وَأما التَّحْرِيم بِسَبَب الرَّضَاع فَنَقُول كل من يحرم من الْفرق السَّبع بِسَبَب الْقَرَابَة يحرم بِسَبَب الرَّضَاع قَالَ الله تَعَالَى {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة} وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من النّسَب
احتجوا بقوله تعالى: {وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} . ووجه الدلالة من الآية: هو أن اللمس والنظر ليسا في معنى الدخول، ولهذا لا يتعلق بهما فساد الصوم والإحرام، ووجوب الاغتسال، فلا يلحقان بالوطء.
أحدها: المحرمات بالنسب، وهن سبع ذكرهن الله سبحانه وتعالى بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} فالأمهات: كل امرأة انتسبت إليها بولادة، وهي: الأم، والجدات من جهة الأم وجهة الأب وإن علون. والبنات: كل من انتسب إليك بولادة وهي ابنة الصلب وأولادها وأولاد البنين وإن نزلت درجتهن.
النوع الثاني: المحرمات بالرضاع، وهن مثل المحرمات بالنسب سواء، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} نص على هاتين، وقسنا عليهما سائر المحرمات بالنسب. وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» متفق عليه.
فإن فارق أمها قبل أن يدخل بها حلت له ابنتها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} .
واختلفت الرواية في قدر المحرم من الرضاع، فروي: أن قليله وكثيره يحرم، كالذي يفطر الصائم، لقول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . وروي: أن التحريم لا يثبت إلا بثلاث رضعات، لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان» وعن أم الفضل بنت الحارث قالت: قال نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان» رواهما مسلم.
وهي المذكورة في قول الله تعالى: " حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الاخ، وبنات الاخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا بين الاختين، إلا ما قد سلف " .
وهي التي بينها الله تعالى في قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الاخ وبنات الاخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة " .
وأما الدليل الثاني، وهو ما رواه مسلم من أن الرضعة أو الرضعتين لا يحرم، فقد رده الحنفية والمالكية فقالوا: إما أن يكون منسوخاً أو تكون روايته غير صحيحة. وذلك لأن الله تعالى قال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} فالله سبحانه لم يقيد الرضاعة بأي مقدار.
ولا بأس بالرضعة أو الرضعتين فقال قضاء الله خير من قضائه، قال تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} واستدلال ابن عمر بهذه الآية فيه رد للحديث المذكور" لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" إما بنسخ هذا الحديث وإما أن تكون الرواية غير صحيحة، وظاهر هذا أن إطلاق الكتاب الكريم في مقام التشريع والبيان لا يصح تقييده بخبر الواحد، لما عرفت من أن الأحاديث الظنية لا يصح أن تعارض المتواتر، ولهذا قال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، لأن ابن الزبير لم يقل ذلك من تلقاء نفسه، بل لا بد أن يكون مستمسكاً بحديث، فقال له ابن عمر: إن كتاب الله هو الذي يجب العمل به، وحيث ورد مطلقاً فلا يقيده الحديث،
٤ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "وهذا معنى تفسير: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} أنها الأم وإن علت، والابنة وإن سفلت، وهذا كله مجتمع عليه لا خلاف فيه " (٥) .
١١ - القرافي (٦٨٤ هـ) ، حيث قال بعد استدلاله بالآية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} : "أجمعت الأمة على أن المراد بهذا اللفظ القريب والبعيد من كل نوع " (٨) .
• وجه الدلالة: المرأة المعقود عليها امرأته؛ فتدخل أمها في عموم الآية، كما أن تحريم أمهات النساء كلام تام بنفسه، منفصل عن المذكور بعده؛ إذ هو معطوف على ما تقدم ذكره من قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (٢) .
قال فانكحها! قلت: وأين قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} قال: إنها لم تكن في حجرك، وإنما ذلك إذا كانت في حجرك (٢) .
٢ - وقال تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} ، معطوفًا على قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} . وجه الدلالة من هذه النصوص: دلت هذه النصوص على تحريم ما نكح الآباء على الأبناء، وما نكح الأبناء على الآباء.
{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} . ومعنى هذا: أن اللَّه تعالى غفر لهم الجمع بين الأختين فيما سلف من أمرهم، فيحرم بعد ذلك (٨) .
