واستحب له إجابته إليها لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} . ويجعل المال عليه منجما فمتى أداها عتق ويعطى مما كتب عليه الربع لقول الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} قال علي رضي الله عنه هو الربع.
ويجب على السيدة إيتاء المكاتب من المال قدر ربع الكتابة، لقول الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} وروى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في هذه الآية: «يحط به الربع» أخرجه أبو بكر.
فإن اختار الدفع، جاز به العقد، للآية. ووقت الوجوب بعد العتق، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} فإذا آتى ما عليه، عتق. وقال علي: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني،
وإذا كاتب عبده أو أمته على أنجم فأديت الكتابة فقد صار حرا. وولاؤه لمكاتبه. ويعطى مما كوتب عليه الربع، لقول الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣] .
٦ - أمر بمكاتبة العبد على قدر من المال، حيث قال تعالى: " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " . (٦)
الثالث أن لا يكون قادراً على اتخاذ أمة يستغني بها فإنه يكون مخيراً أيضاً. الرابع أن يكون قادراً على المهر والإنفاق من كسب حلال لا جور فيه فإن لم يكن قادراً لا يفترض عليه الزواج حتى لا يدفع محرماً بمحرم لأن الكسب الحرام فيه اعتداء على أموال الناس بالغش أو السرقة أو الزور أو الغصب أو نحو ذلك، وذلك من الجرائم التي لا يتسامح فيها معنى ذلك أن الشخص إذا عجز عن كسب الحلال فلا يتزوج ويباح له الوقوع في الزنا كلا بل معناه أنه في هذه الحالة يفترض عليه محاربة نفسه وشهوته محاربة شديدة ويزجرها زجراً كبيراً حتى لا يقع في الزواج الذي يترتب عليه أكل أموال الناس وظلمهم عملاً بقوله تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} هذا وإذا كان يمكنه أن يقترض المهر والنفقة الحلال فإنه يفترض عليه أن يتزوج ليفر من الوقوع في المعصية بقدر ما يستطيع.
الفطرة الإنسانية، وقال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله} أي ليصبروا على الشهوة وكبح جماحها حتى يغنيهم الله من فضله ويسهل لهم طرق النكاح المشروع، فهي عادة قبيحة محرمة بالكتاب والسنة.
أهلها، دل على أن الرجال والنساء والعبيد والإماء داخلون في عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} لا خلاف فيه) (١) .
* المكاتبة: بيع السيد رقيقه نفسه بمال في ذمته، وتجب إذا دعا العبد الذي فيه خير سيده إليها، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (النور/٣٣) .
وهي لغة: الضم والجمع، ومنه الكتيبة للجيش العظيم، والكتب لجمع الحروف في الخط. وشرعاً: تحرير المملوك يداً حالاً ورقبة مآلا، أي: عند أداء البدل. وركنها: الإيجاب والقبول، وشرطها: كون البدل معلوماً، كما أشار إلى ذلك بقوله: (إذا كاتب المولى عبده أو أمته على مال) معلوم (شرطه عليه، وقبل العبد ذلك؛ صار) العبد (مكاتباً) لوجود الركن والشرط، والأمر في قوله تعالى:{فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} للندب على الصحيح، والمراد بالخير أن لا يضر بالمسلمين بعد العتق،
ثم شرع يتكلم على الكتابة فقال: "والمكاتب عبد ما بقي عليه شيء" من كتابته ولو قل لما صح من قوله عليه الصلاة والسلام: "المكاتب عبد ما بقي عليه في كتابته درهم" وكان حقه أن يؤخر هذه المسألة عن قوله: "والكتابة" وهي إعتاق العبد على مال منجم "جائزة" بدون مخالف في جوازها "على ما رضيه العبد والسيد من المال" دل على مشروعيتها الكتاب قال تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} وتكون بلفظ فهم منه ذلك المعنى وهو إعتاق العبد على مال نحو كاتبتك أو أنت مكاتب أو أنت معتق على كذا
و {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} والعبد ألزم نفسه المال، ويقال في المصدر: كتاب وكتابة ومكاتبة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} الآية. وعرف ابن عرفة الكتابة بقوله: عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه. قوله: على مال، أخرج بد العتق على غير مال وهو المبتل والمعتق إلى أجل، وقوله: مؤجل أخرج به القطاعة. وقوله: موقوف على أدائه بالرفع صفة لعتق أخرج به العتق العجل على أداء مال إلى أجل فإنه ليس بكتابة.
وقيل من الكتاب الذي يكتبونه بينهم في عقد ذلك، ويقال فيها: كتابة وكتاب ومكاتبة؛ قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} اهـ منها بلفظها.
