{وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} . وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين، أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا» . ولأن القصد من القصاص، التشفي، ودرك الغيظ، وتمكينه منه أبلغ في ذلك.
{ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً} آية ٣٣ من الإسراء والسنة، قوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل قتلناه) وقوله عليه الصلاة والسلام (كتاب الله
{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ومن قتل مظلموماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل أنه كان منصوراً} آية ٣٣ من سورة الإسراء أي أتينا لوليه سلطنة القتل. وقوله تعالى:
{ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لولنه سلطاناً} الآية ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوان أو ياخذوا دية مغلظة أثلاثاً ثلاثون حقه، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة،
(قال تعالى: {ومن قتل مظلوماً} بغير سبب يوجب القتل {فقد جعلنا لوليه} أي لمستحق دمه. المالكية قالوا: الولي يجب أن يكون ذكراً لأنه أفرده بالولاية بلفظ التذكيرن فالآية تدل على خروج المرأة عن مطلق لفظ الولي،
{ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} وطاهر الآية أنه لاسبب لحل القتل إلا قتل المظلوم، ولكن الأحاديث تقتضي ضم شيئين آخرين إليه، وهما: الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان، ودلت آية اخرى على حصول سبب رابع وهو قطع الطريق، قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا، أو يصلبوا} ودلت الآية على حصول خامس وهو الكفر، قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر} واختلف الفقهاء في أشياء اخرى منها ترك الصلاة واللواط، والقتل بالسحر،
وقيل الإسراف: هوان لا يكتفي بقتل القاتل. بل يمثل به ويقطع أعضاءه، ويمزق جسده، قرأ الأكثرون (فلا يسرف) بالياء، ويكون الضمير للقاتل الظالم ابتداء أي فلا ينبغي أن يسرف ذلك الظالم. وقال الطبري: هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده أي لا تقتلوا غير القاتل: {أنه كان منصوراً} فيه ثلاثة أوجه.
فإذا اعتدى عليه وقتله غير المستحق اقتص منه، لقوله تعالى في كتابه العزيز {ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل} آية [٣٣ من سورة الإسراء] فخص وليه بقتله، فدل على أن غير وليه لا سلطان له عليه، وذلك فيمن لم يتحتم فقله.
وقيل إن معناه فليقل خيرا يثب عليه ويسكت عن شر يعاقب عليه أي فيكون مطلوبا بالأمرين فعل الخير والسكوت عن الشر "وقال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " الذي لا يعنيه هو كل ما لا تعود عليه منه منفعة لدينه ولا لآخرته والذي يعنيه ما يكون في تركه فوات الثواب وإنما قال: " من حسن إسلام المرء " ولم يقل من إسلام المرء لأن ترك ما لا يعني ليس هو الإسلام ولا جزءا منه وإنما هو من أوصافه الحسنة " وحرم الله سبحانه وتعالى دماء المسلمين " بقوله: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}
(وقتلُ الغِيلة) بكسر الغين المعجمة، وهي: القتل على غِرّة، كالذي يخدع إنسانًا، فيُدخله بيتًا أو نحوه، ويأخذ ماله (وغيره) أي: غير قتل الغيلة (سواء في القِصاص والعفو) لعموم الأدلة. (وذلك) أي: القِصاص أو العفو، في قتل الغِيلة وغيره (للولي) الوارث للمقتول؛ لقيامه مقامه (دون السلطان) فليس له قِصاص ولا عفو مع وجود وارث؛ لعموم قوله تعالى:{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}؛ وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأهلُهُ بين خِيرتَينِ" فإن لم يكن فهو وليُّ المقْتُول، له القِصاصُ، والعفو على الدية لا مجانًا. [
لقوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}؛ ولأنه - صلى الله عليه وسلم - "أتَاة رجُل يقود آخر فقال: إنَّ هذا قتلَ أخي، فاعترف بقتله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب فاقتله" رواه مسلم .