٤ - أن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- لمّا بلغه أن ابن الزبير قال: لا تحرم الرضعة والرضعتان قال: قضاء اللَّه خير من قضاء ابن الزبير، وتلا قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} .
فمثال الإجماع المستند إلى الكتاب: الإجماع المنعقد على أن الزواج بالجدة محرم (٢) ، والمستند إلى قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ، فالمراد بالأمهات في هذه الآية الأصول من النساء وإن علون، فهي بهذا المعنى تشمل جميع الجدات.
فصل في بيان المحرمات] قال: "لا يحل للرجل أن يتزوج بأمه ولا بجداته من قبل الرجال والنساء" لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ والجدات أمهات إذ الأم هي الأصل لغة أو ثبتت حرمتهن بالإجماع. قال: "ولا ببنته" لما تلونا "ولا ببنت ولده وإن سفلت" للإجماع "ولا بأخته ولا ببنات أخته ولا ببنات أخيه ولا بعمته ولا بخالته" لأن حرمتهن منصوص عليها في هذه الآية وتدخل فيها العمات المتفرقات والخالات المتفرقات وبنات الإخوة المتفرقين لأن جهة الاسم عامة. قال: "ولا بأم امرأته التي دخل بها أو لم يدخل" لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ من غير قيد الدخول "ولا ببنت امرأته التي دخل بها" لثبوت قيد الدخول بالنص "سواء كانت في حجره أو في حجر غيره" لأن ذكر الحجر خرج مخرج العادة لا مخرج الشرط ولهذا اكتفي في موضع الإحلال بنفي الدخول. قال: "ولا بامرأة أبيه وأجداده" لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ "ولا بامرأة ابنه وبني أولاده" لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ وذكر الأصلاب لإسقاط اعتبار التبني لا لإحلال حليلة الابن من الرضاعة "ولا بأمه من الرضاعة ولا بأخته من الرضاعة" لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ لقوله عليه الصلاة والسلام "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" .
كتاب الرضاع] قال: "قليل الرضاع وكثيره سواء إذا حصل في مدة الرضاع تعلق به التحريم" وقال الشافعي رحمه الله لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات لقوله عليه الصلاة والسلام "لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان" ولنا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ الآية وقوله عليه الصلاة والسلام "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" من غير فصل ولأن الحرمة وإن كانت لشبهة البعضية الثابتة بنشوز العظم وإنبات اللحم لكنه أمر مبطن فتعلق الحكم بفعل الإرضاع وما رواه مردود بالكتاب أو منسوخ به وينبغي أن يكون في مدة الرضاع لما نبين
، وأصل هذا أن الجمع بين الأختين المملوكتين لا يجوز وطئا لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ ولا يعارض بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ؛ لأن الترجيح للمحرم،
وأقول: معنى حرمة العين خروجها من أن تكون محلاً للفعل شرعاً كما أن حرمة الفعل خروجه من الاعتبار شرعاً فلا ضرورة إلى اعتبار الحذف أو المجاز وأيضاً الحرمة تشعر بالمنع فمعنى حرمة الفعل أن العبد منع من اكتسابه وتحصيله فالعبد ممنوع والفعل ممنوع عنه وهذا كما يقال: لا تشرب هذا الماء وهو بين يديه ومعنى حرمة العين أنها منعت على العبد تصرفاً فيها فالعين ممنوعة والعبد ممنوع عنه وذلك كما إذا صببت الماء الذي بين يديه فهذا آكد وأبلغ كذا في (التلويح) وقرر السيرافي أن إقامة العين مقام الفعل ليس بمعنى أن يوصف في المحل بالحرمة بدلاً عن توصيف الفعل بها لأن استعمال لفظ الأسد في الشجاع بدل عن استعماله في المفترس فيكون مجازاً بل معنى أن توصف العين بالحرمة حقيقة لكن المقصود منه إفادة حرمة الفعل ونفيه بالطريق الأولى لأنه يتصور بدون المحل فإذا انتفى المحل كان الفعل بالانتفاء أولى وبالمنع أحرى، فهذا كالكناية