الشواهد افتح هذا أولًا في كل آية من كتب البلاغة والإعجاز
دلائل الإعجاز في علم المعاني عبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـ ص ٤٥
تحقيق القول في البلاغة والفصاحة ٣٦ - وهل تشكُّ إِذا فكَّرْت في قولهِ تعالى {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِين َ} [هود: ٤٤] ، فتَجلَّى لك منها الإعجازُ، وبَهَركَ الذي تَرى وتَسْمَعُ٢ أَنك لم تَجد ما وَجَدْتَ منَ المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لمر يَرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكَلِم بعضِها ببعضٍ، وأن لم يَعرِضْ لها الحُسْنُ والشرفُ إلاَّ مِنْ حيثُ لاقَتْ الأُولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا، إلى أن تستقريَها إلى آخِرها وأنَّ الفضلَ تَناتَجَ ما بينها، وحصَل من مجموعها؟
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ ٣/ ١٦٣
النوع الرابع والخمسون: في كناياته وتعريضه وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي ِّ} حَقِيقَةُ ذَلِكَ "جَلَسَتْ" فَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الْخَاصِّ بِالْمَعْنَى إِلَى مُرَادِفِهِ لِمَا فِي الِاسْتِوَاءِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِجُلُوسٍ مُتَمَكِّنٍ لَا زَيْغَ فِيهِ وَلَا مَيْلَ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ مِنْ لَفْظِ "الْجُلُوسِ"
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ ٤/ ١٨٣
النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب وَقَوْلُهُ: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَك ِ} الْآيَةَ أَمَرَ فِيهَا وَنَهَى
وَأَخْبَرَ وَنَادَى، وَنَعَتَ وَسَمَّى وَأَهْلَكَ وَأَبْقَى، وَأَسْعَدَ وَأَشْقَى وَقَصَّ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا لَوْ شُرِحَ مَا انْدَرَجَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ بَدِيعِ اللَّفْظِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْإِيجَازِ وَالْبَيَانِ لَجَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَقَدْ أَفْرَدْتُ بَلَاغَةَ هَذِهِ الْآيَةِ بِالتَّأْلِيفِ، وَفِي الْعَجَائِبِ لِلْكِرْمَانِيِّ: أَجْمَعَ الْمُعَانِدُونَ عَلَى أَنَّ طَوْقَ الْبَشَرِ قَاصِرٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآيَةِ بَعْدَ أَنْ فَتَّشُوا جَمِيعَ كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَلَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا فِي فَخَامَةِ أَلْفَاظِهَا وَحُسْنِ نَظْمِهَا وَجَوْدَةِ مَعَانِيهَا فِي تَصْوِيرِ الْحَالِ مَعَ الْإِيجَازِ مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ ٤/ ٢٥٤
النوع السادس والخمسون: في الإيجاز والإطناب وَمِنْ وُقُوعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ جُمْلَةٍ {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فَقَوْلُهُ {نِسَاؤُكُمْ} مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: {فَأْتُوهُنَّ} لِأَنَّهُ بَيَانٌ لَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ لِلْحَثِّ عَلَى الطَّهَارَةِ وَتَجَنُّبِ الأدبار وقوله: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَقِيلَ بُعْداً} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِثَلَاثِ جُمَلٍ وَهِيَ: {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِي ِّ} قَالَ فِي الْأَقْصَى الْقَرِيبِ وَنُكْتَتُهُ إِفَادَةُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَاقِعٌ بَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ أَتَى بِهِ آخِرًا لَكَانَ الظَّاهِرُ تَأَخُّرَهُ فَبِتَوَسُّطِهِ ظَهَرَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُتَأَخِّرٍ ثُمَّ فِيهِ اعتراض في اعْتِرَاضٌ فَإِنَّ "وَقُضِيَ الْأَمْرُ" مُعْتَرِضٌ بَيْنَ "وَغِيضَ" وَ "وَاسْتَوَتْ" لِأَنَّ الِاسْتِوَاءَ يَحْصُلُ عَقِبَ الْغَيْضِ وَقَوْلُهُ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إِلَى قَوْلِهِ: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ} فِيهِ اعْتِرَاضٌ بِسَبْعِ جُمَلٍ إِذَا أُعْرِبَ حَالًا مِنْهُ
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ ٤/ ٣١٦
