يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةًۭ مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِىٓ أَزْوَٰجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌۭ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ٥٠
الشبهات
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} الآية [الأحزاب/ ٥٠] .
يظهر تعارضه مع قوله: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ} الآية [الأحزاب/ ٥٢] .
والجواب: أن قوله: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} منسوخ بقوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} ، وقد قدمنا في سورة البقرة أنه أحد الموضعين اللذين في المصحف ناسخهما قبل منسوخهما، لتقدمه في ترتيب المصحف مع تأخره في النزول، على القول بذلك.
وقيل: الآية الناسخة لها هي قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} الآية [الأحزاب/ ٥١] .
وقال بعض العلماء: هي محكمة. وعليه، فالمعنى: لا يحل لك النساء من بعد، أي: من بعد النساء التي أحلهن اللَّه لك في قوله: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} الآية، فتكون آية: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} مُحَرِّمةً ما لم يدخل في آية: {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} كالكتابيات، والمشركات، والبدويات -على القول بذلك فيهن-، وبنات العم والعمات، وبنات الخال والخالات، اللاتي لم يهاجرن معه -على القول فيهن أيضًا-.
والقولُ بعدم النسخ قال به: أبي بن كعب، ومجاهد في رواية عنه، وعكرمة والضحاك في رواية، وأبو رزين في رواية عنه، وأبو صالح، والحسن، وقتادة في رواية، والسدي، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. واختار عدم النسخ ابن جرير وأبو حيان. الشنقيطي ١/ ٢٥٨الشنقيطي ١/ ٢٥٨
والذي يظهر لنا أن القول بالنسخ أرجح، وليس المرجح لذلك عندنا أنه قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم - منهم: عليٌّ وابن عباس وأنس وغيرهم-، ولكن المرجح له عندنا أنه قول أعلم الناس بالمسألة، أعني أزواجه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأن حِلِّيَّةَ غيرهن من الضَّرَّات وعدمها لا يوجد من هو أشد اهتمامًا بها منهن، فهن صواحبات القصة.
وقد تقرر في علم الأصول أن صاحب القصة يقدم على غيره، ولذلك قدم العلماء رواية ميمونة وأبي رافع: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوجها وهو حلال، علي رواية ابن عباس المتفق عليها: أنه تزوجها محرمًا؛ لأن ميمونة صاحبة القصة وأبا رافع سفير فيها.
فإذا علمت ذلك، فاعلم أن ممن قال بالنسخ: أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "ما مات -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى أحل اللَّه له النساء" ، وأم المؤمنين أم سلمة -رضي اللَّه عنها-، قالت: "لم يمت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى أحل اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم" .
أما عائشة فقد روى عنها ذلك الإمام أحمد والترمذي -وصححه- والنسائي في سننيهما، والحاكم وصححه، وأبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وغيرهم.
وأما أم سلمة فقد رواه عنها ابن أبي حاتم، كما نقله عنه ابن كثير وغيره. الشنقيطي ١/ ٢٥٩الشنقيطي ١/ ٢٥٩
ويشهد لذلك ما رواه جماعة عن عبد الله بن شداد -رضي اللَّه عنه-: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تزوج أم حبيبة وجويرية -رضي اللَّه عنهما- بعد نزول {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ} .
قال الآلوسي في تفسيره: إن ذلك أخرجه عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
والعلم عند اللَّه تعالى. الشنقيطي ١/ ٢٦٠الشنقيطي ١/ ٢٦٠
لا كتاب مختار.