أريد بها الموضوع له لكن لا وإن بعدتا، وأخته، وبنتها، وبنت أخيه، وعمته، وخالته، لذاته بل لينتقل إلى لازمه فلا يكون من المجاز في شيء وفي (التحرير) وادعى فخر الإسلام وغيره من الحنفية الحقيقة بقصد إخراج المحل عن المحلية تصححه بادعاء تعارف تركيب منع العين لإخراجها عن محليته بالفعل المتبادر لا مطلقاً وفيه زيادة سبب العدول عن التعليق بالفعل إلى التعليق بالعين انتهى، وكأن المصنف إنما صرح بالتزويج بناء على ما هو المتبادر ثم هذا المصدر يجوز أن يكون مضافاً إلى فاعله أيضاً والظاهر أن الموجب يكون مرتكباً للنهي عن القائل ولم أره لهم (وإن بعدتا) أي: الأم والبنت وفيه إيماء إلى أن الجدة وإن علت وبنت وإن سفلت أم وبنت فيتناولهما، وقوله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} بطريق الوضع، إذ الم هي الأصل لغة، والبنت الفرع فتكون الأم والبنت حينئذ من المشكل، أو أن ذلك من عموم المجاز والمعروف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن والاستدلال على ذلك بالإجماع وبدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت لا يلائم ما في (الكتاب) وعم كلامه البنت من الزنا بأن زنا ببكر فأمسكها حتى ولدت بنتاً لما تلونا إذ هي بنته لغة والخطاب إنما هو باللغة/ العربية ما لم يحصل نقل وبه علم أن الإتيان بهذه الجملة، أعني {حرمت عليكم أمهاتكم} بعد قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} مع أن الأم ليست إلا منكوحة الأب ليس إلا الإفادة تحريم الأم على ابن لا أب له كما إذا زنا بامرأة فجاءت بولد، فهي أمه لا منكوحة أبيه؛
وحرم أيضاً تزوج امرأة أبيه (وابنه وإن بعدا) ، أي: الأب والابن لقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} بناء على أن الحليلة مأخوذة من الحل بكسر الحاء لكنه يقصر عن إفادة حرمة الموطوءة بملك اليمين أو بشبهة أو الزنا واعتبارها من حلول الفراش أو حل الإزار، يقصر أيضاً عن إفادة حرمة المعقود والكل رضاعاً، والجمع بين الأختين نكاحاً ووطئاً بملك يمين
تمييز أن النسبة إضافية والأصل بين نكاح أختين أو وطئهما لقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} إذ التحريم المذكور في أول الآية أضيف بواسطة العطف إلى الجمع وهو أعم من كونه عقداً أو وطئاً كذا في (الفتح) ، وقد يقال: إنه أعم لكن لابد أن يكون المعنى بين نكاح أختين، وعليه فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد
(ولا ببنت امرأته التي دخل بها) وإن سفلت (سواء كانت في حجره) أي عائلته (أو في حجر غيره) ، لأن ذكر الحجر خرج محرج العادة (الدليل على حرمة بنت الزوجة المدخول بها قوله تعالى في ذكر المحرمات: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} . والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة، والحجور: جمع حجر، والمراد به هنا البيت. وظاهر هذه الآية الكريمة أنه سبحانه قد قيد تحريم الربيبة على زوج أمها بقيدين: أحدهما أن تكون الربيبة في حجر زوج الأم: أي في بيته وتربيته، وثانيهما أن يكون الرجل قد دخل بالأم، ويؤخذ من مفهوم هذين القيدين أن الربيبة لو كانت تعيش في غير بيت زوج أمها لم يحرم عليه تزوجها،
وأما كون البنت في حجر زوج أمها فليس معتبراً، ولا هو شرط في التحريم، بل متى دخل الرجل بالمرأة حرمت عليه بنتها سواء أكانت تعيش معه في عائلته وتربيته أم كانت تعيش خارج عائلته، وذكر الحجور في الآية الكريمة خرج مخرج العادة؛ لأن العادة جارية بأن تكون البنات مع أمهاتهن في بيت أزواج الأمهات. وأظهر ما يدل على صحة هذا النظر أنه سبحانه حين أراد أن يبين متى تحل بنت الزوجة قال بعد ما تلونا:{فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} ولم يذكر مفهوم القيد الأول، فدل على أنه لم يخرج مخرج الشرط؛
