لِإِيلَٰفِ قُرَيْشٍ ١
التفسير
اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى «اليمن» ، وفي الصيف إلى «الشام» ، وتيسير ذلك; لجلب ما يحتاجون إليه.
[سورة قريش ] سورة قريش مكية عددها أربع آيات : مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٥٩مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٥٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ- ١- وذلك أن قريشا كانوا تجارا يختلفون إلى الأرض ثم سميت «قريش » ، وكانوا يمتارون في الشتاء من الأردن وفلسطين لأن ساحل البحر «أدفأ » ، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشتاء والبحر من أجل الحر، وأخذوا إلى اليمن للميرة فشق عليهم الاختلاف، فأنزل الله- تعالى- «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» يقول لا اختلاف لهم «ولا تجارة » قد قطعناها عنهم فذلك: «إِيلافِهِمْ » رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ- ٢- فقذف الله- عز وجل- في قلوب الحبشة أن «يحملوا » الطعام في السفن إلى مكة للبيع، فحملوا إليهم فجعل أهل مكة يخرجون إليهم بالإبل والحمير، فيشترون الطعام على مسيرة يومين من مكة، «وتتابع » ذلك عليهم سنين، فكفاهم الله مؤنة الشتاء والصيف، ثم قال: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
- ٣- لأن رب هذا البيت كفاهم مؤنة الخوف والجوع، فليألفوا العبادة له، كما ألفوا الحبشة ولم يكونوا يرجونهم، «الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» حين قذف في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم الطعام في السفن وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ- ٤- يعني القتل والسبي، وذلك أن العرب في الجاهلية كان يقتل بعضهم بعضا، ويغير بعضهم على بعض: فكان الله- عز وجل- يدفع عن أهل الحرم، ولا يسلط عليهم عدوا، فذلك قوله: مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٠مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٠
«وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» .
وأيضا «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ» يقول لا ميرة لقريش، ولا اختلاف، وذلك أن قريشا «كانت » لا تأتيهم التجار، ولا يهتدون إليهم، فكانت قريش تمتار «لأهلها»
» الطعام من الشام في الشتاء، «ومن اليمن في الصيف » وذلك أنهم كانوا في الشتاء ينطلقون إلى الشام ليتماروا الطعام لأهلهم، فإذا جاء «الصيف » انطلقوا إلى اليمن فكانت لهم «رحلتان » في الشتاء والصيف فرحمهم الله- عز وجل- فقذف في قلوب الحبش أن يحملوا إليهم الطعام في السفن فكانوا يخرجون على مسيرة ليلة إلى جدة، فيشترون الطعام وكفاهم الله مؤنة الشتاء والصيف، فأنزل الله - عز وجل- يذكرهم النعم فقال: «لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ، رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ» والإيلاف من المؤنة والاختلاف، ثم قال: َلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ» مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٢مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٢
يقول أخلصوا العبادة له «الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» حين قذف في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم الطعام في السفن، ثم قال: «وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ» يعني القتل والسبي «لأن العرب » «كانت » يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضهم بعضا، وهم «آمنون » فى الحرم. مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٣مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٣
سورة الماعون مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٥مقاتل بن سليمان ٤/ ٨٦٥
هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم وإن كانت متعلقة بما قبلها. كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله (لإيلافِ قُرَيْشٍ) أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم؛ لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عَرَفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم. هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم. وأما في حال إقامتهم في البلد، فكما قال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] ولهذا قال: (لإيلافِ قُرَيْشٍ) بدل من الأول ومفسر له. ولهذا قال: (إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) ابن كثير ٩/ ٤٩١ابن كثير ٩/ ٤٩١
وقال ابن جرير: الصواب أن "اللام" لام التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
وقوله: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) أي: هو رب البيت، وهو " الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ " أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندا ولا وثنًا. ولهذا من استجاب لهذا الأمر جَمَع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٢ - ١١٣]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن عمرو العَدَني، حدثنا قَبِيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل أمكم، قريش، لإيلاف قريش" ثم قال:
حدثنا أبي، حدثنا المؤَمَّل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس-عن عُبَيد الله ابن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ويحكم يا معشر قريش، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف" .
هكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، رضي الله عنها فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.
آخر تفسير سورة "لإيلاف قريش" . ابن كثير ٩/ ٤٩٢ابن كثير ٩/ ٤٩٢
لا كتاب مختار.