ولو كانت الآية نزلت: لقال: خذوا عن القرآن. ولأن الخبر بيان للسبيل المذكور في قوله {أو يجعل الله لهن سبيلاً} فدل على أنه لم يتقدم هذا البيان إلا ما ذكر في سورة النساء من قوله: {فأمسكوهن في البيوت} .
لأن سورة النساء مدنية. والرجم كان قبل دخوله - صلى الله عليه وسلم - المدينة. وقد كان مأمورًا بالعمل بشريعة من تقدمه فرجع إلى ما في التوراة. ولهذا قال: (أنا أحق بإحياء سنة أماتوها) ثم نسخ هذا بما جاء في شريعته [من قوله] {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت} .
احتجوا: بقوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح ءابآؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلاً} . فسمي ذلك فاحشة، وهذا اسم الزنى، بدلالة قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} .
واللواط زناً، فلا يقبل فيه إلا أربعة كذلك، ولأنه فاحشة، بدليل قول الله تعالى لقوم لوط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، فيعتبر فيه الأربعة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} ،
لأنه قد شهد عليه أربعة بالزنا، فيدخل في عموم قوله سبحانه: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} ، والأول المذهب؛ لأنه لم يشهد الأربعة على فعل واحد، فأشبه ما لو شهد اثنان على رجل أنه زنا بامرأة، وشهد اثنان أنه زنا بامرأة أخرى، فيلزم الشهود الحد، دون المشهود عليه،
{ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} وقوله صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم للذي قذف امرأته (ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك - وإلا فحد في ظهرك) واجماع الأمة على ذلك. وافق الأئمة على أن صفة الشهود أن يكونوا عدولاً،
ولأن اللعان شهادة، فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة، إنما قال الأحناف: إن اللعان شهادة لوجهين: الأول قوله تعالى: {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} فسمى الله تعالى لعانهما شهادة، كما قال تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ، وقال تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} .
وقد أجاب الحنفية، والمالكية، عن الحاديث التي تدل على جواز رجم غير المسلم، بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمضى حكم التوراة على أهلها، ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام. وقد كان ذلك عند مقدمة المدينة، وكان إذ ذاك مأموراً بأتباع حكم التوراة ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} فقد شرع الله هذا الحكم الوارد في الآية الشريفة بالنسبة إلى نساء المسلمين فقط.
مبحث كيفية الشهادة اتفق الأئمة على أن الشهادة على الزنا لا تثبت إلا بأربعة شهداء بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} وقوله تعالى: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} وبما روي عن سعد بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله أرايت إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء.
١ - أنه أراد حبس الزانية، وذلك قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) } ، وقد بيّن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- السبيل فقال: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
قال: "فالنية أن تشهد أربعة من الشهود على رجل أو امرأة بالزنا" لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام للذي قذف امرأته "ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك" ولأن في اشتراط الأربعة يتحقق معنى الستر وهو مندوب إليه والإشاعة ضده
"والشهادة على مراتب: منها الشهادة في الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال" لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾
(والشهادة على) أربع (مراتب) :
الأولى: (منها الشهادة في الزنا، يعتبر فيها أربعة من الرجال) ، لقوله تعالى:{واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} ، وقوله تعالى:{ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} (ولا تقبل فيها شهادة النساء) ؛ لحديث الزهري: مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود والقصاص، هداية.
ثم ذكر المص مراتب الشهادة الأربع على طريق التدلي فيها بادئا بأعلاها، فقال: وللزنى واللواط أربعة يعني أن الشهادة على فعل الزنى وعلى فعل اللواط لابد فيها من أربعة عدول، لقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} ، ولقوله تعالى فيما يدفع به حد القذف: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الآية. قال ابن عرفة: شرط بينة الزنى كونها أربعة بنص القرآن وحكم عُمَر، قال المازري: ولا خلاف فيه إن كانت الإصابة طوعا،
وفي المقدمات: لا خلاف بين العلماء أن حد الزنى لا يقام بأقل من أربعة، لقوله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً} ، وقوله: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} ، وعن قوم: إجازة ثلاثة رجال وامرأتين وهو خلاف القرآن. انتهى.
