وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًۭا ١
التفسير
أقسم الله تعالى بالرياح المثيرات للتراب، فالسحب الحاملات ثقلا عظيمًا من الماء، فالسفن التي تجري في البحار جريًا ذا يسر وسهولة، فالملائكة التي تُقَسِّم أمر الله في خلقه. إن الذي توعدون به -أيها الناس- من البعث والحساب لكائن حق يقين، وإن الحساب والثواب على الأعمال لكائن لا محالة.
قوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ .
قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) سئل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن هذه الآية فقال: (وَالذَّارِيَاتِ) هي الرياح، (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هي السحاب، (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) هن السفن، (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) هي الملائكة.
وعلى هذا خرج تأويل عامة أهل التأويل، إلا ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فإنه قال: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) هي الملائكة.
ثم يحتمل أن تصرف هذه الأحرف كلها من (وَالذَّارِيَاتِ) وغيرها إلى الرياح خاصة؛ فالذاريات من تذرى الأشياء ذروا (فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا) هن يحملن السحاب وغيره في الآفاق.
وجائز أن يصرف كل حرف من ذلك إلى نوع وجنس، على ما حمله أهل التأويل، وصرفوه إليه.
قَالَ الْقُتَبِيُّ: ذرت الريح تذرو ذروا، ومنه قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) ، ومنه ذريت البر؛ لأن التذرية لا تكون إلا بالريح، وتذريت أي: أشرفت من الذروة، وذرى الرجل يذرى ذرى، فهو أذرى أي: أشمط، وشاة ذرا: إذا كان في ذنبها بياض.
(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) أي: سهلا، أي: تجري السفن في الماء جريا سهلا.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ، أي: هينا.
ثم المقسمات أمرا هم الملائكة، واختلفوا في التقسيم:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أربعة أملاك يقسمون الأمور؛ فجبريل - عليه السلام - ينزل في إنزال العذاب والشدائد، وميكائيل ينزل في إنزال النعمة والرخاء والرحمة، وإسرافيل في نفخ الصور، وملك الموت في قبض الأرواح؛ فكل واحد من هَؤُلَاءِ موكل في أمر على حدة. الماتريدي ٩/ ٣٧٢الماتريدي ٩/ ٣٧٢
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم الملائكة الذين ينزلون بالوحي، يأخذ هذا من هذا؛ إذ لله تعالى أن يرسل الوحي على يدي من يشاء من ملائكته، واللَّه أعلم.
ثم اختلف في ذكر هذه الأشياء من الرياح والسفن، والسحاب والملائكة، لماذا؟
قال عامة أهل التأويل: إنما ذكرها على القسم بها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: إنما ذكرها على سبيل تعداد النعم والمنافع التي جعلها اللَّه لهم.
واحتج هَؤُلَاءِ وقالوا: إن اللَّه تعالى نهانا عن القسم بغيره، فكيف يقسم بغيره فيكون ذكر هذه الأشياء على الامتنان، لا على القسم.
والقائلون بالقسم اختلفوا: فمنهم من يقول: القسم بأعيان هذه الأشياء؛ لعظم منافع هذه الأشياء عند الخلق.
ومنهم من يقول: إن القسم باللَّه تعالى لا بعين هذه الأشياء؛ على الإضمار؛ كأنه قال: والذي ذرا الذاريات ذروا، والذي خلق الحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، والمقسمات أمرا، وهو كقوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) ؛ فيكون القسم بخالق هذه الأشياء لا بأنفسها، وكل واحد من الوجهين محتمل؛ لأن القسم خرج لرفع شبهة الكفرة في البعث وارتيابهم فيه بعدما أقام عليهم حجج البعث وبراهينه على أنه كائن لا محالة، ونظروا فيها لزوال ذلك الارتياب والشبهة عنهم، والقسم؛ لتأكيد ما وقع عليه بما يكون عندهم له حرمة وقدر وعظمة، قيد لهم ذلك على تأكيد الخبر المقرون بالقسم، فالقسم من اللَّه تعالى بأنه خالق هذه الأشياء المذكورة مما يجل ويعظم عند الكفرة؛ لما كانوا يقسمون باللَّه تعالى عند عظم الأمور، كما أخبر تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ) ، فيصلح لتأكيد ما وقع عليه القسم، وكذلك القسم بهذه الأشياء يصلح مؤكدا لعظم خطر هذه الأشياء عندهم؛ لما تجل منافع هذه الأشياء، والعرف في الناس أنهم إنما يقسمون بالذي عظم خطره، وجل قدره عندهم؛ فأقسم اللَّه تعالى بهذه الأشياء؛ لما عرف عظم خطرها وجليل قدرها عندهم، فمنافع الرياح مما يكثر عدها: قد أهلك بها أقواما، وبها استأصلهم، وبها تلقح الأشجار المثمرة وغيرها، وبها يساق السحاب في الآفاق للإمطار، وبها تجري السفن في البحار، وغيرها من المنافع، وبها سبب حياة الحيوانات بالتنفس، ودخول الريح فيهم، ونحوها في تذرية الطعام بحيث لولاها لتحرج الناس في التذرية.
