هَٰذَا ذِكْرٌۭ ۚ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَـَٔابٍۢ ٤٩
التفسير
هذا القرآن ذِكْر وشرف لك -أيها الرسول- ولقومك. وإن لأهل تقوى الله وطاعته لَحسنَ مصير عندنا في جنات إقامة، مفتَّحة لهم أبوابها، متكئين فيها على الأرائك المزيَّنات، يطلبون ما يشتهون من أنواع الفواكه الكثيرة والشراب، من كل ما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم.
يقول تعالى مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ) يعني بذلك: العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (أُولِي الأيْدِي) يقول: أولي القوة (وَالأبْصَارِ) يقول: الفقه في الدين.
وقال مجاهد: (أُولِي الأيْدِي) يعني: القوة في طاعة الله (وَالأبْصَارِ) يعني: البصر في الحق.
وقال قتادة والسدي: أعطُوا قوة في العبادة وبَصرًا في الدين.
[وقوله] (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمّ غيرها. وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها.
وقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها. وكذا قال عطاء الخراساني. ابن كثير ٨/ ٧٦ابن كثير ٨/ ٧٦
وقال سعيد بن جُبَيْر: يعني بالدار الجنة يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها وقال في رواية أخرى: (ذِكْرَى الدَّارِ) عقبى الدار.
وقال قتادة: كانوا يذَكّرون الناس الدار الآخرة والعمل لها.
وقال ابن زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة.
وقوله: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ) أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.
وقوله: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ) قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة "الأنبياء" بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: (هَذَا ذِكْرٌ) أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر.
وقال السدي: يعني القرآن. ابن كثير ٨/ ٧٧ابن كثير ٨/ ٧٧
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في [الدار] الآخرة (لَحُسْنَ مَآبٍ) وهو: المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: (جَنَّاتِ عَدْنٍ) أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب.
والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: "مفتحة لهم أبوابها" أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب الهَبَّاري حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا عبد الله بن مسلم - يعني: ابن هرمز-عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة قصرا يقال له: " عدن " حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبَرَة لا يدخله - أو: لا يسكنه-إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عدل" .
وقد ورد في [ذكر] أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.
وقوله: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا) قيل: متربعين فيها على سرر تحت الحجال (يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ) ابن كثير ٨/ ٧٧ابن كثير ٨/ ٧٧
أي: مهما طلبوا وجدوا وحضر كما أرادوا. (وَشَرَابٍ) أي: من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨]
(وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ) أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن (أَتْرَابٌ) أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسّدّي.
(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.
ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء فقال: (إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ) كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وكقوله ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥] والآيات في هذا كثيرة جدا. ابن كثير ٨/ ٧٨ابن كثير ٨/ ٧٨
لا كتاب مختار.