بخلاف ما قبله من الأجزاء إذ قد يعجز بعد حطه عن غيره فيرق، ووافق أبو حنيفة على الندب ونبه به على مخالفة الشافعي في وجوب ذلك نظرا للأمر في قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ، وقوله: آخرا حال من "جزء " وهو شاذ على حد: (وصلى وراءه رجال قياما) . اهـ المراد منه.
وقال المواق من المدونة: والموطإ، قال مالك في قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} هو أن يضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئا. أبو عمران: وهذا على الندب ولا يقضى به. اهـ.
(قوله: فالأولى له تركه) أي لقوله تعالى: * (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله) * ولمفهوم حديث من استطاع الخ (قوله: وكسر حاجته الخ) معطوف على تركه: أي والأولى له كسر حاجته: أي شهوته بالصوم لحديث من استطاع المار والمراد الصوم الدائم لأنه يثير الحرارة والشهوة في ابتدائه، ولا تنكسر إلا بدوامه.
وشرط فيها عوض من دين أو منفعة مؤجل هنا ليحصله ويؤديه منجم بنجمين فأكثر كما جرى عليه أكثر الصحابة رضوان الله عليهم ولو في مبعض مع بيان قدره أي العوض وصفته وعدد النجوم وقسط كل نجم. ولزم سيدا في كتابة صحيحة قبل عتق حط متمول منه أي العوض لقوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [٢٤ سورة النور الآية: ٣٣] فسر الإيتاء بما ذكر لان القصد منه الإعانة على العتق,
قال في (الدقائق): (ونفسه عن الشهوات) مستحب، ولا يمنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكن الأول إيجاب والثاني أمر ندب، عكس:{كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ}.
قال: (فإن لم يحتج ... كره إن فقد الأهبة) ؛ لقوله تعالى:} وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله {، ولأنه يلتزم به ما لا يقدر على القيام بمقتضاه من غير ضرورة، وعليه حمل ما روي عنه عليه الصلاة والسلام من قوله:(خيركم بعد المئتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد) رواه أبو يعلى والخطابي في (كتاب العزلة).
قال: (وعفة) وهي: الدين والصلاح والكف عما لا يحل ولا يجمل، قال تعالى:{وَمَن كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ}، وقال:{وَلِيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا}، قال ثعلب: معناه: يضبطوا أنفسهم بالصوم.
وله عشرة أسماء نطق الكتاب العزيز بستة منها: الصداق والنحلة والفريضة والأجر والطول والنكاح، قال تعالى:{وَليَسْتَّعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا}، ووردت السنة بالمهر والعقر والعليقة والحباء، وسيأتي ذكره عند قول المصنف:(إذا توافقوا على مهر في السر وأعلنوا زيادة)
والأصل فيها: قوله تعالى: {والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} أنزلت في صبيح - بضم الصاد - مولى حويطب بن عبد العزى جد محمد بن إسحاق من قبل أمه.
والأصل في الكتابة: قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا}. وقصة بَرِيرة ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المُكاتبُ عبدٌ ما بقِيَ عليهِ من كتابته درهم" رواه أبو داود .
(وهي) أي: الكتابة (مندوبة لمن يعلم) سيده (فيه خيرًا، وهو الكسب والأمانة) لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا} قال أحمد : الخير: صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة. والآية محمولة على الندب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَحلُّ مالُ امرئ مُسلم إلَّا عن طيبِ نفسٍ منه"؛ ولأنه دعاء إلى إزالة ملك بِعوض، فلم يُجبر السيد عليه، كالبيع.
وأما كونه ربع مال الكتابة، فلما روى أبو بكر بإسناده عن علي، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} قال: "رُبعُ الكِتابَة" وروي موقوفًا عنه .
فأمَّا من لا يمكنه. فقد قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (٣) انتهى. ونقل صالح (٢) : يقترضُ ويتزوجُ.
وروي " أن سيرين أبا محمد بن سيرين كان عبدأ لأنس بن مالك. فساًله ان يكاتبه فأبى. فاً خبر سيرين عمر بن الخطاب بذلك (٣) . فرفع الدرة على انس وقرأ عليه:{وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}. فكاتبه أنس " .
وأما كونه ربع مال الكتابة، فلما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم " في قوله سبحانه وتعالى {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣] قال: ربع المكاتبة " . وروي موقوفا على علي .
(فلو وضع) السيد عن المكاتب من مال الكتابة (بقدره) اي: بقدر ربعه جاز؛ لأن الصحابة فسروا الآية بذلك. ولأنه ابلغ في النفع وأعون على حصول العتق. فيكون أفضل من الإيتاء، وتدل الآيه عليه من طريق التنبيه. (أو عجله) أى: عجل السيد إعطاء قدر ربع مال الكتابة للمكاتب: (جاز) ، لقوله سبحانه وتعالى:{فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم}. وذلك يحتاج إليه من حين العقد.