النوع الثامن والخمسون: في بدائع القرآن هُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمَ بِكَلِمَاتٍ مُتَتَالِيَاتٍ مَعْطُوفَاتٍ مُتَلَاحِمَاتٍ، تَلَاحُمًا سَلِيمًا مُسْتَحْسَنًا بِحَيْثُ إِذَا أُفْرِدَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهُ قَامَتْ بِنَفْسِهَا وَاسْتَقَلَّ مَعْنَاهَا بِلَفْظِهَا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَك ِ} الْآيَةَ، فَإِنَّ جُمَلَهُ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا على بعضها بِوَاوِ النَّسَقِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْبَلَاغَةُ مِنَ الِابْتِدَاءِ بِالِاسْمِ الَّذِي هُوَ انْحِسَارُ الْمَاءِ عَنِ الْأَرْضِ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ غَايَةُ مَطْلُوبِ أَهْلِ السَّفِينَةِ مِنَ الْإِطْلَاقِ مَنْ سِجْنِهَا ثُمَّ انْقِطَاعُ مَادَّةِ السَّمَاءِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ تَمَامُ ذَلِكَ مِنْ دَفْعِ أَذَاهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ وَمِنْهُ اخْتِلَافُ مَا كَانَ بِالْأَرْضِ ثُمَّ الْإِخْبَارُ بِذَهَابِ الْمَاءِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمَادَّتَيْنِ الَّذِي هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ قَطْعًا ثُمَّ بِقَضَاءِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ هَلَاكُ مَنْ قُدِّرَ هَلَاكُهُ وَنَجَاةُ مَنْ سَبَقَ نَجَاتُهُ وَأُخِّرَ عَمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا وَخُرُوجُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ أَخْبَرَ بِاسْتِوَاءِ السَّفِينَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا الْمُفِيدِ ذَهَابَ الْخَوْفِ وَحُصُولَ الْأَمْنِ مِنَ الِاضْطِرَابِ ثُمَّ خَتَمَ بِالدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِينَ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْغَرَقَ وَإِنَّ عَمَّ الْأَرْضَ فَلَمْ يَشْمَلْ إِلَّا مَنِ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ لِظُلْمِهِ.
الإتقان في علوم القرآن جلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ ٤/ ٣٣٠
النوع الثامن والخمسون: في بدائع القرآن بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَنْ يَشْتَمِلَ الْكَلَامُ عَلَى عِدَّةِ ضُرُوبٍ مِنَ الْبَدِيعِ قَالَ ابْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ وَلَمْ أَرَ فِي الْكَلَامِ مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَك ِ} فَإِنَّ فِيهَا عِشْرِينَ ضَرْبًا مِنَ الْبَدِيعِ وَهِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً وَذَلِكَ: الْمُنَاسِبَةُ التَّامَّةُ فِي "ابْلَعِي" وَ "أَقْلِعِي" ، وَالِاسْتِعَارَةُ فِيهِمَا وَالطِّبَاقُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَالْمَجَازُ فِي قوله تعالى: {يَا سَمَاءُ} فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ يَا مَطَرَ السَّمَاءِ وَالْإِشَارَةُ فِي "وَغِيضَ الْمَاءُ" فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَغِيضُ حَتَّى يُقْلِعَ مَطَرُ السَّمَاءِ وَتَبْلَعَ الْأَرْضُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ عُيُونِ الْمَاءِ فَيَنْقُصُ الْحَاصِلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الْمَاءِ وَالْإِرْدَافُ فِي "وَاسْتَوَتْ" وَالتَّمْثِيلُ فِي: "وَقُضِيَ الْأَمْرُ " وَالتَّعْلِيلُ فَإِنَّ "غِيضَ الْمَاءُ" عِلَّةُ الِاسْتِوَاءِ وَصِحَّةُ التَّقْسِيمِ فَإِنَّهُ اسْتَوْعَبَ فِيهِ أَقْسَامَ الْمَاءِ حَالَةَ نَقْصِهِ إِذْ لَيْسَ إِلَّا احْتِبَاسُ مَاءِ السَّمَاءِ وَالْمَاءِ النَّابِعِ مِنَ الْأَرْضِ وَغِيضَ الْمَاءُ الَّذِي عَلَى ظَهْرِهَا وَالِاحْتِرَاسُ فِي الدُّعَاءِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْغَرَقَ لِعُمُومِهِ شمل مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْهَلَاكَ فَإِنَّ عَدْلَهُ تَعَالَى يَمْنَعُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ وَحُسْنُ النَّسَقِ وَائْتِلَافُ اللَّفْظِ مَعَ الْمَعْنَى وَالْإِيجَازُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَصَّ الْقِصَّةَ مُسْتَوْعَبَةً بِأَخْصَرِ عِبَارَةٍ وَالتَّسْهِيمُ لأن أَوَّلَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى آخِرِهَا وَالتَّهْذِيبُ لِأَنَّ مُفْرَدَاتِهَا مَوْصُوفَةٌ بِصِفَاتِ الْحُسْنِ كُلُّ لَفْظَةٍ سَهْلَةُ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ عَلَيْهَا رَوْنَقُ