القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ ١٦

سورة البقرة، الآية ١٦مدنية
في سورتها

الشواهد

من كتب البلاغة والإعجاز

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٩٣

باب اللفظ والنظم: فصل في المجاز الحكمي

٣٤٨ - والمثالُ فيه قولُهم "نهارُك صائم وليلك قائم" و "نام ليلي وتجلَّى همي" ، ٢ وقولُه تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: ١٦] ، وقول الفرزدق: سَقَتْهَا خُروقٌ في المَسامِع، لَمْ تَكُنْ ... عِلاطاً، ولا مخبوطة في الملاغم٣ أنت ترى مجازاً في هذا كلِّه، ولكنْ لا في ذَواتِ الكَلِم وأنْفُس الألفاظِ، ولكنْ في أحكامٍ أُجْرِيَتْ عليها. أفلاَ تَرى أنك لم تتجوَّز في قولك: "نهارُكَ صائمٌ وليلُك قائم" في نفس "صائم، و " قائم "، ولكنْ في أنْ أجْرَيْتَهما خَبَرَيْنِ على النَّهارِ والليلِ. وكذلك ليس المجازُ في الآية في لفظة " ربحتْ " نفسِها، ولكن في إِسنادها إِلى التجارة. وهكذا الحكمُ في قولهِ: " سقتها خروق " ليس التجوّزُ في نفس " سقتها "، ولكنْ في أن أسْنَدَها إِلى الخُروق. أفلا ترى أنك لا تَرى شيئاً منها إلاَّ وقد أريدَ به معناه الذي وُضِع له على وجهِه وحقيقتِه، فلم يُرِدْ بصائمٍ غيرَ الصَّوْمِ، ولا بقائمٍ غيرَ القيام، ولا بربحت غير الريح، ولا بسقت غير السقى، كما أريد " بسالت " في قوله: وسالتْ بأعناقِ المطيِّ الأباطِحُ١ غيرَ السَّيْلِ.

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٩٥

باب اللفظ والنظم: فصل في المجاز الحكمي

همِّي "، كما لم يكنِ الحالُ في قولكُ: " رأيتُ أسداً "، كالحالِ في " رأيتُ رجلاً كالأسدِ ". ومَنْ الذي يَخْفى عليه مكانُ العُلُوِّ وموضِعُ المزية وصورةُ الفُرقان بينَ قولِه تعالى {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، وبينَ أنْ يُقال: " فما رَبحوا في تجارتِهم؟ ".

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٢٩٦

باب اللفظ والنظم: فصل في المجاز الحكمي

٣٥٣ - واعلمْ أنه ليس بواجبٍ في هذا أن يكونَ للفعل فاعلٌ في التقدير إذا أنتَ نَقَلْتَ الفعلَ إليه عدْتَ به إلى الحقيقة، مثلَ أنَّكَ تقول في: {رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: ١٦] ٣ "ربحوا في تجارتهم" ، وفي "يحمي نسائنا ضَرْبٌ" ٤، "نَحمي نساءنا بضرب" فإِنَّ ذلك لا يتأتَّى في كلِّ شيءٍ. ألا تَرَى أنه لا يُمكِنُكَ أن تُثْبِتَ للفعل في قولك: "أقدَمني بلدَك حقٌّ لي على إنسان" ٥، فاعلاً سوى الحقِّ، وكذلك لا تستطيعُ في قولهِ: وصيَّرني هَواكِ وَبي ... لِحَيني يُضْرَبُ المَثَلُ٦ يزيدُكَ وجْهُهُ حُسْناً ... إِذا ما زِدْتَه نَظَرا٧ أنْ تزعُمَ أنَّ "لصيَّرني" فاعلاً قد نُقِلَ عنه الفعلُ، فجُعِلَ "للهوى" كما فُعِلَ ذلك في "ربحت تجارتهم" و "يحمي نساءنا ضرْبُ" ، ولا تستطيعُ كذلك أن تُقدِّر "ليزيد" في قوله: "يزيدُك وجهُه" فاعلاً غيرَ "الوجهِ" ، فالاعتبار إذنْ بأنْ يكونَ المعنى الذي يرجِعُ إليه الفعلُ موجوداً في الكلام على حقيقته. تنبيه على فساد من جعل هذا المجاز من باب ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه:

