إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١
التفسير
إنا بعثنا نوحاً إلى قومه، وقلنا له: حذِّر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب موجع. قال نوح: يا قومي إني نذير لكم بيِّن الإنذار من عذاب الله إن عصيتموه، وإني رسول الله إليكم فاعبدوه وحده، وخافوا عقابه، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فإن أطعتموني واستجبتم لي يصفح الله عن ذنوبكم ويغفر لكم، ويُمدد في أعماركم إلى وقت مقدر في علم الله تعالى، إن الموت إذا جاء لا يؤخر أبدًا، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.
يقول تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام ، أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم؛ ولهذا قال: (أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) أي: بين النذارة، ظاهر الأمر واضحه.
(أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ) أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه (وَأَطِيعُونِ) فيما آمركم به وأنهاكم عنه.
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) أي: إذا فعلتم ما آمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم.
و " من " هاهنا قيل: إنها زائدة. ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل. ومنه قول بعض العرب: "قد كان من مطر" . وقيل: إنها بمعنى "عن" تقديره: يصفح لكم عن ذنوبكم واختاره ابن جرير وقيل: إنها للتبعيض، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام.
(وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه، أوقعه بكم.
وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة؛ كما ورد به الحديث: "صلة الرحم تزيد في العمر" .
وقوله: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر [الله] تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات. ابن كثير ٩/ ٢٣١ابن كثير ٩/ ٢٣١
(إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ) : بأن أنذر، أي: بأن قلنا له أنذر، (قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ) ، لتضمن الإنذار معنى القول جاز أن يكون أن مفسرة، (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) : بعضها، وهو ما سبق وقيل: من زائدة، (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى) : منتهى آجالكم، ولا يستعجلكم بالعقوبة، فإن الطاعة وصلة الرحم يزاد بهما في العمر، (إِنَّ أَجَلَ اللهِ) : الأجل الأطول، (إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ) : فآمِنوا قبْل مجيئه، أو إن الأجل المقدر إذا جاء على الوجه المقدر به أجلاً لا يؤخر، فبادروا في حين الإمهال، (لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) : من أهل العلم لعلمتم ذلك، (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أي: دائمًا، (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) : من الحق، (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) : إلى الإيمان، (لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) : لئلا يسمعوا دعوتي، (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) : تغطوا بالثياب لئلا يروني، أو لئلا أعرفهم، (وَأَصَرُّوا) : على ضلالهم، (وَاسْتَكْبَرُوا) : عن اتباعي، (اسْتِكْبَارًا) ، قالوا: (أنؤمن لك واتبعك الأرذلون) [الشعراء: ١١١] ، (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) أي: دعوتهم مرة بعد أخرى بأي وجه أمكنني و " ثم " للتراخي الزماني، أو الرتبي، " وجهارًا " مصدر من غير لفظه، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) : بالتوبة، (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا) : كثير الدرور حال، والمفعال مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) : بساتين، (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لله وَقَارًا) : لا تخافون له عظمة، حتى تتركوا عصيانه " والله " إما حال من وقارًا، أو مفعول ترجون بزيادة اللام، و " وقارًا " تمييز كـ فجرنا الأنهار عيونًا، أو لا ترون له عظمة، أو لا تعتقدون الوقار، فيثيبكم على توقيركم، (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) : نطفة، ثم علقة، ثم وثم حال موجبة لتعظيمه وتوقيره (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) : مطابقة بعضها فوق بعض، (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ) : فيهن، (سِرَاجًا) : تزيل الظلمة كما يزيلها السراج، ولو كان القمر والشمس في أحدهن نورًا وسراجًا لصدق أنهما فيهن، أو إضاءتهما في السماوات كلها، وكلام ابن عباس يدل عليه، (وَاللهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا) أي: أنشأكم منها، فإن آدم منها، أي: أنبتكم فنبتم نباتًا، فاختصر دلالة على سرعة نفاذ أمره، (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا) : بعد الموت، (وَيُخْرِجُكمْ) : من الأرض، (إِخْرَاجًا) : بالحشر أكده بالمصدر كما أكد الإنشاء دلالة على أنه في التحقق كهو، (وَالله جَعَلَ لَكُم الأَرْضَ بسَاطًا) : تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه، (لِتَسْلكوا) : متخذين، (مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا) : واسعة. الإيجي ٤/ ٣٧٧الإيجي ٤/ ٣٧٧
لا كتاب مختار.