وفي رواية ملبدا، ومن هذا المعنى أن هذه الأمة يبعثون غرا محجلين من أثر الوضوء يعرفهم من رآهم أنهم من أمة النبي صلى الله عليه وسلم. وأعلم أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريح، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك وأحسن صورتك، فيقول: كذلك كنت في الدنيا أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا اركبني اليوم، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا،} وأن الكافر يستقبله في أقبح صورة وأنتن ريح، فيقول: هل تعرفني؟
وأما اللذان في الآخرة، فأولهما حشرهم إلى الموقف كما قال تعالى: {وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، والثاني منهما: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا} ، والوفد ركبان النجب، وقيل على الأعمال -كما مر- ومعنى وردا عطاش، ويساقون كما تساق الإبل وغيرها من الأنعام تسوقهم الملائكة بسياط النار إلى النار نجانا الله من عذابه. السادس: روى القرطبي عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (تحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميزهم الله من جماعات المسلمين وبدل صورهم، فمنهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسين أرجلهم فوق رؤوسهم ويسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي يترددون، وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ألسنتهم مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبين على جذوع من النار، وبعضهم أشد نتنا من الجيفة، وبعضهم يلبس جلابيب سابغة من قطران، فأمَّا الذين على صورة القرد فالقتات من الناس؛ يعني النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت والحرام والمكس، وأما المنكسون رؤوسهم ووجوههم فأكلة الرِّبا، وأما العمي فمن يجور في الحكم، والصم البكم هم الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم فالذين يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع من النار فالسعاة بالنَّاس إلى السلطان، والذين أشد نتنا من الجيفة الذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق الله من أموالهم، والذين يلبسون الجلابيب فأهل الكبر والفخر والخيلاء (٣) )، وسيأتي ذكر شيء من هذا المعنى آخر الفصل إن شاء الله تعالى. يا أخي تفكر فيما تصير إليه واستعد له، فالموت أمر كُبارٌ؛ قد أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام وسار، وباب تسوق إليه يد الأقدار. قاله الثعالبي.
وقال علي رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} ، قال: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسلون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم، فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث أشعارهم أبدا ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطنهم من الأذى؛ ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروى القرطبي عن علي رضي الله عنه: أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} ، ما هؤلاء الوفد؟