ثانيهما: أن عود الهبة إلى ملك واهبها ببيع أو هبة أو صدقة أو غير ذلك جائز ولا كذلك الصدقة بل يكره عودها إلى ملك المتصدق بما ذكر من الأنواع المتقدمة في الهبة وحكمها الندب دل عليه الكتاب والسنة والإجماع فمن الكتاب قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ} وقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} وفي الحديث: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" والإجماع على ذلك حكاه ابن رشد وغيره "فإن مات" الواهب "قبل أن تحاز عنه فهي ميراث" يرثه الورثة وتبطل لمن جعلت له "إلا أن يكون ذلك في المرض فذلك نافذ من الثلث" لأنه خرج مخرج الوصية "إن كان لغير وارث" لأن الوصية للوارث غير جائزة أي غير نافذة أي فهي باطلة وإن أجاز الوارث كان ابتداء عطية منه "والهبة لصلة الرحم" أي الهبة للرحم لأجل صلته "أو لفقير" حكمها "كالصدقة لا رجوع" له "فيها"
ولو قال: اذكروا الله يذكركم، فحسن، والأول أصوب. انتهى فقوله: "وأجزأ" ؛ أي في تحصيل المندوب الذي الكلام فيه، فلا تكلف فيه، وفهم من كلام المصنف أنه لا يختمها بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} . وأول من قرأ في الخطبة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} : عمر بن عبد العزيز، وأول من قرأ في الخطبة: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} : المهدي العباسي،
ولأنه معونة للمسلم، فيدخل تحت قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وقوله:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا وكافِلُ اليتيمِ في الجنَّةِ كهاتينِ،
ومن النظر أيضاً نقول: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟! فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.
فقال:
«ويعدل» الجملة استئنافية، وهي خبر بمعنى الأمر، يعني يجب عليه أن يعدل بين الخصمين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا﴾ ، ولقول النبي ﷺ :«اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»، فأمر بالعدل بين الأولاد، ومثلهم غيرهم ممن يتساوون في الحقوق.