(ولا بأمه ومن الرضاعة) وكذا جميع من ذكر نسباً ومصاهرة، إلا ما استثنى، كما يأتي في بابه، وإنما خص الأم والأخت اقتداء بقوله تعالى:{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة}
وهو بالفتح والكسر لغة: المص، وشرعا: مص لبن آدمية في وقت مخصوص و (قليل الرضاع وكثيره) في الحكم (سواء، إذا حصل) ذلك (في مدة الرضاع تعلق به التحريم) ؛ لقوله تعالى:{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم - الآية} ، وقوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) من غير فصل هداية
وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} فهؤلاء من القرابة واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: بأن يحمل ما تقدم على ما إذا كان صحيحا أو مختلفا في فساده ثم ما في النسخة التي بأيدينا من قوله ولا يحصن به الزوجين غير صواب والصواب ولا يحصن به الزوجان كما في نسخة التحقيق وأفاد التتائي أن للمصنف نسختين النسخة التي في التحقيق ونسخة ولا يحصن الزوجين بإسقاط به وهي ظاهرة أيضا "وحرم الله سبحانه وتعالى" على الرجال "من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاعة والصهر فقال عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} جمع أم وهي المرأة التي ولدتك وإن علت فأمك المباشرة للولادة محرمة عليك
أما السبعة " اللواتي من الرضاع والصهر" فأشار إليها {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} سواء كانت المرضعة بكرا أو ثيبا أو متجالة ولو كانت غير بالغ بل ولو كانت خنثى مشكلا حية كانت أو ميتة حيث كان في ثديها لبن ولو مع الشك {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} كان الرضاع في زمن واحد بأن صاحبتك في الرضاع أو في أزمنة بأن أرضعت قبل أن ترضع أو بعد أن رضعت ولم يذكر في القرآن من المحرم بالرضاع إلا الأم والأخت فالأم أصل والأخت فرع فنبه تعالى بذلك على جميع الأصول والفروع أي فروع الأصول {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} كل امرأة لها على زوجتك ولادة فهي أم امرأتك وإن علت وسواء عقد له عليها في حال بلوغه أو صباه وجمهور أهل العلم على أنها عامة فيمن دخل بها ومن لم يدخل به افالعقد على البنت يحرم أمها وكذا تحرم أم الزوجة بالرضاع وغير الجمهور كعلي وابن عباس رضي الله عنهما قالا إن قوله عز وجل: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} شرط في هذه وفي الربيبة فعلى مذهبهما إذا تزوج رجل امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فيجوز له أن يتزوج بأمها {وَرَبَائِبُكُمُ} جمع ربيبة فعيلة بمعنى مفعولة أو مربوبة أي مولى أمرها وهي بنت الزوجة وقوله: {اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له إجماعا إلا ما روي عن علي رضي الله عنه أنها لا تحرم إذا لم تكن في الحجر والحجر بفتح الحاء وكسرها مقدم ثوب الإنسان ثم استعمل في الحفظ والستر مجازا مرسلا من استعمال اسم السبب في المسبب لأن الحجر سبب
اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} للستر في الجملة واختلف في معنى الدخول من قوله تعالى: {اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فقال الشافعي رضي الله عنه: هو الجماع وأفاد البيضاوي أن قوله تعالى: {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع أي كناية مشهورة كما أفاده الشهاب وقال مالك وأبو حنيفة رحمهما الله: هو التمتع من اللمس والقبلة الخ فإن لم يقع شيء من ذلك فالربيبة حلال وإليه الإشارة
بقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي لا إثم عليكم حينئذ في نكاح الربيبة {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} جمع حليلة وهي زوجة الابن وإن سفل دخل بها الابن أو لم يدخل وقوله تعالى: {الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} تخصيص ليخرج من عمومه التبني أي من عموم أبنائكم الأبناء بالتبني وتحرم عليه حليلة الابن من الرضاع بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" أي فالابن من الرضاع حكم ابن الصلب في حرمة حليلته
والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} سواء كان بنكاح أو ملك أو كانت واحدة بنكاح وأخرى بملك فيمتنع أيضا
على آبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهة من نكاح أو ملك ولا يحرم بالزنا حلال أي توطأ "على آبائه وأبنائه" بمجرد العقد عليها ولا تتوقف حرمتها على الوطء فقوله حرمت على آبائه تفسير لقوله: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} وقوله: "وأبنائه" تفسير لقوله: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وقوله: "وحرمت عليه أمهاتها" تفسير لقوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} فبالعقد على البنت تحرم الأم دخل بها أو لم يدخل وقوله: "ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم أو يتلذذ بها" ولو بالنظر لغير الوجه ومثل الوجه الكفان "بنكاح أو ملك يمين" هذا خروج لغير الموضوع لأن الموضوع أنه عقد على الأم "أو" يتلذذ بها "بشبهة من نكاح أو" شبهة "من ملك" تفسير لقوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} فبالعقد على الأم لا تحرم البنت وإنما يحرمها الدخول بها أي وطؤها أو التلذذ ولو بالنظر لجسدها والنظر للوجه ولو مع لذة لغو اتفاقا
وأبنائه كتحريم النكاح والطلاق بيد العبد دون السيد ولا طلاق لصبي والمملكة والمخيرة لهما أن يقضيا ما دامتا في المجلس وله أن يناكر المملكة خاصة فيما فوق الواحدة "و" تحرم على "أبنائه" قياسا على زوجة الأب فتحريم المصاهرة يجري في الملك "كتحريم" المصاهرة في "النكاح" لعموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الآية "والطلاق بيد العبد دون السيد" لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنما يملك الطلاق من أخذ بالساق" كناية عن الزوج وهذا إذا تزوج بإذن السيد
بخلاف الحدود والطلاق فإنها تشطر عليه "وكل ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين من اللبن فإنه يحرم وإن مصة" وفي نسخة ولو مصة بالنصب وعلى كل من النسختين فهو خبر لكان المحذوفة التقدير وإن كان الواصل من اللبن مصة أو لو كان الخ "واحدة" عملا بمطلق قول تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} فإنه صادق ولو بمرة واحدة
وأما المعلوفة والعاملة فتجب الزكاة فيهما عندنا؛ لأن القيد في حديث: (في سائمة الغنم الزكاة (٣) ) عندنا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له نظير: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} ، فإنها تحرم ولو لم تكن في الحجر، وما يقال قدم عموم منطوق (في أربعين شاة (٤) )، فيه أن هذا مطلق، فيحمل على المقيد. قاله الشيخ الأمير.
وبدأ بمحرمات النسب فقال: وحرم أصوله يعني أنه يحرم علي الذكر أن ينكح أصوله أي أمهاته وإن [علين ]، لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} فالمراد بالأمهات من له عليه ولادة من النساء مباشرة أو بواسطة، فيحرم عليه نكاح أمه وأمها وإن علت وأم أبيه ومها وإن علت وأم أمه وأم أبي أبيه وكل من لها ولادة على من ذكر وإن علت. وفصوله يعني أنه يحرم على الذكر نكاح فصوله أي بناته لقوله تعالى: {وَبَنَاتُكُمْ} والمراد بالبنات من خرج منه من الإناث وإن سفلن من جهة المذكور أو من جهة الإناث، وهذا الذي قررت به المص من أن الضمير عائد على الذكر فقط هو للشيخ أحمد قائلا بعده: هذا هو الذي ينبغي أن يراد دون المذكور لأنه إن أريد بالأصول المذكور والإناث لم يحتج لقوله: "وفصوله" إذ هو مفيد لحرمة الأم وإن علت وحرمة الأب وإن علا، وهذا الثاني هو نكاح الفصول وإذا تعلقت الحرمة بالأم لزم قطعا تعلقها بالأب أي لأنها دائرة بينهما لا تختص بأحدهما دون الآخر.
