القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٥٥

سورة آل عمران، الآية ٥٥مدنية
في سورتها

الشبهات

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتابالشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ

قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} الآية [آل عمران/ ٥٥] .

هذه الآية الكريمة يتوهم من ظاهرها وفاة عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على خلاف ذلك: كقوله: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء/ ١٥٧] ، وقوله: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} الآية [النساء/ ١٥٩] على ما فسرها به ابن عباس -في إحدى الروايتين- وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد وأبو هريرة، ودلت على صدقه الأحاديث المتواترة، واختاره ابن جرير، وجزم ابن كثير بانه الحق، من أن قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} أي موت عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. الشنقيطي ١/ ٥٦الشنقيطي ١/ ٥٦

والجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:

الأول: أن قوله تعالى: {مُتَوَفِّيكَ} [آل عمران/ ٥٥] لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه قد مضى. وهو متوفيه قطعًا يومًا ما. ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه {وَرَافِعُكَ} إلى قوله: {مُتَوَفِّيكَ} فلا دليل فيه؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك.

وقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثرُ للمحققين، وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه.

وقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال: لم أجده في كتابه. وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب "الضياء اللامع" .

وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ابدأ بما بدأ اللَّه به" يعني: الصفا، لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب. وبيان ذلك هو ما قاله الفهري -كما ذكر عنه صاحب "الضياء اللامع" - وهو أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فكذلك لا تقتضي المنع منهما، فقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول، كقوله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية [البقرة/ ١٥٨] ، بدليل الحديث المتقدم. وقد يكون المعطوف بها مرتبًا كقول حسان: الشنقيطي ١/ ٥٧الشنقيطي ١/ ٥٧

* هجوتَ محمدًا وأجبتُ عنه *

على رواية الواو. وقد يراد بها المعية كقوله: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت/ ١٥] ، وقوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة/ ٩] ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلا بدليل منفصل.

الوجه الثاني: إن معنى {مُتَوَفِّيكَ} أي: منيمك ورافعك إليَّ، أي في تلك النومة.

وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام/ ٦٠] ، وقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر/ ٤٢] .

وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين المذكورتين، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الحمد للَّه الذي أحيانا بعدما أماتنا. . . " الحديث.

الوجه الثالث: إن {مُتَوَفِّيكَ} اسم فاعل "توفاه" إذا قبضه وحازه إليه. ومنه قولهم: "توفى فلان دينه" إذا قبضه إليه. فيكون معنى {مُتَوَفِّيكَ} على هذا: قابضك منهم إليَّ حيًا. وهذا القول هو اختيار ابن جرير.

وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا ثم أحياه، فالظاهر أنه من الإسرائيليات، وقد نهى -صلى اللَّه عليه وسلم- عن تصديقها وتكذيبها. الشنقيطي ١/ ٥٨الشنقيطي ١/ ٥٨