القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ١٠٩

سورة آل عمران، الآية ١٠٩مدنية
في سورتها

القراءات

الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججهامكي بن أبي طالب، ت ٤٣٧هـ

قوله: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح التاء وكسر الجيم، حيث وقع، بنوا الفعل للفاعل، لأنه المقصود، ويقوي ذلك إجماعهم على: ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ «الشورى ٥٣» وقوله: ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ «المائدة ٤٨» فبنى الفعل للفاعل، فحمل هذا على ذلك. وقرأ الباقون بضمّ التاء وفتح الجيم، بنوا الفعل للمفعول، ويقوي ذلك إجماعهم على قوله:

﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ «الأنعام ٦٢» و ﴿لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي﴾ «الكهف ٣٦» فبني الفعل للمفعول، وهو إجماع، فألحق هذا به، لأنه مثله، فالقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل أن يبنى الفعل للفاعل، لأنه محدثه بقدرة الله جل ذكره، وبناؤه للمفعول توسّع وفرع .

قوله: ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قرأه نافع بالرفع، وقرأه الباقون بالنصب. ووجه القراءة بالرفع أن الفعل دالّ على الحال، التي كان عليها الرسول، ولا تعمل «حتى» في حال. فلمّا كان ما بعدها للحال لم تعمل فيه. والتقدير:

وزلزلوا فيما مضى حتى إن الرسول يقول: متى نصر الله، فحكى الحال، التي عليها الرسول قبل، كما حكيت الحال في قوله: ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ «القصص ١٥» وفي قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ «الكهف ١٨» فإنما حكى حالا كانوا عليها ليست حالا هم الآن عليها، فكذلك «حتى يقول الرسول» حكى حالا كان عليها الرسول فيما مضى. والرفع بعد حتى على وجهين: أحدهما أن يكون السبب الذي أدى الفعل، الذي قبل «حتى» قد مضى، والفعل المسبب لم يمض، ولم ينقطع، نحو قولك: مرض حتى لا يرجونه، أي: مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٨٩مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٨٩

مرض فيما مضى حتى هو الآن لا يرجى فيحيى، الجال التي هم عليها الآن، فيرفع، ولا تحمل الآية على هذا المعنى، لأنها لحال قد مضى، فحكي، والوجه الآخر أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا، نحو قولك: سرت حتى أدخلها، أي: سرت فدخلت، فالدخول متصل بالسير. وقد مضيا، فحكيت الحال التي كانت، لأن ما مضى لا يكون حالا، إلا على الحكاية. فعلى هذا تحمل الآية في الرفع، لا على الوجه الأول من وجهي الرفع. و «حتى» هذه التي يرتفع الفعل بعدها ليست العاطفة، ولا الجارة، إنما هي التي تدخل على الجمل، فلا تعمل، وتدخل على الابتداء والخبر. فإذا كان ما بعد «حتى» محكيا دالا على حال، قد انقضت، أو على حال في الوقت لم ينقض، فلا سبيل إلى النصب بها، لأنها لا تنصب إلا غير حال، تنصبه بمعنى «كي» أو بمعنى «إلى أن» .

ووجه القراءة بالنصب أن «حتى» جعلت غاية للزلزلة، فنصبت بمعنى «إلى أن» ، والتقدير: وزلزلوا إلى أن قال الرسول، فجعل «قول الرسول» غاية لخوف أصحابه، أي: لم يزالوا خائفين إلى أن قال الرسول، فالفعلان قد مضيا جميعا، وينصب ب «حتى» في الكلام بمعنى «كي» كقولك: أسلمت حتى أدخل الجنة، أي: كي أدخل الجنة. فالإسلام كان والدخول لم يكن. وهي إذا نصبت الأفعال الجارة في الأسماء، إذا كانت بمعنى «إلى أن» ، أو تكون هي العاطفة في الأسماء، إذا نصبت بمعنى «كي» ، فإذا ارتفع الفعل بعد «حتى» على معنى حال مضت محكية، فالفعل لما مضى، وإذا ارتفع على معنى حال، لم تنقض، فالفعل للحال. وإذا انتصب على معنى «إلى أن» فالفعل ماض. وإذا انتصب على معنى «كي» فالفعل مستقبل، فافهم هذا فإنه مشكل، وعليه مدار أحكام «حتى» ، وبالرفع قرأ الأعرج ومجاهد وابن محيصن وشبية، وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر، وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وهو الاختيار، لأن عليه جماعة القراء . مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٩٠مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٩٠

قوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قرأه حمزة والكسائي بالثاء، جعلاه من الكثرة حملا على المعنى، وذلك أن الخمر تحدث، مع شربها، آثام كثيرة من لغط وتخليط، وسبّ وأيمان، وعداوة وخيانة، وتفريط في الفرائض، وفي ذكر الله وفي غير ذلك، فوجب أن توصف بالكثرة. وقد قال بعد ذلك «ومنافع للناس» فجمع المنافع. وكذلك يجب أن تكون الآثام جمعا. والجمع يوصف بالكثرة. وأيضا فإن وصف الإثم بالكثرة أبلغ، من وصفه بالكبر. وقد قال الله جلّ ذكره: ﴿وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ «الفرقان ١٤» وقال: ﴿ذِكْراً كَثِيراً﴾ «الأحزاب ٤١» ، فأما قوله ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ﴾ «البقرة ٢١٩» فأتى بالباء، فإنما ذلك ، لأن الإثم الثاني واحد، والأول بمعنى الآثام، فحسن في الأول الكثرة لكثرته، ولم يحسن في الثاني الكثرة لقلته في المعنى. وأيضا فإنه إجماع، ويدلّ على أن الأول بمعنى الجمع قوله: (ومنافع) فعطف عليه بجمع، فهو مثله، ولمعنى الكثرة مزية على معنى الكبر، لأن الكثرة تستوعب معنى العظم ومعنى الكثرة، ولا يستوعب العظم معنى الكثرة، لأن الإثم يكون عظيما، ولا يكون كثيرا إلا وهو عظيم. وتقول: كل كثير كبير، ولا تقول: كل كبير كثير. فالقراءة بالثاء أعمّ، لتضمّنها معنى الكثرة والكبر. وقرأ الباقون بالباء، من الكبر، على معنى العظم، أي: فيهما إثم عظيم. ويقوي ذلك إجماعهم على قوله: ﴿وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾ بالباء، من العظم. وقد أجمعوا على أن شرب الخمر من الكبائر، فوجب أن يوصف إثمه بالكبر. وقد وصف الله الشرك بالعظم فقال:

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ «لقمان ١٣» فكذلك ينبغي أن يوصف ما قرب من الشرك بالعظم، وهو شرب الخمر، لأنهما كبائر، والعظم والكبر سواء. ولمّا قالوا فيما هو دون الكبائر صغائر، وصغير وصغيرة وجب أن يقال في الكبائر كثير، لأن الكثير مقابل للقليل، والكبير مقابل للصغير. وقد وصف الله الإثم بالعظم في قوله: ﴿فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ «النساء ٤٨» ، والكبر مقابل للعظم في المعنى. قال أبو محمد: القراءتان حسنتان متداخلتان، لأن القراءة بالثاء مراد بها العظم، ولا شك أن ما عظم فقد كثر، وقد كبر، والباء أحبّ إلي، لأن الجماعة عليه، ولقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ «النساء ٢» والحوب الإثم ، فوصفه بالكبر. وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ «البقرة ٢١٧» والفتنة هنا الكفر والكفر يشتمل على كل الآثام. وقد وصفه بالكبر ، وهو اختيار أبي حاتم وأبي طاهر وأبي عبيد، وبه قرأ الحسن وأبو رجاء والأعرج وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وقتادة وابن أبي إسحاق، وعليه العامة. مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٩١مكي بن أبي طالب ٢/ ٢٩١