ليكون ميْتًا بمفارقةِ الروح لهُ، وذلك بعد مُضِيِّ أربعةِ أشهرٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ، وأحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وإسحاقَ.

وإذا ألْقَتْ ما يتبيَّن فيه خلْقُ الإنسانِ فهيَ نُفساءُ، ويلزمُها الغُسْلُ، فإنْ لم

يتبيَّنْ فيه خلقُ الإنسانِ وكانَ مضغةً فلا نفاسَ لها، ولا غُسلَ عليها في

المشهورِ عن أحمدَ، وعنه رواية: أنها نفساءُ -. نقلها عنه الحسنُ بنُ ثوابٍ.

ولم يشترطْ شيئًا، لأن المضغة مظنَةُ تبيُّنِ التَخَلُّقِ والتصويرِ غالبًا.

وإنْ ألقَتْ علقةً: فلا نفاسَ لها فيه، ولأصحابِنا وجهٌ ضعيفٌ: أنها نفساءُ.

بناءً على القولِ بانقضاءِ العدَّةِ به.

ومذهبُ الشافعيةِ والحنفيّةِ: أنَّ الاعتبارَ في النفاسِ بما تنقضِي به العدَّةُ.

وتصيرُ به الأمَةُ أمَّ ولدٍ، فحيثُ وُجد ذلكَ فالنفاسُ موجودٌ، وإلا فلا.

والاعتبارُ عندهُم في ذلكَ كلِّه بما يتَبيَّنُ فيه خلقُ الإنسانِ.

وقال إسحاقُ: إذا استتمَّ الخلقُ فهو نفاسٌ -: نقلَهُ عنه حرْبٍ.

* * * ابن رجب ١/ ٧١٢ابن رجب ١/ ٧١٢