فيقول الآن لصاحب الفيل: يا فائل الرأي , أين ما شرطناه من حدود البلاغة فيما جائت به من الكلام , وأين ما وصفناه من رسوم المعارضات فيما هذيت من جهلك وضلالتك , افتتحت قولك بـ: " الفيل ما الفيل وما أدراك ما لفيل ... " فهولت وروعت , وصعدت وصوبت ثم أخلفت ما عدت وأخدجت ما ولدت حين انقطعت , وعلى ذكر الذنب والمشفر اقتصرت , ولو كنت تعرف شيئًا من قوانين الكلام وأوضاع المنطق ورسومه لم تحرف القول على جهته , ولم تضعه في غير موضعه. أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهي الغاية في معناه , كقول الله تعالى: {الحاقَّة , ما الحاقَّة , وما أدراك ما الحاقّة} و {القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة} فذكر يوم القيامة وأتبعها من ذكر أوصافها وعظيم أهوالها ما لاق بالمقدمة التي أسفلها وصدر
الخطبة بها فقال: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش ...} إلى آخر السورة. وأنت علقت هذا القول على دابة يدركها البصر في مدى اللحظة ويحيط بمعانيها العلم في اليسير من مدة الفكر , ثم اقتصرت من عظيم ما فيه من العجب على ذكر المشفر والذنب , فما أشَبِّه قولك هذا إلا بما أنشدنيه بعض شيوخنا لبعض نظرائك:
وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٢٢٥