وكان حدُّه في ابتداء الإسلام الحبسَ في البيت والأذى بالكلام؛ لقوله تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ. . .} الآية ، ثم نسخ بما روى مسلم من حديث عبادة مرفوعًا:"خُذوا عني، خذوا عني، البِكر بالبكر جلدُ مائَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثيِّب بالثيِّب جَلدُ مائةٍ والرَّجْمُ" ونَسْخُ القرآن بالسنة جائزٌ؛ لأن الكل من عند الله وإن اختلف طريقه،
وقال ابنُ مسعودٍ، والحسنُ: هي الزِّنى؛ لقولِ الله تعالى:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ}. وإخْراجُهُنَّ هو لإِقامةِ حَدِّ الزِّنى، ثم تُرَدُّ إلى مَكانِها . ولَنا، أنَّ الآيةَ تَقْتَضِي الإخْراجَ مِن السُّكْنَى ، وهذا لا يَتَحَقَّقُ فيما قالاه.
وقال في الآخَرِ: له إقامَتُه بعِلْمِه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، نحوُ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامَتُه بالبَيِّنَةِ والاعتِرافِ الذى لا يُفِيدُ [إلَّا الظنَّ]، فبما يُفِيدُ العلمَ أوْلَى. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ}.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُهَا، أَنْ يَطَأَ فِى الْفَرْجِ، سَوَاءٌ كَانَ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، في أنَّ مَن وَطِئَ امرأةً في قُبُلِها حَرامًا لا شُبْهَةَ له في وَطْئِها، أنَّه زانٍ يجبُ عليه حَدُّ الزِّنَى، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه. والوَطْءُ في الدُّبُرِ مثلُه في كَوْنِه زِنًى؛ لأنَّه وَطْءٌ في فَرْجِ امرأةٍ، لا مِلْكَ له فيه ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فكان زِنًى، كالوَطْءِ في القُبُلِ، ولأَنَّ اللَّهَ تعالى قال:{وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ}: الآية، ثم بَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قد جَعَلَ لَهُنَّ سَبِيلًا:«البِكْر بالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ».
وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ؛ لأَنَّ صِحَّةَ البَيِّنَةِ يُشْتَرَطُ لها الإنْكارُ، وما كَمَل الإِقْرارُ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}. وبَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- السَّبِيلَ بالحَدِّ، فتجبُ إقامَتُه، ولأَنَّ البَيِّنَةَ تَمَّتْ عليه، فوَجَب الحَدُّ، كما لو لم يَعْتَرِفْ، ولأَنَّ البَيِّنَةَ إحْدى حُجَّتىِ الزِّنَى، فلم تَبْطُلْ بوُجودِ الحُجَّةِ الأُخْرَى أو بَعْضِها، كالإِقْرارِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجودَ الإِقرارِ يُؤَكِّدُ البَيِّنَةَ ويوافِقُها، ولا يُنافِيها، فلا يَقْدَحُ فيها، كتَزْكِيَةِ الشُّهودِ، والثَّناءِ عليهم، ولا نُسَلِّمُ اشْتِراطَ الإِنْكارِ، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِقْرارِ في غيرِ الحَدِّ إذا وُجِدَ بكَمالِه، وههُنا لم يَكْمُلْ، فلم يَجِبْ الاكتِفاءُ به، ووَجَب سَماعُ البَيِّنَةِ والعملُ بها.
وأما كون من يشهد عليه أربعة؛ فلأن الله تعالى قال:{لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء}، وقال:{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}، وقال:{فاستشهدوا عليهن أربعة منكم}.
وظاهر كلام الخرقي أنه يخلى سبيلها، وهو إحدى الروايتين، واختيار أبي بكر، لأن هذا لعان لم يوجب حدا، فلم يوجب حبسا، كما لو لم تكمل البينة، (والثانية) : وهي اختيار القاضي، وأبي علي بن البنا، والشيرازي وغيرهم - أنها تحبس حتى تقر أو تلاعن، نظرا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ} [النور: ٨] فإذا لم تشهد لم يندرئ العذاب عنها، وإنما قلنا: العذاب الحبس لآية النساء وهي قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: ١٥] الآية إلى {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: ١٥] وإنما لم يقل إنه الحد حذارا من ارتكاب الأثقل بالاحتمال، ومقتضى كلام الخرقي أن الولد لاحق له، وهو كذلك، والله أعلم.
وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ٣١٠٧ - مع أن في صحيح مسلم، وسنن أبي داود والترمذي، عن عبادة بن الصامت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» ، وما يعترض على هذا من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجلد ليس بنص صريح، إذ غايته أنه لم ينقل أنه جلد، وعدم النقل لا يدل على العدم.
(والرواية الثانية) : هي أشهر الروايتين عن الأثرم، واختارها ابن حامد، ونصرها الجوزجاني والأثرم في منتهاهما.
٣١٠٨ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجم ماعزا والغامدية، وامرأة من جهينة، ورجلا وامرأة من اليهود، ولم ينقل - مع كثرة الروايات التي يبلغ مجموعها التواتر المعنوي - بلا ريب - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلدهم.
٣١٠٩ - وقال: « «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» متفق عليه، ولم يأمر بجلدها، وهذا يبين أن هذا هو آخر الأمرين من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقد أشار إلى هذا أحمد، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول في حديث عبادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنه أول حد نزل، وإن حديث ماعز بعده رجمه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يجلده، وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رجم ولم يجلد، وكذلك نقل إسماعيل بن سعيد نحو هذا، والذي في الآية الكريمة يحمل على البكر.
٣١١٠ - وقد ورد في أبي داود في رواية - قال أبو السعادات: ذكرها رزين - عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: أول ما كان الزنا في الإسلام أخبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأنزل الله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: ١٥] {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء: ١٦] ثم نزل بعد ذلك: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢] ، ثم نزلت آية الرجم في النور، فكان الأول للبكر، ثم رفعت آية الرجم من التلاوة، وبقي الحكم بها، وهذا إن ثبت فيه جمع بين الأدلة. ٣١١١ - وقد عمل على ذلك عمر وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فرجما، ولم ينقل أنهما جلدا.
وتقييد الخرقي بالحر والحرة ليخرج العبد والأمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى حدهما، وتقييد الحر بالمحصن والحرة بالمحصنة ليخرج غير المحصن كما سيأتي، ولا نزاع في أن الإحصان شرط في الرجم، وقد شهد لذلك حديث عبادة وحديث عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
٣١١٢ - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني» ، وفي رواية: «أو زنا بعد إحصان» الحديث. . . وقد تقدم ذلك.
٣١١٣ - وفي قصة ماعز أنه قال له: «أحصنت» ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم. والإحصان قد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب النكاح، فلا حاجة إلى إعادته. (تنبيه) : الزنا الفاحشة يمد ويقصر، فالقصر لأهل الحجاز، والمد لأهل نجد، أنشد ابن سيده:
أما الزناء فإني لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان
والزاني من أتى الفاحشة، وسيأتي كلام الخرقي إن شاء الله تعالى فيه، والله أعلم. قال: ويغسلان ويكفنان، ويصلى عليهما، ويدفنان. ش: أما التغسيل والتكفين والدفن فاتفاق، حكاه أبو محمد.
٣١١٤ - وقال أحمد: سئل علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن شراحة - وكان رجمها - فقال: اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم. وصلى علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على شراحة، وأما الصلاة، فهي أيضا قول الأكثرين. ٣١١٥ - لما روى عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن «امرأة من جهينة أتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي حبلى من الزنا، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليها فقال: «أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها» ففعل، فأمر بها نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، قال عمر: أتصلي عليها وقد زنت؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل» رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
٣١١٦ - وفي مسلم أيضا وسنن أبي داود، من حديث بريدة في «قصة ماعز والغامدية قال: ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت.»
٣١١٧ - وما في الصحيح من حديث ابن عباس، ومن حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يصل على ماعز» ، فقضية عين، يحتمل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحضره، أو اشتغل عنه لعارض، أو غير ذلك، ولأن عموم «صلوا على من قال لا إله إلا الله» يدخل فيه من مات بحد.
٣١٢٥ - «وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: أرسلني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أمة له سوداء زنت، لأجلدها الحد، قال: فوجدتها في دمها، فأتيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرته بذلك، فقال لي: «إذا تعالت من نفاسها فاجلدها خمسين» ، رواه عبد الله بن أحمد في المسند.