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٣٩٦

تحرير القول في الإعجاز والفصاحة والبلاغة

العلمِ بما يُوجِبُ الفاعليةَ للشيءِ إذا كان إيجابُها من طريقِ المجازِ، كقولهِ تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: ١٦] ، وكقولِ الفرزْدق: سقْتها خروقٌ في المسامِعِ١ وأشباهِ ذلِكَ، مما يَجعلُ الشيءَ فيه فاعلاً على تأويلٍ يَدقُّ، ومن طريقٍ تَلْطُفُ، وليس يكونُ هذا علماً بالإِعراب، ولكن بالوصْفِ الموجبِ للإِعراب. ومن ثَمَّ لا يجوزُ لنا أنْ نَعْتدَّ في شأنِنا هذا بأنْ يكونَ المتكلِّمُ قد اسْتَعملَ من اللغتين في الشيءِ ما يقالُ: "إنه أفصحهما" ، أو بأن يكونَ قد تَحفَّظ مما تخطئ فيه العامَّة، ولا بأن يكونَ قد استعْمَلَ الغريبَ؛ لأنَّ العلمَ بجميع ذلك لا يعدو أن يكونَ عِلْماً باللغةِ، وبأَنْفُس الكَلِمِ المفردة، وبما طريقُهُ طريقُ الحِفْظِ، دونَ ما يُستَعانُ عليه بالنظَرِ، ويُوصَلُ إليه بإعمالِ الفِكْر، ولئن كانتِ العامَّةُ وأشباهُ العامَّةِ لا يكادونَ يعرِفونَ الفصاحةَ غيرَ ذلك؛ فإنَّ مِن ضَعْف النَّحيزَة إِخطارَ مثْلِه في الفكْرِ٢، وإجراءَه في الذكْرِ، وأنتَ تزعمُ أَنكَ ناظرٌ في دلائلِ الإعجازِ. أترَى أنَّ العَرب تُحُدُّوا أن يَختاروا الفَتْحَ في الميمِ من "الشَّمَع" ، والهاءِ منَ "النهْر" على الإسْكان وأنْ يتحفَّظوا مِن تخليطِ العامَّة في مثْلِ: "هذا يَسْوَى أَلفا" ٣ أو إلى أنْ يأْتوا بالغريبِ الوحشيِّ في كلام يعارِضون به القرآنَ؟ ٤ كيفَ؟ وأنتَ تقرَأُ السورةَ من السور الطوال فلا

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٤٢٧

فصل آخر في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني

كحالهِ في قولك: أنا مضيافٌ وأَنَّك إِذا قلتَ: "رأيتُ أسداً" ، لم يكنِ الأمرُ أقوى من أَنْ تقولَ: "رأيتُ رجلاً هو مِنَ الشجاعةِ بحيثُ لا ينقصُ عن الأَسد" ، ولم تكنْ قد زدتَ في المعنى بأنِ ادَّعيتَ له أنَّه أسَدٌ بالحقيقة ولا بالغْت فيه٢ وحتَّى يَزْعمُوا أنه لا فضلَ ولا مزيةَ لقولهم: "أَلقيتُ حَبْلَه على غارِبِه" ، على قولك في تفسيره: "خلَّيتُهُ وما يريدُ، وتركْتُه يفَعلُ ما يشاءُ" وحتَّى لا يَجعلوا لِلمعنى في قوله تعالى: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: ٩٣] ، مزيةً على أن يقال: "اشتدَّتْ محبتُهم للعجْلِ وغلَبَتْ على قلوبهم" ، وأن تكونَ صورةُ المعنى في قولِه عزَّ وجل: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: ٤] ، صورتَه في قولِ من يقولُ: "وشابَ رأسي كله" و "أبيض رأْسي كلُّه" وحتى لا يَرَوْا فرْقاً بين قولِه تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} [البقرة: ١٦] ، وبينَ: "فما رَبِحوا في تجارَتِهم" وحتى يَرْتكبوا جميعَ ما أرَيْناك الشَّناعةَ فيه، من أنْ لا يكون فرق بين قول المتنبي: وتَأْبى الطباعُ على الناقلِ١ وبينَ قولهم: "إِنك لا تَقدِرُ أن تغيِّر طبَاعَ الإِنسان" ويَجْعلوا حالَ المعنى في قولِ أبي نواس: ولَيْسَ للهِ بمستنكَرٍ ... أنْ يَجْمَع العالَمَ في واحدِ٢