ويجب على السيد أن يؤدي إلى من وفى كتابته ربعها، لما روى أبو بكر بإسناده عن علي «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في قَوْله تَعَالَى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣] قال: ربع الكتابة» ، وروي مرفوعا عن علي. [
وأما وجوب الربع فلما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ، قال: "ربع مال المكاتبة" وروي موقوفًا على علي ، وحكمته الرفق بالمكاتب وإعانته فكذا لو وضعه (عنه أو عجله جاز لحصول (٢) ) الغرض .
«ولا تكفي مكاتبته» أي: لو أن الكافر الذي أسلم عبده قال: أنا أكاتبه، والمكاتبة أن يبيع السيد عبده على نفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، فهذا الرجل الكافر، قال: ليس عندي مانع أن أزيل ملك عبدي لكني أريد أن أزيله بالمكاتبة، أبيع نفسه عليه، فنقول: هذا لا يكفي؛ لأن المكاتبة لا تخرج ملك السيد عن العبد حتى يوفي تماماً، وقبل الوفاء هو في رق السيد، فلهذا لا تكفي المكاتبة.
والكتابة مطلوبة شرعاً، بل قال بعض العلماء: إنها واجبة إذا طلبها العبد، وعلم السيد فيه خيراً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، أي: صلاحاً في دينهم وكسباً في دنياهم.
الكتابة: اسم مصدر كتب يكتب كتباً وكتابة، وهي مأخوذة من الكتب، وهي أن يشتري العبد نفسه من سيده، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، وسميت بذلك؛ لأن الغالب ألا تقع إلا بمكاتبة بين السيد والعبد. «وهي بيع عبدِهِ نفسَه»، لو قال المؤلف: شراء العبد نفسه من سيده، لكان أوضح وأخصر.
فإن كان عاجزاً عن التكسب كما لو كان زَمِناً، أي: لا يستطيع أن يكتسب ولا يسعى، فهنا لا تسن الكتابة، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، قال المفسرون: أي صلاحاً في دينهم وكسباً.
وقال بعض العلماء ومنهم الظاهرية: إنَّ الكتابة تجب إذا طلبها العبد بهذا الشرط: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، قالوا: لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن في هذا تكثيراً للأحرار، والشارع له تشوُّف إلى الحرية حتى إن العبد يعتق بالتمثيل، ويعتق بالسراية.
«كالسيد مع إمائه» السيد مالك العبد؛ ولهذا قال: «مع إمائه» أي: مملوكاته، فالسيد الذي له مملوكات ولو كن كباراً يزوجهن بغير إذنهن؛ لأنه مالك لهن ملكاً مطلقاً، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ، فمفهومه أن إكراههن على غير البغاء كالنكاح الصحيح لا بأس به، وهو كذلك،
ومال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى كراهة التأجيل، واستنبط ذلك من قصة الرجل الذي قال: لا أجد إلا إزاري، ولم يجد ولا خاتماً من حديد، فزوجه النبي ﷺ بما معه من القرآن ، وكان من الممكن أن يؤجل الصداق، ولقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، وقد يستدل بقول النبي ﷺ :«يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم»، وهذا الحديث ليس قوي الدلالة إذ قد يقول قائل: إن قوله: «من استطاع» يعم الحال والمؤجل، لكن لا شك أنه إذا أمكن الزواج بدون تأجيل فهو الأفضل، لا ريب في هذا؛
وإذا لم يكن عنده من الشرف والمروءة كما عند الحر، فإنه لا يبالي إذا زنا، وهذا تعليل صحيح، ولكن قد يقول قائل: إنَّ زنا الرجل الرقيق ليس كزنا المرأة الرقيقة؛ لأن المرأة الرقيقة قد تزني لكون سيدها يستأجرها ـ والعياذ بالله ـ في البغاء، وتعتاد ذلك فيهون عليها الأمر؛ لأن الله نصّ على أن ذلك واقع من الأسياد بالنسبة للإماء، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ ،
ويمكن أن نستدل بقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ؛ بدلالة الأمر ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ على أنه قد ينازع هنا منازع فيقول: المراد يستعفف عن الزنا، وحينئذٍ لا يكون في الآية دليل.
فهذه المكاتبة، وقد أشار الله تعالى إليها في القرآن في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ، أي: صلاحاً في الدين، وكسباً في المال، وهنا الصحيح أن الأمر على سبيل الوجوب،
وأن العبد إذا طلب المكاتبة وجب على السيد أن يكاتبه؛ لأن الله أمر بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، لكن بهذا الشرط، ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أي: صلاحاً في دينهم ودنياهم، والصلاح في الدين معروف، والصلاح في الدنيا هو الكسب.
