دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٣١
باب الفصل والوصل
مثال ذلك قولهُ تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: ١٤] ، وذلك أنه ليس بأجنبي مِنْه، بل هو نظيرُ ما جاءَ معطوفاً من قولهِ تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: ١٤٢] وقوله: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه} [آل عمران: ٥٤] ، وما أشبهَ ذلك مما يُرَدُّ فيه العَجُزُ على الصَّدر، ثم إنك تجدهُ قد جاءَ غير معطوف، وذلك لأمر أوجب أن
لا يُعطَفَ، وهو أنَّ قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، حكاية عنهم أنهم قالوا، وليس يخبر من الله تعالى وقولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، خبرٌ منَ الله تعالى أنه يجازيهم على كُفْرِهم واستهزائِهم. وإذا كان كذلك، كانَ العطفُ مُمتنعاً، لاستحالةِ أن يكونَ الذي هو خَبَرٌ منَ الله تعالى، معطوفاً على ما هو حكاية عنهم، ولإيجاب ذلك أنْ يخرجَ من كونِه خبراً مِنَ الله تعالى، إلى كونِه حكاية عنهم، وإلى أنْ يكونوا قد شَهِدوا على أنفسهِم بأنَّهم مؤاخدون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه١.
دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٣٣
باب الفصل والوصل
فإِن قلت: هَلْ كان يجوزُ أن يُعْطَف قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على "قالوا" من قولِه: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} لا على ما بعد، وكذلك كان يعفل في {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} ، و {إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} ، وكان يكونُ نظيرَ قولِه تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} [الأنعام: ٨] وذلك أن قوله: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا} معطوف، من غير شك، على "قالوا" دون ما بعده؟
قيل: إن حكم العطف على "قالوا" فيما نحنُ فيه١، مخالفٌ لحكمه في الآية التي كذرت. وذلك أن "قالوا" ههنا جوابُ شرطٍ، فلو عُطِف قولُه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} عليه، لَلزِمَ إدخالُه في حُكْمِه مِنْ كونه جوابًا، وذلك لا يصح.
وذاك أنه متى عُطِف على جوابِ الشرطِ شيءٌ "بالواو" كان ذلك على ضربينِ: أحدُهما: أن يكونا شيئين يتصوَّرُ وجودُ كلِّ واحدٍ منهما دُونَ الآخر، ومثالُه قولكَ "إن تأتِني أكرمك أعطك وأكسك" ٢ والثاني: أن يكون
المعطوفُ شيئاً لا يكونُ حتى يكونَ المعطوفُ عليه، ويكونَ الشرطُ لذلك سبباً فيه بوساطةِ كونه سبباً للأول١، ومثالُه قولُك: "إذا رجَع الأَميرُ إلى الدار استأذنتهُ وخرجتُ" ، فالخروجُ لا يكونُ حتى يكون الاستئذانُ، وقد صارَ "الرجوعُ" سَبباً في الخروج، من أجلِ كونِه سبباً في الاستئذان، فيكونُ المعنى في مثلِ هذا على كلامين، نحوُ: "إذا رجَع الأميرُ استأذنتُ، وإذا استأذنت خرجتُ" .
دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٣٤
باب الفصل والوصل
وإذا قد عرفْتُ ذلك، فإِنه لو عُطِفَ قولُه تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على "قالوا" كما زعمتَ، كان الذي يتصوَّرُ فيه أن يكونَ من هذا الضربِ الثاني، وأن يكونَ المعنى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، فإِذا قالوا ذلك استهزأَ اللهُ بهم ومدَّهم في طُغْيانِهم يَعْمَهون.
وهذا وإن كان يُرَى أنه يَسْتَقيمُ، فليس هو بمستقيمٍ. وذلك أنَّ الجزاءَ إنَّما هو على نَفْس الاستهزاءِ وفِعْلِهم له وإرادتهم إياه في قولهم: "آمنا" ، لا على أنهم حدثوا على أنفسهم بأنه مستهزؤون والعَطْفُ على "قالوا" يَقْتضي أَنْ يكونَ الجزاءُ على حديثهم عَنْ أنفسِهم بالاستهزاء، لا عليه نفسِه.
ويبيِّنُ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الجزاءَ يَنْبغي أن يكونَ على قَصْدِهم الاستهزاءَ وفِعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأن مستهزؤون٢ أنَّهم لو كانوا قالوا لكُبرائهم: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وهُم يريدونَ بذلكَ دَفْعَهم عَن أنفسِهم بهذا الكلام٣، وأنت يَسْلَموا من شَرِّهم، وأنْ يوهموهُم أَنَّهم مِنْهم وإن
لم يكونوا كذلك١ لكان لا يكونُ عليهم مؤاخذةٌ فيما قالوه، من حَيْثُ كانت المؤاخذةُ تكونُ على اعتقادِ الاستهزاءِ والخديعةِ في إظهار الإيمان، لا في قول: "إنا استهزأنا" من غير أن يقتر بذلك القول اعتقاد ونية.
ما يوجب الاستئناف وترك العطف وأمثلته:
دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٣٥
باب الفصل والوصل
هذا، وههنا أمرٌ سِوَى ما مضَىَ يوجِبُ الاستئنافَ وتركَ العطفِ، وهو أنَّ الحكايةَ عنهم بأنهم قالوا كيتَ وكيتَ، تحرِّكُ السامعين لأن يعلموا مصيرَ أمرهم وما يصنع بهم، وأننزل بِهِمُ النِّقْمةُ عاجلاً أم لا تنزلُ ويُمْهلَونَ٢ وتوقع في أنفسهم التمني لأنْ يتبيَّنَ لهم ذلك. وإِذا كان كذلك، كانَ هذا الكلامُ الذي هو قولُه: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، فيم عنى ما صدر جوابًا عن هذا المقدر مبتدأ غيرَ معطوف، ليكونَ في صورتِهِ إذا قيل: "فإِنْ سألتم قِيلَ لكم" : {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون} .
الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٤/ ٣٢٢