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٤٢٩

فصل آخر في أن الفصاحة والبلاغة للمعاني

أجزاءُ أحَدِهما مخالِفةٌ في معانيها لأجزاءِ الآخَر، ثم يَرى أنَّه يَسَعُ في العقْلِ أن يكونَ معنى أحَدِ الكلامَيْن مثْلَ معنى الآخر، سواء حتى يقعد فيقولُ١: "إِنه لو كانَ يكونُ الكلامُ فَصيحاً مِن أجْل مزيَّةٍ تكونُ في معناه، لكانَ يَنبغي أَن تُوجَد تلكَ المزيةُ في تفسيرهِ" . ومثْلُه في العَجَب أنه يَنظُرُ إِلى قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: ١٦] ، فيرَى إعرابَ الاسْم الذي هو "التجارةُ" ، قد تغيَّر فصارَ مرفوعاً بعد أن كان مجروراً، ويرى أنهن قد حُذِفَ من اللفظ بعضُ ما كان فيهِ، وهو "الواوُ" في "ربحوا" ، و "في" من قولنا: "في تجارتهم" ، ثم لا يَعْلَم أنَّ ذلك يَقْتضي أنْ يكونَ المعنى قد تَغيَّر كما تغيَّر اللفظُ. الكلام الفصيح قسمان: مزية اللفظ ومزية النظم

دلائل الإعجاز في علم المعانيعبد القاهر الجرجاني، ت ٤٧١هـص ٥٢١

عود إلى الاحتجاج على بطلان مذهب اللفظ

وتَراهُم يَذْكرون من "الاستعارةِ" قولَه عز وجل: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} [مريم: ٤] ، وقولَه: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: ٩٣] ، وقولَه عزَّ وجَلَّ: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} [يس: ٣٧] ، وقوله عزَّ وجلَّ: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَر} [الحجر: ٩٤] ، وقولَه: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: ٨٠] ، وقولَه تعالى: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: ٤] ، وقولَه: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُم} [البقرة: ١٦] . ومن "الإيجازِ" قولَه تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: ٥٨] ، وقولَه تعالى: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير} [فاطر: ١٤] ، وقوله {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} [الأنفال: ٥٧] ، وتراهم على لسانٍ واحدٍ في أنَّ "المجازَ" و "الإيجاز" من الأركانِ في أمْر الإِعجاز.

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٣/ ١٢١

النوع الثاني والخمسون: في حقيقته ومجازه

ثَانِيهَا: مَجَازِيَّانِ نَحْوُ: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أَيْ مَا رَبِحُوا فِيهَا وَإِطْلَاقُ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ هُنَا مَجَازٌ ثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا: مَا أَحَدُ طَرَفَيْهِ حَقِيقِيٌّ دُونَ الْآخَرِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي: فَكَقَوْلِهِ: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً} أَيْ بُرْهَانًا {كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُو} فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِنَ النَّارِ مَجَازٌ وَقَوْلُهُ: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} وَاسْمُ الْأُمِّ الْهَاوِيَةُ مَجَازٌ أَيْ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ كَافِلَةٌ لِوَلَدِهَا وَمَلْجَأٌ لَهُ كَذَلِكَ النَّارُ لِلْكَافِرِينَ كَافِلَةٌ وَمَأْوًى وَمَرْجِعٌ

الإتقان في علوم القرآنجلال الدين السيوطي، ت ٩١١هـ٣/ ١٥٣

النوع الثالث والخمسون: في تشبيهه واستعاراته

فَالْأُولَى: وَهِيَ أَبْلَغُهَا أَنْ تَقْتَرِنَ بِمَا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ نَحْوُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار ثُمَّ قُرِنَ بِمَا يُلَائِمُهُ مِنَ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ.