ولا يجوز الأكل من الهدي المنذور في الذمة؛ لأنه نذر إيصاله إلى مستحقيه، فلم يجز أن يأكل منه، كما لو نذر لهم طعاماً، وما ساقه تطوعاً استحب الأكل منه، سواء عينه أو لم يعينه. لقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} .
والسنة نحر الإبل قائمة، معقولة يدها اليسرى؛ لقول الله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} ومر ابن عمر «على رجل قد أناخ بدنته لينحرها، فقال: ابعثها قياماً مقيدة. سنة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه.
" والبدن (١) جعلناها لكم من شعائر (٢) الله، لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صواف، فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع (٣) والمعتر (٤) كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون.
ولو عطس عند الذبح فقال الحمد لله لا يحل في أصح الروايتين. لأنه يريد به الحمد على نعمه دون التسمية. وما تداولته الألسن عند الذبح وهو قوله باسم الله والله أكبر منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ .
قال: "ويستحب أن لا ينقص الصدقة عن الثلث" لأن الجهات ثلاثة: الأكل والادخار لما روينا، والإطعام لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فانقسم عليهم أثلاثا.
(ويستحب) له (أن لا ينقص الصدقة من الثلث) لأن الجهات ثلاثة: الأكل، والادخار، لما روينا، والإطعام؛ لقوله تعالى:{وأطعموا القانع والمعتر} فانقسم عليها أثلاثاً، هداية.
على الصيد ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه ولا يأكل من فدية الأذى "على الصيد" فإنه يؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم يؤكل لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} وقوله تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ} ولو قدم هذه المسألة على التي قبلها لكان أولى لأن النص إنما جاء في إرسال الجوارح على الصيد ولم يأت في الذبيحة نص وفي قوله: "ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك" أي دهن "ولا عصب" أي عروق "ولا غير ذلك" مثل القرن والشعر والصوف تكرار مع قوله ولا يباع شيء من الأضحية قال ابن عمر يحتمل تكراره ليرتب عليه قوله: "ويأكل الرجل" يريد أو غيره "من أضحيته ويتصدق منها أفضل له" يحتمل عود الفضل على التصدق خاصة ويحتمل عوده على الجمع بين الأكل والتصدق وهو الظاهر لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} وقوله تعالى: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} القانع الفقير أي سواء كان يسأل أم لا
وما لم يتقدم ذكره كنذر غير معين فله الأكل منها مطلقا، بلغت محلها أم لا ويتزود كما في التتائي الصغير، ونحوه لأحمد ولا بد أيضا أن لا يجعل غير المعين للمساكين؛ لأنه إذا جعل لهم فهو قوله الآتي: "إلا نذرا لم يعين" ، فالنذر المضمون إذا لم يسمه للمساكين ولا نواه لهم يأكل منه قبل المحل إذا عطب لوجوب بدله عليه، وبعد المحل إذا سلم لأن آكله غير معين فهو على سنة الهدايا، وقد قال تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} ، والقانع هو السائل كذا فسره ابن عباس، ويقع في اللغة مرادا به من يقنع باليسير، وليس مرادا هنا لعطفه المعتر عليه وهو من يتعرض للسؤال ولا يسأل، فالأول من القنوع بمعنى السؤال،
والثاني من القناعة، قال الشاعر: لمال المرء يصلحه فيغني … مفاقره أعف من القنوع فله إطعام الغني والقريب؛ يعني أنه بسبب هذه الإباحة المطلقة أي التي ليست مقيدة بما إذا عطب قبل المحل، ولا بما إذا سلم حتى بلغ المحل، يجوز له أن يطعم الغني والقريب وإن لزمته نفقته، وله أكل الكل والتصدق بالكل وبالبعض بلا حد على ظاهر المذهب، إلا أنه لا يدع الأكل والصدقة لقوله تعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} .
وإذا خاف أن لا يقدر على نحر الإبل قائمة فلينحرها باركة، والأصل في الصفتين القرآن، قال تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} . ابن حبيب: هو أن تصف يداها بالقيود وقت نحرها، وقرئ صوافن وهي المعقولة في يد واحدة. قاله الخرشي. والحديث: قال الشارح: وإنما استحب ذلك لما روي أنه عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها،
قال: (وأن يكون البعير قائمًا معقول ركبة) ؛ لقوله تعالى:{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} قال ابن عباس: (قيامًا على ثلاث قوائم معقولة) رواه الحاكم [٤/ ٢٣٣].