* قوله: (ويلزم أن يؤدِّيَ إلى مَنْ أدى كتابته (٦) ربعها) الكتابة بمعنى المال. وبخطه: تشكيك لو نقل الملك فيه وقد بقي عليه الربع فأقل، ثم أداه إلى المشتري، فهل يلزم المشتري [أن يؤدي] إلى المكاتب كل ما أدى إليه؛ لأنه ربع كتابته، أو ربع ما بيده؛ لأنه ظاهر قوله -تعالى-: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} الذي هو دليل الإمام في المسألة؟، فليحرر وليتدبر!.
فإنَّ اللهَ تعالى سَمَّاها بذلك، مع كَوْنِها مُكْرَهَة، فقال تعالى:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}. وقَوْلُهم: لا يَجِبُ الحَدُّ والمَهْرُ. قُلْنا: لا يَجِبُ المَهْرُ لها.
وقال قتادَة: العُشْرُ. وقال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُجْزِئ ما يَقَعُ عليه. الاسْمُ. وهو قولُ مالكٍ، إلَّأ أنَّه عِندَه مُسْتَحَب؛ لقولِ الله تعالى:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}. و «مِن» للتبعِيضٍ، والقَلِيلُ بعضٌ، فيُكْتَفَى به.
ولا يَجِبُ عليه أداءُ مالٍ يجبُ رَدُّه إليه. وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كاتَبَ عبْدًا له على خَمْسَةٍ وثلاثينَ ألْفًا، فأخَذَ منه ثلاثين، وتَرَكَ له خَمْسةً . ولَنا، ما روَى أبو بكر بإسْنادِه عن علي، رَضِيَ الله عنه، عن - صلى الله عليه وسلم -: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}. قال: «رُبْعُ المُكاتَبةِ » . ورُوِيَ مَوْقُوفًا على علي، رَضِيَ الله عنه. ولأنَّه مالٌ يَجبُ إيتاؤُه مُواساةً بالشرْعِ، فكان مُقَدَّرًا، كالزَّكاةِ، ولأنَّ حِكْمَةَ إيجابِه الرِّفْقُ بالمُكاتَبِ وإعانَتُه على تَحْصِيلِ العِتْقِ، وهذا لا يَحْصُلُ باليَسيرِ الذي هو أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ، فلم يَجُزْ أن يكونَ هو الواجبَ، وقولُ الله تعالى:{وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ}.
وأما كون الرقاب هم المكاتبون؛ فلأن لفظ الرقاب يشملهم بدليل ما لو قال: أعتقت رقابي فإنه يعتق مكاتبوه، وقد قال الله تعالى:{فكاتبوهم -إلى قوله تعالى-: وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}.
وأما كونها واجبة على رواية؛ فلأن الله تعالى قال:{فكاتبوهم} وظاهر الأمر الوجوب، وروي «أن ابن سيرين أبا محمد ابن سيرين كان عبداً لأنس بن مالك فسأله أن يكاتبه فأبى. فأخبر سيرينُ عمر بن الخطاب بذلك. فرفع الدرّة على أنس وقرأ عليه: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً} [النور: ٣٣] . فكاتبه أنس».
وأما قوله: لمن يُعلم فيه خيراً؛ فتنبيهٌ على أن كون العبد فيه خير يعلمه السيد شرط للاستحباب أو الوجوب؛ لأن الله تعالى شرط ذلك حيث قال:{إن علمتم فيهم خيراً}.
أما كون سيد المكاتب يجب عليه أن يؤتيه ربع مال الكتابة؛ فلأن الله تعالى قال:{وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}. أمر والأمر للوجوب. قال علي رضي الله عنه في تفسيرها:«ضعوا عنهم ربع مال الكتابة».
وهي مشروعة بالإجماع، وقد شهد لذلك قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: ٣٣] الآية وقصة بريرة، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وغير ذلك من الأحاديث، والله أعلم.
[أحكام المكاتب]
٣٩٠٩ - لما روت أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كان لإحداكن مكاتب فكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» » رواه الخمسة، وصححه الترمذي إلا أن بعض الحفاظ قال: إنه قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. وعلى تقدير صحته فيحمل الأمر بالاحتجاب على الندبية، توفيقا بين الأحاديث، والله أعلم. قال: وولاؤه لمكاتبه. ش: قد تقدمت هذه المسألة في الولاء، وإنما ذكرها هنا على سبيل التكميل لحكم المسألة استطرادا، والله أعلم. قال: ويعطى مما كوتب عليه الربع، لقول الله تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: ٣٣] .