وأما كون ذلك بلا تغريب؛ فلأن ما تقدم جميعه ليس فيه تغريب، ولو وجب لذكر، وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، والعذاب كما تقدم والله أعلم المراد به الذي في الكتاب، ولا تغريب فيه، ثم إن التغريب في حق العبد في الحقيقة عقوبة لسيده دونه، لما يفوته من خدمته، وما يحتاجه من حفظه ونفقته، والعبد غريب أينما كان، والعقوبة لا تشرع على غير الزاني، والله أعلم.
[الموضع الذي يجب فيه الحد في الزنا] قال: والزاني من أتى الفاحشة من قبل أو دبر. ش: مقصود الخرقي بهذا والله أعلم، أن الموضع الذي يجب فيه الحد في القبل يجب فيه في الدبر، فلا فرق بين القبل والدبر، وذلك لأنه فرج مشتهى طبعا، محرم شرعا، فأشبه القبل، ولأن الله تعالى قال: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: ١٥] الآية، ثم بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك بقوله: «قد جعل الله لهن سبيلا» الحديث، والفاحشة تشمل الوطء في القبل والدبر، وقد سمى الله الوطء في الدبر فاحشة فقال لقوم لوط: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [الأعراف: ٨٠] أي: الوطء في دبر الرجل، ثم إن الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أشار إلى تعريف الزاني الذي يترتب عليه الحد السابق بما ذكره.
وفي قوله (الفاحشة) إشعار بأن شرط الإتيان في القبل أو الدبر أن يكون حراما محضا، فيخرج بالأول الوطء الحلال، ووطء الشبهة، كمن وطئ امرأته في دبرها أو أمته الوثنية، أو أمة لبيت المال وهو حر مسلم، أو من ظنها زوجته، أو بنكاح باطل اعتقد صحته، أو لم يعلم بالتحريم لقرب عهده بالإسلام ونحو ذلك، وقد تضعف الشبهة فيجري الخلاف، كمن وطئ أمته وهي مزوجة، أو مؤبدة التحريم، أو أمة والده، مع علمه بالتحريم، أو وطئ في نكاح أو ملك مختلف في صحته مع علمه بالتحريم، ونحو ذلك، وبيان ذلك وشرحه على ما ينبغي له محل آخر، إلا أنه لا بد أن يطأ بفرج أصلي، في فرج أصلي، وأن يغيب الحشفة أو قدرها، فلو جامع الخنثى بذكره، أو جامع في قبله فلا حد، وقد فهم من كلام الخرقي أنه لا حد بالإتيان دون الفرج، ولا بإتيان المرأة المرأة، وهو كذلك والله أعلم.
[حكم اللواط]
فلو أقر دونها لم يجب الحد. ٣١٣٦ - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «أتى رجل من أسلم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إن الآخر قد زنى، يعني نفسه، فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال له ذلك، فأعرض، فتنحى الرابعة، فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه، فقال: «أهو به جنون» ؟ قال: لا، قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذهبوا به فارجموه» متفق عليه.
٣١٣٧ - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاعترف بالزنا، فأعرض عنه، حتى شهد على نفسه أربع شهادات، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أبك جنون» ؟ قال: لا، قال: «أحصنت» ؟ قال: نعم، فأمر به فرجم» . . رواه أبو داود والترمذي والنسائي. وظاهر هذا: أن الحكم مرتب على الأربعة، وقد جاء أصرح من هذا.
٣١٣٨ - فعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «جاء ماعز إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين، فقال: «شهدت على نفسك أربع مرات، فاذهبوا به فارجموه» . ٣١٣٩ - وعن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: «كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم علي كتاب الله؛ حتى قالها أربع مرات، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنك قد قلتها أربع مرات فبمن» ؟ قال: بفلانة. قال: «هل ضاجعتها» ؟ قال: نعم، قال: «هل باشرتها» ؟ قال: نعم، قال: «هل جامعتها» ؟ قال: نعم، قال: فأمر به أن يرجم» ، وذكر الحديث. . . رواهما أبو داود، وهذا ظاهر وصريح في أن الأربع علة في ترتب الحكم عليها.