قال: (ويأكل ثلثًا) هذا هو الجديد؛ لقوله تعالى:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرّ}، جعلها ثلاثة أقسام، واختلفوا على هذا في الثلثين: فقيل: يتصدق بهما،
وقال: حديث حسن. وهو قول ابن مسعود وابن عمر ، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة. ولقوله تعالى:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعًا إذا سأل. والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل. فذكر ثلاثة أصناف، ومطلق الإضافة يقتضي التسوية، فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا.
(فإن أكل أكثر) الأُضحية (أو أهدى أكثر) ها (أو أكلها كلها) إلا أوقية تصدق بها جاز (أو أهداها كلها إلا أوقية تصدق بها، جاز؛ لأنه يجب الصدقة ببعضها نِيْئًا على فقير مسلم) لعموم: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}.
وهو قول ابن مسعود وابن عمر ولم يعرف لهما مخالف من الصحابة. ولأن الله سبحانه وتعالى قال:{فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ}] الحج: ٣٦ [والقانع: السائل، يقال : قنع قنوعا، إذا ساًل.
«وتجزئ عنها بقرة» أي: تجزئ عن البدنة بقرة، وهذا هو الثالث مما يراد بالدم، والبدنة هي البعير، قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾، وهذا لا يكون إلا في الإبل، والبقرة تجزئ عن البدنة، فسبع البدنة والبقرة سواء، مع أنك لو نظرت إلى كبر الجسم، وكثرة اللحم لرأيت أن البدنة أكبر وأكثر نفعاً، لكن هذه مسائل تعبدية لا يرجع فيها إلى القيمة التي بين الناس؛ لقول الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
«والسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى»، هذه هي السنة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ، «وجبت» يعني سقطت على الأرض، وتكون اليسرى هي المعقولة؛ لأن الذابح سوف يأتيها من الجهة اليمنى، وسيمسك الحربة بيده اليمنى،
وقال بعض أهل العلم: بل الأكل منها واجب يأثم بتركه؛ لأن الله أمر به، وقدمه على الصدقة؛ ولأن النبي ﷺ في حجة الوداع «أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها»، قالوا: وتكلف هذا الأمر أن يأخذ من مائة بعير مائة قطعة تطبخ في قدر، ويأكل منها يدل على أن الأمر في الآية الكريمة للوجوب؛ ولأن هذا من باب التمتع بنعم الله عز وجل فيدخل في قوله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل.
وعلى كل حال لا ينبغي للإنسان أن يدع الأكل من أضحيته.
واستحب بعض العلماء: أن يأكل من كبدها.
وعلل ذلك بأن الكبد أسرع نضوجاً؛ لأنها لا تحتاج إلى طبخ كثير، فإذا اختار أن يأكل منها وطبخها صار من الذين يبادرون بالأكل من أضاحيهم، والمبادرة بالمأمور به أفضل من التأخر.
وقوله:«يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً»، هذا ما اختاره أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله وهذا ما ورد عن السلف رحمهم الله وقيل: بل يأكل ويتصدق أنصافاً لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، ولم يذكر الله تعالى الهدية، والهدية من باب جلب المودة يحصل بهذا أو بغيره، وهذا القول أقرب إلى ظاهر القرآن والسنة، ولكن مع ذلك إذا اعتاد الناس أن يتهادوا في الأضاحي، فإن هذا من الأمور المستحبة؛ لدخولها في عموم الأمر بما يجلب المودة والمحبة بين الناس، ولا شك أنك إذا أهديت من لحم الأضاحي في أيام الأضحية إلى غني أنها تقع في نفسه موقعاً أعظم مما لو أهديت له ما يقابلها من الطعام كالتمر والبر وما أشبه ذلك، وإذا كان في هذا مصلحة فهي مطلوبة، ولكن تحديدها بالثلث يحتاج إلى دليل من السنة.
والرسول ﷺ تصدق بكل لحم الإبل في الهدي، إلا القطع التي اختارها ﷺ أن تجمع في قدر وتطبخ .