(الثالث) من شروط استيفاء القصاص: (أن يؤمن في استيفاء) للقود (تعديه) أي: أن يتعدى الاستيفاء (إلى غير جان) ؛ لقول الله سبحانه وتعالى:{فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ}.
إذا تقرر هذا
(وينظر) السلطان أو نائبه (في الولي، فإن كان يقدر على استيفاء) لما وجب له من القصاص (ويحسنه: مكنه منه) ؛ لقول الله سبحانه وتعالي:{وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ}.
وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: ٣٣] وقوله -عليه السلام-: "لا يحل دم امرئٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه ، والآيات والأخبار به كثيرة.
فإن هذا فيه إشارة إلى أن من قتل مظلوماً فسوف يظهر الله قاتله ويقتل، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، فيكون المعنى إن قاتلوكم فستكون الدولة لكم عليهم، فاقتلوهم.
ولو أنثى عند أمه مطلقا . كتاب الجنايات أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، والأصل فيه الكتاب والسنة، قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ} وقال صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم» الحديث والإجماع حكاه غير واحد، ولولا عقوبة الجناة والمفسدين، لأهلك الناس بعضهم بعضا، ولفسد نظام العالم ولا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة، لمن يريد أن يفعل مثل فعله.
غيره ، لقوله تعالى: {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} وإذا أفضى القتل إلى التعدي، ففيه إسراف، فدلت الآية على أن المستوفي للقصاص، إذا تعدى عن مماثلة فعل الجاني، فقد أسرف وحرم إذا كقتل الحامل.
وقال مالِكٌ: الأمْرُ عندَنا أن يُقْتَلَ به، وليس لوَلِىِّ الدَّمِ أن يَعْفُوَ عنه، وذلك إلى السُّلْطانِ. والغِيلَةُ عندَه، أن يُخْدَعَ الإِنْسانُ، فيُدْخَلَ بَيْتًا أو نحوَه، فيُقْتَلَ أو يُؤْخَذَ مالُه. ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بقولِ عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عنه، في الذى قُتِل غِيلَةً: لو تَمالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ [لأقَدْتُهم به]. وبقِياسِه على المُحارِبِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى:{فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَأهْلُه بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ». ولأنَّه قَتِيلٌ في غيرِ المُحارَبَةِ، فكان أمْرُه إلى وَلِيِّه، كسائرِ القَتْلَى.
والجناية على البدن حرام بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق}، وقوله:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً}، وقوله تعالى:{ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنم ... الآية}، وقوله تعالى:{والجروحَ قصاص}.
وفي كون القتل بذلك عمداً إشعار بوجوب القصاص. وهو صحيح؛ لأن من قتل بذلك مقتول ظلماً فيجب القصاص به على قاتله؛ لقوله تعالى:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً}.
أما الآيات؛ فقوله تعالى:{ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سُلطاناً}، وقوله تعالى:{كُتب عليكم القصاص في القتلى}، وقوله تعالى:{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}.
وأما إذا كان بغيره فكذلك عندنا وعند الجمهور، ولإطلاق {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨] {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: ٣٣] «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل، وإما أن يفدي» ونحو ذلك.
٢٩١٠ - وعن قيس بن عباد قال: «انطلقت أنا والأشتر إلى علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - – شيئا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا إلا ما في هذا، وأخرج كتابا من قراب سيفه، فإذا فيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين» رواه أحمد وأبو داود والنسائي، قال بعض الحفاظ: رجاله رجال الصحيحين. ٢٩١١ - ولأبي داود وأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نحوه، وهذا نحوه يخص {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: ٤٥] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: ١٧٨] {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: ٣٣] .
٢٩١٢ - وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «العمد قود، من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين، إن أحبوا قتله، وإن أحبوا الدية» على أن {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: ١٧٨] إنما ورد - والله أعلم - في المسلمين، بدليل {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: ١٧٨] فخاطب المسلمين، ثم قال سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: ١٧٨] والكافر ليس بأخ للمسلم {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة: ٤٥] شرع من قبلنا ولا نسلم أنه شرع لنا، ولو سلم فقد ورد شرعنا بخلافه، ثم قد قيل: إن فيها ما يدل على إرادة المسلمين، وهو قوله سبحانه: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: ٤٥] ولا كفارة للكافر ولا صدقة.
٢٩١٣ - وما روى ابن البيلماني «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقاد مسلما بذمي، وقال: «أنا أحق من وفى بذمته» رواه الدارقطني. مردود (أولا) بضعفه، فإن أحمد قال في رواية الميموني: ليس له إسناد. وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه: الحق فيمن ذهب إلى حديث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقتل مؤمن بكافر» وإن احتج بحديث البيلماني محتج فهو عندي مخطئ، وإن حكم به حاكم ثم رفع إلى آخر رده، وهذا مبالغة في ضعف الحديث، وأن مثله لا يسوغ معه الاجتهاد، وقال الدارقطني: ابن البيلماني ضعيف، لا تقوم به حجة (وثانيا) بأنه حكاية فعل لا عموم له، فيحمل إن صح على أنه قتله وهو كافر ثم أسلم.
واعترض على دليلنا بأن قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» لا بد فيه من تقدير، وإلا يلزم أن ذا العهد لا يقتل في عهده مطلقا، إذ يقتل بالذمي والمعاهد، والتقدير: ولا ذو عهد في عهده بحربي والقيد في المعطوف قيد في المعطوف عليه، وأجيب (أولا) بالمنع، وأن العطف إنما يقتضي التشريك في أصل الحكم، لا في توابعه، والعطف في أنه لا يقتل، من غير نظر إلى تعيين من يقتل به، كما تقول: مررت بزيد قائما وعمرو، أي ومررت بعمرو، ولا يلزم أن يكون قائما (وثانيا) أنه ليس المراد والله أعلم أنه لا يقتل إذا قتل، بل (في) (إما ظرفية) كما هو الأصل فيها، أي ولا ذو عهد ما دام باقيا في عهده، نبه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن العهد لا يقتضي العصمة مطلقا، كما في الذمة، بل في زمن العهد خاصة، (أو سببية) .
٢٩١٤ - كما في الصحيح «أن امرأة دخلت النار في هرة» . أي ولا ذو عهد بسبب عهده، نبه – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك على أن العهد سبب لعصمة الدم، وناسب ذكر ذلك هنا، لئلا يتوهم من عدم قتل المسلم بالكافر التساهل في قتل الكافر، فبين – - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه وإن لم يقتل المسلم بالكافر، لكن لا يقتل المعاهد، ما دام له عهد. انتهى.
وقول الخرقي: ولا يقتل مسلم بكافر. يستثنى منه صورتان (إحداهما) إذا قتله أو جرحه وهو كافر ثم أسلم، فإنه يقتل به على المنصوص، نظرا لابتداء الحال، وفيه احتمال، اعتمادا على إطلاق الحديث (والصورة الثانية) إذا قتله في المحاربة، على إحدى الروايتين، ومفهوم كلامه أن المسلم يقتل بالمسلم، والكافر بالكافر، وهو كذلك في الجملة، إذ لا بد من عصمة المقتول.
(تنبيه) : «فلق الحبة» هو شقها للإنبات، «وبرأ النسمة» البرء الخلق، والنسمة كل ذي روح، «والتكافؤ» التماثل والتساوي، أي أنهم متساوون في القصاص والدية، لا فضل لشريف على وضيع، ولا كبير على صغير، ونحو ذلك، «وهم يد على من سواهم» أي أنهم مجتمعون يدا واحدة على غيرهم، من أرباب الملك فلا يسع أحدا منهم أن يتقاعد عن نصرة أخيه المسلم، «ويسعى بذمتهم أدناهم» أي أدنى المسلمين إذا أعطى أمانا، فعلى الباقين موافقته، وأن لا ينقضوا عهده «وأحدث حدثا» الحدث الأمر الحادث، والمراد هنا الجناية والجرم، «وآوى محدثا» آواه ضمه إليه وحماه، والمحدث الذي يجني الجناية.