٣١٤٠ - وفي المسند «أن أبا بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال له بحضرة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك؛ وقوله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنيس: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» ونحو ذلك واقعة عين، إذ يحتمل أنه أحاله على ما عرفه من شرط الاعتراف، وكذلك قول عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الرجم حق على من أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف، يرجع إلى الاعتراف المعهود كالبينة، وشرط اعتبار الإقرار أن يكون من مكلف، وهو العاقل البالغ، فلو أقر المجنون أو الصبي فلا عبرة بإقرارهما، إذ لا حكم لكلامهما، وقد رفع القلم عنهما.
٣١٤١ - قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « «رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه حتى يبرأ» رواه أبو داود.
٣١٤٢ - وفي الحديث «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لماعز: «أبك جنون» ؟ قال: لا، وفي رواية في الصحيح أنه سأل قومه: «أتعلمون بعقله بأسا، تنكرون منه شيئا» ؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل، من صالحينا فيما نرى» ، انتهى. ومما في معنى المجنون من زال عقله بنوم، أو إغماء، أو شرب دواء، أو سكر، هذا ظاهر كلام الخرقي، وأقره عليه أبو محمد، وجزم بذلك.
ومقتضى كلام أبي البركات: جريان الخلاف فيه، وفي بعض نسخ الخرقي: وهو صحيح بالغ عاقل، وعلى ذلك شرح القاضي وأبو محمد، وفسر القاضي ذلك بحقيقته، وهو الصحة من المرض، فلا يجب على مريض في حال مرضه، وإن وجب عليه أقيم عليه بما يؤمن به تلفه، وهذا فيه نظر، فإن الحد إما أن يجب ويؤخر استيفاؤه إلى حين صحته، أو يجب ويستوفى منه على حسب حاله، فعلى كل حال ليس الصحة شرطا للوجوب، قاله أبو محمد.
ويحتمل أن يريد بالصحيح الذي يتصور منه الوطء، فلو أقر بالزنا من لا يتصور منه الوطء؛ كالمجبوب، فلا حد عليه، وهو كالذي قبله، لأن هذا فهم من قوله: عاقل.
(قلت) : ويحتمل أن يريد بالصحيح الناطق فلا يقبل إقرار الأخرس، لأنه إن لم تفهم إشارته فواضح، وإن فهمت فهي محتملة، وذلك شبهة تدرأ الحد، وهذا احتمال لأبي محمد، والذي قطع به القاضي الصحة، ويحتمل أن يريد بالصحة الاختيار، وأراد الصحة المعنوية فلا يصح إقرار المكره، ولا نزاع في ذلك. واعلم أنه يشترط في الإقرار أن يذكر حقيقة الفعل لتزول الشبهة.
٣١٤٣ - وفي قصة ماعز «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «أنكتها» ؟ قال: نعم. قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها» ؟ قال: نعم، قال: «كما يغيب الميل في المكحلة والرشاء في البئر» ؟ قال: نعم، قال: «هل تدري ما الزنا» ؟ قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من أهله حلالا» . . رواه أبو داود.
٣١٤٤ - وفي الصحيح عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «قال: لما أتى ماعز النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» ؟ قال: لا يا رسول الله، قال: «أنكتها» ؟ قال: لا يكني، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه» ، انتهى.
ولا يعتبر أن يكون في مجالس، لأن أكثر الأحاديث ليس فيها تعريض لذلك، ويعتبر في استقرار الإقرار دوامه، أن لا ينزع عنه حتى يتم عليه الحد، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، انتهى.
وإن ثبت الزنا بالبينة اعتبر أن يكون أربعة، وهذا إجماع في الجملة والحمد لله، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: ١٥] الآية، وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: ٤] ، وقَوْله تَعَالَى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور: ١٣] .
٣١٤٥ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن سعد بن عبادة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا، أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم» رواه مسلم ومالك في الموطأ. اهـ.
ويعتبر في الأربعة شروط: (أحدها) : أن يكونوا رجالا، فلا يقبل فهم امرأة، ولا خنثى مشكل بحال، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكرين، فظاهره الاكتفاء بأربعة، فلو أقمنا المرأتين مقام الرجل خرجنا عن ظاهر الآية لاشتراط خمسة.