وفيها آيات؛ فإن الريح جسم لطيف يرى ولا يدرك؛ ليعلم أن الرؤية لا توجب الإحاطة والإدراك، وغير ذلك من جهة الآيات؛ على ما تقدم.
وكذلك أقسم بالحاملات وقرا، وهي السحاب الذي فيه منافع الخلق من حمل الأمطار، والتظليل في الحر، ونحو ذلك مع ما فيه من الآيات؛ إذ هو يمسكه في الهواء حيث لا يقع بسوق الرياح مع ما فيه من الحمل والوقر، ثم يرسل المطر حيث أمر؛ إذ قد يوجد السحاب ولا مطر؛ دل أنه لم يرسل بنفسه، بل بالأمر يرفع ويمسك ويرسل، وهو في نفسه مُسَخَّر لا بد له من مُسَخِّر؛ إذ لو كان عمله بالطبع لم يختلف باختلاف الأحوال. الماتريدي ٩/ ٣٧٣الماتريدي ٩/ ٣٧٣
وفيه آيات البعث؛ إذ خلق مثله لا يكون إلا لعاقبة، وكذلك أقسم بالجاريات يسرا، وهي السفن؛ لما فيها من منافع الخلق؛ إذ لولاها لانقطع بعض المنافع عن الخلق؛ إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في مكان واحد؛ بل خلقها متفرقة في أماكن، فطريق تحصيل هذه المنافع والحوائج شيئان: الحمل على ظهور الدواب في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما جعلها بحيث لا تتسفل في الماء مع ثقل الأحمال بل تجري بها الريح حيثما شاءوا بأمر اللَّه تعالى.
والملائكة منافعهم عظيمة ظاهرة، وعظم قدرهم وجلالة خطرهم واضح.
وإذا كان كذلك، فكان القسم بهذه الأشياء؛ لتأكيد الخبر المقسم عليه مما يعقل، وهو متعارف، ولا معنى لقول أُولَئِكَ: إنه نهى عباده عن القسم بغيره، فكيف يقسم بنفسه؛ إذ يجوز أن يقسم هو بشيء ينهانا عن القسم به؛ إذ القسم بالشيء تبجيل لتلك الأشياء وتعظيمها، وأنها لا تستحق التعظيم بأنفسها، بل باللَّه تعالى، فأمرنا بالقسم باللَّه تعالى؛ إذ هو المستحق للتعظيم بنفسه في الحقيقة؛ إذ هو خالق الأشياء كلها، فأما القسم من الله تعالى بشيء ليس لتعظيم ذلك في نفسه، بل بيان منه قدر منافعه التي للخلق فيه، والتي عظمت، وجلت عندهم؛ فيكون لذكرها خطر عندهم، واللَّه أعلم.
ثم ذكر أفعال هذه الأشياء التي أقسم بها، ولم يذكر أنفسها، والقسم إنما يكون بالأنفس، لا بالأفعال، فأما إن عرف أُولَئِكَ الكفرة أنفس هذه الأشياء بذكر أفعالها وقت قرع ذكر هذه الأفعال سمعهم، وإذا لم يعرفوا يسألون عنها، وما أريد بها، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ هذا موضع القسم، والصدق إنما يستعمل في الخبر، فكأنه قال: إن ما أخبركم الرسول بالبعث، أو وعدكم به، لصادق في خبره ووعده؛ إذ الوعد في الجملة مما قد يكون صدقا أو كذبا، فأكد هذا الوعد من الرسول بالقسم: إنه لصادق فيما وعد من البعث وغيره، وكذلك قوله تعالى: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) موضع القسم: أن الجزاء لواقع كائن.
وقيل: إن المراد من الدِّين الحساب، أي: إن الحساب لكائن لا محالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أقسم - أيضا - بالسماء ذات الحبك، وموضع القسم: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) . الماتريدي ٩/ ٣٧٤الماتريدي ٩/ ٣٧٤
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) :
روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (ذَاتِ الْحُبُكِ) قال: حسنها واستواؤها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات حبك، أي: ذات بنيان متقن محكم.
وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه: حبك الثوب.