{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ، وأشر قوله: "كوطئهما بالملك" أنه يحل جمعهما بالملك للخدمة أو إحداهما للخدمة والأخرى للوطء ويترك على أمانته في ذلك، وكما يحرم الجمع في الوطء فكذلك النظر للذة للمعصم والصدر. البرزلي: رأيت في بعض التقاييد عن سنن أبي داوود النهي عن جمع عمتين أو خالتين، وصورة العمتين أن يتزوج رجلان كل أم الآخر، وصورة الخالتين أن يتزوج كل بنت الآخر فيولد في المسألتين لكل بنت فكل واحدة من البنتين عمة الأخرى في الأولى، وكل منهما خالة الأخرى في الثانية ونظم ذلك بعضهم فقال: ولي خالة وأنا خالها … ولي عمة وأنا عمها
وأشار إلى نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (لبن الفحل يحرم) لكن قال ابن عبد السلام: وعندي أنه إذا تتبع الحديث لا يبعد حمل لبن فيه على المجاز والتشبيه، والأصل في تحريم الرضاع قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} وقوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (١) ) وقوله: (إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة (٢) ).
وقال الليث: إنه إجماع المسلمين، والقول الثاني هو مذهب ابن الزبير وسليمان بن يسار وابن جبير وأحمد وإسحاق وغيرهم، والقول الثالث هو مذهب الشافعي، والأولون تمسكوا بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} . وهذا ظاهر ولكن ظهوره لا يمنع من تقييدها ببعض الأحاديث الصحيحة، (فخرج أبو داوود في حديث سهلة أنه أرضعته خمس رضعات،
وهو قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} وهو أقوى من تحريم أخت الزوجة من الرضاع الثابت بالسنة، وهو خبر: (حرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ،
وأما قوله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} فمعناه أخت الشخص نفسه رضاعا، وكلام المصنف في أخت الزوجة كما هو ظاهر، أو لا يحد من وطئ أختا تزوجها على أختها مطلقا ثبت تحريم الجمع بالكتاب، كأخت النسب أو بالسنة كأخت الرضاع. قال المصنف: في ذلك تأويلان، قال عبد الباقي: حقه قولان لأنه ليس في المدونة نص على مسألة الجمع بين الأختين في نكاح باعتبار الحد لا وجوبا ولا سقوطا، وإنما ذكر فيها التحريم خاصة كالقرآن فما الذي يُأَوَّلُ؟
ثمَّ شرع فِي السَّبَب الثَّانِي الرَّضَاع بقوله (وَاثْنَتَانِ بِالرّضَاعِ) وهما (الْأُم الْمُرضعَة وَالْأُخْت من الرَّضَاع) لقَوْله تَعَالَى {وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم وأخواتكم من الرضَاعَة} فَمن ارتضع من امْرَأَة صَارَت بناتها الموجودات قبله والحادثات بعده أَخَوَات لَهُ وَإِنَّمَا ذكرت ذَلِك مَعَ وضوحه لِأَن كثيرا من جهلة الْعَوام يظنون أَن الْأُخْت من الرَّضَاع هِيَ الَّتِي ارتضعت مَعَه دون غَيرهَا ويسألون عَنهُ كثيرا فمرضعتك وَمن أرضعتها أَو ولدتها أَو ولدت أَبَا من رضَاع وَهُوَ الْفَحْل أَو أَرْضَعَتْه أَو أرضعت من ولدك بِوَاسِطَة أَو غَيرهَا أم رضَاع وَقس على ذَلِك الْبَاقِي من السَّبع بِالرّضَاعِ بِمَا ذكر لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يحرم من الرَّضَاع مَا يحرم من الْولادَة
قال: (ويحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) وهو السبب الثاني من الجنس الأول، ويدل له قوله تعالى:{وَأُمَّهَتُكُمْ الَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَعَةِ} نص على الأم والأخت وقسنا الباقي عليهما،
قال: (وتحرم زوجة من ولدت أو ولدك من نسب أو رضاع) هذا هو السبب الثالث وهو المصاهرة، ودليله قوله تعالى:{وَحَلَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ}، وقوله:{وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُم مِنَ النِسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَف}.
قال: (وكذا بناتها إن دخلت بها) ؛ لقوله تعالى:{وَرَبَئِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِن نِسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} وهذا القيد يرجع إلى الثاني فقط؛ لأنه مجرور بالحرف والأول بالإضافة،
لما أنهى الكلام في التحريم المؤبد .. شرع في ذكر الجنس الثاني وهو ما لا يقتضي حرمة مؤبدة، وهو أنواع: الأول: الجمع بين الأختين من النسب أو الرضاع، فيحرم الجميع بينهما بالإجماع المستند إلى قوله تعالى:{وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَد سَلَفَ} واستدل الرافعي له أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (ملعون من جمع ماءه في رحم أختين) وهو غريب، وسواء كانتا من الأبوين أو من أحدهما ابتداء أو دوامًا.