وقوله:«ويسن أن يأكل ويهدي ويتصدق»، ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم في كل أضحية حتى الواجب بالنذر فإنه يأكل منها، ويهدي ويتصدق، وهو صحيح، بخلاف الواجب في الهدي فإنه لا يأكل منه إذا كان جبراناً، ويأكل منه إذا كان شكراناً، فدم هدي التمتع والقران يأكل منه، والدم الواجب لترك الواجب أو فعل المحظور لا يأكل منه، والفرق أن الثاني كفارة والأول شكر، فلذلك أكل النبي ﷺ من هديه، وهو واجب بالقران.
إذاً الأضحية يأكل منها، سواء كانت واجبة بالنذر أو غير واجبة، وأما الهدي ففيه تفصيل كما يلي:
أولاً: ما وجب لفعل محظور أو ترك واجب فإنه لا يأكل منه؛ لأنه يقع موقع الكفارة. ثانياً: ما وجب لشكر النعمة كهدي التمتع والقران، فإنه يأكل منه، كما جاءت بذلك السنة، أما التطوع فلا إشكال أنه يأكل منه ويتصدق ويهدي.
وظاهر كلام المؤلف ـ أيضاً ـ أنه لو كانت الأضحية ليتيم فإنه يأكل منها ويهدي ويتصدق.
وقال بعض العلماء: إذا كانت ليتيم فإنه لا يأكل منها، ولا يهدي، ولا يتصدق إلا مقدار الواجب فقط، وهو أقل ما يقع عليه اسم اللحم؛ لأن مال اليتيم لا يجوز التبرع به.
ولكن الصحيح أنه متى قلنا بجواز الأضحية في مال اليتيم فإنه يعمل فيها ما جاءت به الشريعة، فيؤكل منها، ويهدى، ويتصدق.
مسألة: هل يشرع أن يُضحى من مال اليتيم؟ في هذا تفصيل:
إن جرت العادة بأنه يضحي من أموال اليتامى، وأنه لو لم يضح من أموالهم لانكسرت قلوبهم، فهنا ينبغي أن يضحى من ماله، كما أننا نشتري له ثوباً جديداً للعيد مع أن عنده ثوباً يكفيه، لكن نشتري له الثوب الجديد من أجل أن يوازي غيره من الناس.
فهي إذاً ـ أعني الأضحية ـ من باب النفقة بالمعروف، فإذا كان من المعروف عند الناس أنه يضحى للأيتام فإنه يضحي ولو من ماله، وهذا يقع.
مثال ذلك: أن يكون في هذا البيت أيتام ليس عندهم إلا أمهم، وأمهم فقيرة، ولكن الأيتام لهم أموال ورثوها من إخوانهم أو أعمامهم، أو من أي أنسان، المهم عنده مال، فهل نضحي من أموالهم وندفع لهم الأضحية ليضحوا بها ويفرحوا مع الناس؟ أو نقول هذه أموال يتامى لا يجوز أن يتبرع منها بشيء؟
الجواب: الأول؛ لأن المال يخدم الإنسان، فإذا كان هؤلاء اليتامى لو لم تدخل عليهم شاة الأضحية، ولم يأكلوا اللحم مع الناس، لانكسرت قلوبهم فإنه يضحى عنهم من مالهم.
. قال في شرح المنتهى: وهذا هو المذهب أي إجزاء ما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف، لأنه لا يقصد أكلها غالبًا وتقدم أنها أولى بالجواز من قطع الذنب. لقوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} أي قياما على ثلاث قوائم، قد صفت رجليها وإحدى يديها، ولفعله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عمر -وقد رأى رجلاً أناخ بدنة ينحرها- ابعثها قيامًا مقيدة، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه،
وأما ضمان أقل ما يجزئ في الصدقة منها إذا أكلها كلها فلأن الله تعالى قال:{وأطعموا القانع والمعتر} أمر والأمر للوجوب فإذا وجب التصدق بشيء منها وجب أن يضمنه إذا أكله كسائر الواجبات المتلفة.
ويجب أن يتصدق منها ولو بأوقية، نظرا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: ٢٨] . وقَوْله تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: ٣٦] أمر، وظاهر الأمر الوجوب، خرج منه الأكل.