وقال الحسن: حبكت بالنجوم، وحبكت بحسن الخلق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات الشدة والاستواء، يقال: حبكت الحبل؛ إذا شددت قتله، كذلك قاله أبو عبيدة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (ذَاتِ الْحُبُكِ) : ذات الطرائق، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين: أن القسم بعين السماء، أو رب السماء، والله أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) يخرج على وجوه:
أحدها: إنكم لفي قول مختلف في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي القرآن، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة؛ لم يخرج مختلفا متناقضا؛ لأنهم قالوا في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مفترٍ؛ وهذا مختلف متناقض؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال؛ فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض، وكذلك قولهم في القرآن: إنه أحاديث الأولين، وإنه مفترى، والافتراء خلاف الأساطير، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله؛ فيكون هذا تناقضًا في القول؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل، لا عن علم؛ إذ لو كان عن علم بذلك، لكان لا يختلف ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة.
والثاني: إنما قال ذلك في الدلالة على البعث: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أي: في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد، والمحسن والمسيء، وقد عرفتم الاستواء بينهما في هذه الدنيا، دل أن هنالك دارا أخرى فيها يفرق بينهما ويميز. الماتريدي ٩/ ٣٧٥الماتريدي ٩/ ٣٧٥
وهذا التأويل لا يختص به الكافر؛ بل يعم الكل، واللَّه أعلم.
والثالث: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) ، أي: قول متفرق، ومذهب متناقض؛ فإنهم كانوا يعبدون أشياء على هواهم، فإذا هووا شيئا آخر تركوا ذلك وعبدوا غيره، وكذلك يقولون قولا بلا حجة، ثم يرجعون إلى قول آخر، لا ثبات لهم على شيء، وهو كقوله تعالى؛ (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) .
والرابع: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) ، أي: في أمر الآخرة؛ لأن منهم من يدعي أن الآخرة لهم لو كانت، ومنهم من يدعي الشركة مع المسلمين، فرد اللَّه تعالى عليهم بقوله: (يُؤفَكُ عَنهُ مَنْ أُفِكَ) ، وهو كقوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ، وقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) .
والخامس: يحتمل أن مواعيدهم ومنازلهم مختلفة في الآخرة، واللَّه أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل: أن الناس يأتون مكة من البلدان المختلفة؛ ليتفحصوا عن أخبار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، ويسمعوا كلامه، فكان كفار مكة يصدونهم عنه، ويقول بعضهم: إنه مجنون، وبعضهم: إنه كذاب، وبعضهم: شاعر، وذلك قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ يحتمل وجوها:
أحدها: أي: يصرف عن الحق من صرف عن النظر والتفكر في العاقبة.
والثاني: صرفوا عما رجوا في الآخرة، صرفوا عن الحق في الدنيا؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تقربهم عبادتها إلى اللَّه تعالى وأنها شفعاؤهم عند اللَّه تعالى، يقول تعالى: صرف عما رجا في الآخرة؛ لما صرف عن الحق في الدنيا، واللَّه أعلم.
والثالث: يصرف من طمع في الآخرة الشركة مع المسلمين، أو ادعى الخلوص بما صرف في الدنيا عن الإيمان الذي به ينال الآخرة.
والرابع: (يُؤفَكُ عَنهُ) أي: عن الحق (مَنْ أُفِكَ) ، أي: صرف عن الحق من صرف؛ كقوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. . .) الآية، وقوله: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللََّهُ قُلُوبَهُم) .
وقوله تعالى: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ قال أبو بكر الأصم: الخراص: الذي يكذب على العَمْدِ.
ولكن عندنا: الخراص: الذي يكذب، ويقطع على الظن، ومنه يقال للذي يقدم الشيء ويفرقه بالظن: خراص؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: (الْخَرَّاصُونَ) . الماتريدي ٩/ ٣٧٦الماتريدي ٩/ ٣٧٦
ثم قوله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) يحتمل حقيقة القتل، وذلك يرجع إلى قوم خاص قتلوا.
والثاني: (قُتِلَ) ، أي: لعن، واللعن: هو الطرد؛ أي: طردوا عن رحمة اللَّه، وإنما سمي اللعن: قتلا؛ لأن القتل سبب التبعيد عن منافع الحياة، وبالقتل خرج من أن يكون منتفعا به، واللعن هو الطرد عن رحمة اللَّه التي بها تقع وتتحقق المنافع في الآخرة، واللَّه أعلم.
وقال أهل التأويل: الخراصون: الكاذبون، وكذا قال أهل الأدب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ اختلف في تأويله:
قَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في غفلة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في غطاء وغشاء، كقوله: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا) ، أي: في غطاء وغلف.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: أي: في عماية عن أمر الآخرة.
ولكن الكل يرجع إلى معنى واحد.
وقوله: (سَاهُونَ) ، أي: ساهون عن الحق وعما دعوا إليه.
وقيل: (سَاهُونَ) ، أي: غافلون.
وقيل: أي: لاهون عن التوحيد والإيمان.
وقيل: (سَاهُونَ) ، أي: تاركون الإيمان.
وأصل السهو هو الترك، وهو كقوله: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) ، أي: تركوا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ .
كانوا يسألون عن يوم القيامة سؤال استهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لذلك قال الله تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) ولو كان سؤالهم سؤال استرشاد، لكان لا يأتيهم ذلك الوعيد؛ ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - أتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وسأله عن الإيمان والإسلام في حديث طويل، وسأله عن الساعة فلم يأته الوعيد؛ فلا ذم في سؤاله ذلك؛ الماتريدي ٩/ ٣٧٧الماتريدي ٩/ ٣٧٧
لأن سؤاله سؤال استرشاد، وقوم موسى - عليه السلام - لما سألوا رؤية الرب تعالى بقولهم: (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) فأهلكوا؛ لأنهم سألوا سؤال استهزاء وتعنت، لا سؤال استرشاد، وأصحاب رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - سألوا - أيضا - الرؤية، فبشروا ووعدوا في الآخرة؛ لما أنهم سألوا سؤال استرشاد، لا سؤال استهزاء، فعلى ذلك أُولَئِكَ الكفرة سألوا عن القيامة سؤال استهزاء متى تكون الساعة التي تعدنا بها؟ وأين وقت العذاب الذي تعدنا به؟ لذلك قال جوابا لهم: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) ، واللَّه أعلم.
وفي الآية دلالة على أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج؛ فإنه لا فرق بين سؤال الكفرة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - عن السماعة وبين سؤال جبريل - عليه السلام - عن الساعة، ثم أجاب لجبريل - عليه السلام -: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ثم الجواب للكفرة: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) ، ثم من شهد النوازل علم المراد من النازلتين: أن أحد السؤالين خرج على الاستهزاء، والآخر على الاسترشاد؛ فحملوا أحد الجوابين على إحدى الحالتين، والآخر على الحال الأخرى؛ دل أن الحكم لا يبنى على ظاهر المخرج، ولكن يجب النظر؛ ليعرف المرادة إما بسؤال من شهد النازلة، أو من حيث المعنى المودع فيه، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ يخبرهم عن اليوم الذي يفتنون فيه، وقيل فيه بوجهين:
أحدهما: (يُفْتَنُونَ) ، أي: يبتلون، ويمتحنون بالشدة والعذاب، والفتنة: هي المحنة التي فيها الشدة والبلاء، فسمي العذاب: فتنة؛ لما فيه من الشدة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يفتنون، أي: يحرقون.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ... أي: ذوقوا العذاب الذي فيه الشدة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) ، أي: تستعجلون في الدنيا، وتزعمون أنه لا يكون في الآخرة.
قال شعبة بن الحجاج، عن سِمَاك، عن خالد بن عَرْعَرَة أنه سمع عليا وشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بزَّة، عن أبي الطُّفَيْل، سمع عليًا. وثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة عن رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، ما معنى قوله تعالى: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) ؟ قال: الريح [قال] : (فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا) ؟ قال: السحاب. [قال] : (فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا) ؟ قال: السفن. [قال] : (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) ؟ قال: الملائكة .
وقد روي في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سَبْرَة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: جاء صَبِيغ التميمي إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن (الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا) ؟ فقال: هي الرياح، ولولا أنى سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن (الْجَارِيَاتِ يُسْرًا) قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ [دعا به و] ضربه مائة أخرى، وحمله على قَتَب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس. ابن كثير ٨/ ٤١٣ابن كثير ٨/ ٤١٣
قال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث .
قلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبِيغ بن عسل مشهورة مع عمر ، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتا وعنادا، والله أعلم.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة . وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك.
وقد قيل: إن المراد بالذاريات: الريح كما تقدم وبالحاملات وقرًا: السحاب كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل:
وَأسْلَمْتُ نَفْسي لمَنْ أسْلَمَتْ … لَهُ المزْنُ تَحْمِلُ عَذْبا زُلالا
فأما الجاريات يسرًا، فالمشهور عن الجمهور -كما تقدم-: أنها السفن، تجري ميسرة في الماء جريا سهلا. وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرا في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله عز جل على وقوع المعاد؛ ولهذا قال: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ) أي: لخبر صدق، (وَإِنَّ الدِّينَ) ، وهو: الحساب (لواقع) أي: لكائن لا محالة. ابن كثير ٨/ ٤١٤ابن كثير ٨/ ٤١٤
لا كتاب مختار.