أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ٨
Commentary
لئلا تعتدوا وتخونوا مَن وَزَنتم له، وأقيموا الوزن بالعدل، ولا تُنْقِصوا الميزان إذا وَزَنتم للناس.
ثم قال {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن} أي: العدل، فهو خبر فيه معنى الأمر بالعدل ودل على ذلك قوله {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان} وقيل هو الميزان الذي يتناصف به الناس.
ثم قال {أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان} أي: وضع الميزان لئلا تبخسوا وتظلموا في الوزن.
وقال قتادة: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، أَوْفِ كما تحب أن يُوَفّى لك فإن بالعدل صلاح الناس. Makki ibn Abi Talib 1/7214Makki ibn Abi Talib 1/7214
ثم قال {وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} أي: أقيموا الميزان بالعدل ولا تنقصوا الوزن إذا أوزنتم. ثم قال {والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي: والأرض وطأها للخلق. {فِيهَا فَاكِهَةٌ والنخل ذَاتُ الأكمام} أي: في الأرض فاكهة، وفيها النخل ذات الطلع قاله القرظي. وقال الحسن وقتادة والضحاك الأكمام: الِلّيفُ، وأصل الكَمِ أن يكون غلافا للشيء، ومنه قيل كم القميص لأنه يغطي اليد. ثم قال {والحب ذُو العصف والريحان} [أي] وفيها الحب يعني حب البر والشعير، والعصف. ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه يسمى العصف إذا يبس. وقيل هو التبن قاله قتادة والضحاك. وقال ابن جبير العصف: البقل من الزرع. وقوله: (والريحان) يعني والرزق.
قال ابن عباس كل ريحان في القرآن فهو رزق وهو قول مجاهد والضحاك. Makki ibn Abi Talib 1/7215Makki ibn Abi Talib 1/7215
وعن ابن عباس أيضاً أنه الريحان الذي يشم، وهو قول الحسن وابن زيد. وعن ابن عباس أيضاً أنه خضرة الزرع.
وقال ابن جبير الريحان ما قام على ساق. وحكى الفراء عن بعضهم العصف: المأكول من الحب، والريحان الذي لا يؤكل. وقال الفراء: العصف بقل الزرع، تقول العرب: خرجنا نعصف الزرع: إذا قطعوا منه شيئاً قبل أن يدرك، فذلك العصف، (والريحان هو ورق والحب الذي يؤكل) .
أي: فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وتجحدان، والآلآء: النعم في قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. وقال ابن زيد الآلاء: القدرة، وإنما أضمر الجن والإنس ولم يتقدم للجن ذكر، لأن الأنام واقع على الجميع. وقيل لما أتى بعده وخلق الجانّ، بين ذلك ما تقدم من التثنية. وقيل إنه مخاطبة للواحد: حكي عن العرب أنهم يقولون: اُدْخُلاَهَا يا غلام. Makki ibn Abi Talib 1/7216Makki ibn Abi Talib 1/7216
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قُرئت عنده فقال: " مالي أسمع الجن أحسن جواباً منكم، قالوا وما ذلك يا رسول الله قال ما أتيت على قول الله عز وجل { فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالت الجن ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد " .
وقال جابر بن عبد الله تلاها. رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها فقال: " مالكم سكوتاً الجن كانت أحسن رداً منكم، ما تلوتها عليهم مرة {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد " .
ومن رواية جابر بن عبد الله أيضا في حديث آخر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما قرأت هذه الآية على الجن من مرة {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} إلا قالوا لا بشيء من نعمائك نكذب ربنا ولك الحمد ". Makki ibn Abi Talib 1/7217Makki ibn Abi Talib 1/7217
(يعني آدم صلى الله عليه وسلم) من طين يابس لم يطبخ فله صلصة من يُبْس إذا حُرِكَ ونَقْرٍ كالفخار، فهو من يُبْسِه، وإن لم يكن كطبوخاً كالذي طُبخ بالنار، فهو يُصَلصل كما يصلصل الفخار الذي قد طبخ من الطين. قال ابن عباس خلق الله جل ذكره آدم صلى الله عليه وسلم من طين لازب.
واللازب: اللزج الطيب من بعد حماء مسنون، وإنما كان حماً مسنونا بعد التراب فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ويصوت.
وقال عكرمة من صلصال /: كالفخار: هو من طين خلط برمل فصار كالفخار. وقال قتادة: الصلصال: التراب اليابس الذي تسمع له صلصلة كالفخار. وعن ابن عباس هو ما عسر فخرج من بين الأصابع. Makki ibn Abi Talib 1/7218Makki ibn Abi Talib 1/7218
واصل صلصال: صلال، من صلى اللحم إذا نتن وتغيرت رائحته، كصَرْصَر وكَبَكَب من صرَ وكَبَ، فأبدل في جميع ذلك من الحرف المكرر الثاني حرفاً من جنس الأول.
قال {وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} المارج ما اختلط بعضه ببعض من بين أصفر وأخضر وأحمر من قولهم: مرَج أمر القوم: إذا اختلط.
وقال ابن عباس من أوسط النار وأحسنها، وعنه خلقه من لهب النار من أحسن النار. وعنه من خالص النار، وعنه من لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وقال مجاهد: المارج اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت. / وذكر عنه ابن وهب أن المارج الحمرة التي تكون في طرف النار. ويروى أن الله جل ذكره خلق نارين فمزج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم، فخلق إبليس اللعين منها، وكل هذا من أول السورة، نعم أنعم الله بها على خلقه ذكرها وعددها فلذلك قال بعد ذلك. {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} أي: فبأي نعم ربك تكذب الأنس والجن. فالضمير في {تُكَذِّبَانِ} في جميع السورة يعود على الأنس والجن الذين مضى ذكرهما في قوله {خَلَقَ الإنسان} {وَخَلَقَ الجآن} لكنه تقدم فيه ضميرهما قبل ذكرهما في الأول خاصة لأن المعنى مفهوم. Makki ibn Abi Talib 1/7219Makki ibn Abi Talib 1/7219
يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه: أنه أنزل على عباده القرآن ويسر حفظه وفهمه على من رحمه، فقال: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) قال الحسن: يعني: النطق . وقال الضحاك، وقتادة، وغيرهما: يعني الخير والشر. وقول الحسن ها هنا أحسن وأقوى؛ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين، على اختلاف مخارجها وأنواعها.
وقوله: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) أي: يجريان متعاقبين بحساب مُقَنَّن لا يختلف ولا يضطرب، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] ، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] .
وعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابا واحدا من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: (والنجم) بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض -يعني من النبات. وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، وسفيان الثوري. وقد اختاره ابن جرير رحمه الله .
وقال مجاهد: النجم الذي في السماء. وكذا قال الحسن وقتادة. وهذا القول هو الأظهر والله أعلم؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [الحج: ١٨] . Ibn Kathir 8/489Ibn Kathir 8/489
وقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) يعني: العدل، كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] ، وهكذا قال هاهنا: (أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ) أي: خلق السموات والأرض بالحق والعدل، لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل؛ ولهذا قال: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) أي: لا تبخسوا الوزن، بل زِنوا بالحق والقسط، كما قال [تعالى] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] .
وقوله: (وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ) أي: كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام، وهم: الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم، في سائر أقطارها وأرجائها. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام: الخلق.
(فِيهَا فَاكِهَةٌ) أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح، (وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ) أفرده بالذكر لشرفه ونفعه، رطبا ويابسا. والأكمام - قال ابن جُرَيْج عن ابن عباس: هي أوعية الطلع. وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرا ثم رطبا، ثم ينضج ويتناهى يَنْعُه واستواؤه.
قال ابن أبي حاتم ذُكِرَ عن عمرو بن علي الصيرفي: حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أخبرك أن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تَيْنَع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج أُكِل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادًا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر بن الخطاب من عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك ، هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله، فإن ﴿مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠] .
وقيل: الأكمام رفاتها، وهو: الليف الذي على عنق النخلة. وهو قول الحسن وقتادة.
(وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ) يعني: التبن. Ibn Kathir 8/490Ibn Kathir 8/490
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: (الْعَصْفِ) ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس. وكذا قال قتادة، والضحاك، وأبو مالك: عصفه: تبنه.
وقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: (والريحان) يعني: الورق.
وقال الحسن: هو ريحانكم هذا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (والريحان) خضر الزرع.
ومعنى هذا -والله أعلم-أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو: ما على السنبلة، وريحان، وهو: الورق الملتف على ساقها.
وقيل: العصف: الورق أول ما ينبت الزرع بقلا. والريحان: الورق، يعني: إذا أدجن وانعقد فيه الحب. كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة.
وَقُولا له: من يُنْبِتُ الحَبَّ في الثَّرى … فَيُصْبِحَ منه البقلُ يَهْتَزُّ رابيا?
وَيُخْرجَ منْه حَبَّه في رُؤوسه? … فَفي ذاك آياتٌ لِمَنْ كَانَ واعيا
وقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أي: فبأي الآلاء -يا معشر الثقلين، من الإنس والجن-تكذبان؟ قاله مجاهد، وغير واحد. ويدل عليه السياق بعده، أي: النِّعَمُ ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها، لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها ، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون: "اللهم، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذِّب، فلك الحمد" . وكان ابن عباس يقول: "لا بأيِّها يا رب" . أي: لا نكذب بشيء منها.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ، وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر، والمشركون يستمعون (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) . Ibn Kathir 8/491Ibn Kathir 8/491
Choose one book or more.