(الثاني) : أن يكونوا من المسلمين، فلا تقبل شهادة أهل الذمة، كما لا تقبل روايتهم، ولا أخبارهم الدينية.
وسواء كانت الشهادة على مسلم أو ذمي، ولا عبرة برواية حنبل في قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض.
(الثالث) : أن يكونوا أحرارا، فلا تقبل شهادة العبد، للاختلاف في شهادته في سائر الحقوق، وذلك يؤثر شبهة في عدم قبوله في الحد، لاندرائه بالشبهة.
(وعن أحمد) لا يشترط ذلك، ولعله أظهر، لدخوله في عامة النصوص. (الرابع) : أن يكونوا عدولا، فلا تقبل شهادة فاسق، كما لا يقبل خبره، وكبقية الشهادات بطريق الأولى. وقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: ٦] الآية، ولا مستور الحال، وإن قبلناه في الأموال، احتياطا لهذا الباب وتضييقا له.
(الخامس) : أن يصفوا الزنا، فيقولوا: رأيناه غيب ذكره في حشفته أو قدرها في فرجها؛ لما تقدم عن ماعز، وإذا اعتبر ذلك في الإقرار ففي البينة أولى.
٣١٤٦ - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: «ائتوني بأعلم رجل منكم» فأتوه بابني صوريا فنشدهما: «كيف تجدان أمر هذين في التوراة» ؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: «فما يمنعكم أن ترجموهما» ؟ قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ فدعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - برجمهما» . . رواه أبو داود.
وهل يعتبر مع ذلك أن يذكروا (المكان) لاحتمال الاختلاف، فتكون شهادة أحدهم على غير الفعل الذي شهد به الآخر، (والمزني بها) لاحتمال الاختلاف في إباحتها، ولذلك قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لماعز: «فبمن» ؟ وهو اختيار القاضي، أو لا يعتبر ذلك، كما لا يعتبر في الإقرار، ولهذا لم يذكر المكان في قصة اليهود، ولا المزني بها في أكثر الأحاديث، وهذا اختيار ابن حامد؟ على وجهين، وأجراهما أبو البركات في الزمان والمكان، وهو واضح، وكلام أبي محمد يقتضي أنه لا يشترط ذكر الزمان بلا خلاف.
(السادس) : أن يشهدوا كلهم في مجلس واحد، ذكره الخرقي في غير هذا الموضع، فقال: إن جاء الأربعة متفرقين، والحاكم جالس في مجلس حكمه لم يقم، قبلت شهادتهم، وإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم كانوا قذفة، وعليهم الحد.
٣١٤٧ - وذلك لما روي أن أبا بكرة ونافعا، وشبل بن معبد شهدوا عند عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على المغيرة بن شعبة بالزنا، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة، ولو لم يشترط المجلس لم يحدهم، لجواز أن يكملوا أربعة في مجلس آخر، وفيه نظر، لأن قرينة حالهم تقتضي أنه لا رابع لهم إلا زياد، ولا يشترط مجيئهم جملة، بل شهادتهم في مجلس واحد، وفي قصة المغيرة أن أبا بكرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال لعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أرأيت لو جاء آخر فشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إي، والذي لا إله إلا هو، والذي نفسي بيده، والله أعلم.
[الرجوع عن الإقرار بالزنا]
٣٨٢٤ - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ألا أخبركم بخير الشهداء، الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها» رواه مسلم وغيره، في عدة أحاديث كما سيأتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم. قال: ولا يقبل في الزنا إلا أربعة. ش: هذا إجماع ولله الحمد، وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: ١٥] وقَوْله تَعَالَى: {لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور: ١٣] الآية، وحكم اللواط حكم الزنا، على أنه قد يدخل في اسم الزنا،
فإن الله سبحانه خاطب الحكام بقوله: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} [النساء: ١٥] أي والله أعلم من جنسكم وصفتكم، وهم الرجال المسلمون، وإلا لاكتفى بقوله: أربعة ثم الآية الكريمة تقتضي الاجتزاء بأربعة،