قال: (وتصير المرضعة أمه) ، لقوله تعالى {وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} فنص على هاتين لا لاختصاص الحكم بهما، بل للتنبيه بهما على ما في معناهما؛ لأن النسب مشتمل على قطب وجوانب، فنبه بالأم على قطب النسب، وبالأخوات على الجوانب؛ لأنهن أصل الجوانب لكونهن أول فصل.
وهُنَّ أقسام:
الأول: بالنسب، وهُنَّ سبع: (الأم، والجدة من كل جهة) أي: سواء كانت من جهة الأب، أو الأم (وإن عَلَتْ) لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}. وأمهاتك: كل من انتسبتَ إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ولدتك، أو مجازًا، وهي التي وَلَدتْ مَنْ ولَدَك وإن عَلَتْ، وارثة كانت أو غير وارثة. ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تلك أمُّكُم يا بني ماءِ السماءِ"،
(وحلائل أبنائه، وهُنَّ: كل من تزوجها أحَدٌ من بَنِيه، أو) من (بني أولاده، وإن نزلوا، من أولاد البنبن أو البنات، من نسب أو رَضاع) لقوله تعالى: {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} مع ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَحْرمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ"، وقوله تعالى:{الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} للاحتراز عمن يتبناه وليس منه
وأما قوله تعالى:{اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} فإنه لم يخرج مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفًا لها بغالب أحوالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه. (وهُنَّ) أي: الربائب المُحَرَّمات (بنات نسائهِ اللاتي دخل بهنَّ) صفة للنساء (دون) النساء (اللاتي لم يدخل بهن) فلا تحرم بناتهن؛ لقوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}.
وهو المشار إليه بقوله: (ويحرم الجمع بين الأختين) من نسب أو رضاع، حُرَّتين كانتا أو أمَتين، أو حُرَّة وأَمَة، قبل الدخول أو بعده؛ لقوله تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ}. (و) يحرم الجمع أيضًا (بين المرأة وعمتها، أو) بين المرأة و
وكذا (فأرضعت به - ولو مُكرَهة - طفلًا رَضاعًا مُحرِّمًا) بأن يكون خمسَ رضعات في الحولين - ويأتي - (صار) الطفل (ولدًا لهما) أي: للرجل والمرأة - والجملة جواب الشرط، وهو "إذا" - (في تحريم النكاح) لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ}؛ وللخبر السابق (و) في (إباحة النظر، و) إباحة (الخلوة، و) في (ثبوت المحرمية) لأن ذلك
ثم (المحرمات في النكاح ضربان) أي: صنفان: (ضرب) منهما يحرمن (على الأبد، وهن) أي: واللائي يحرمن على الأبد (أقسام) خمسة: (قسم) منها وهو الأول: اللائي يحرمن (بالنسب. وهن سبع: الأم) وهي الوالدة، (والجدة لأب) وهي أم الآباء وإن علت، (أو أم) أي: والجدة لأم وهي أم الأم وأم آبائها (وإن علت) ؛ لقوله سبحانه وتعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}، وأمهاتك: كل من انتسبت إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة وهي التي ولدتك، أو مجازاً وهي التي ولدت من ولدك وإن علت.
ولأن الأمهات والأخوات منصوص عليهن في قوله سبحانه وتعالى:{وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} والباقيات يدخلن في عموم لفظ سائر المحرمات. فيدخل في هذا البنات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وأخوات المرضعة وأمهاتها، وأمهات صاحب اللبن وأخواته، وكل امرأة من أنسابه، أو أنساب المرضعة؛ كعمته وعمتها وخالته وخالتها.
(و) الرابعة: (الربائب، وهن: بنات زوجة دخل بها وإن سفلن) من نسب أو رضاع؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ}. (أو كُنَّ) بنات (لربيب، أو) كن بنات (ابن ربيبة) وسواء في ذلك القريبات والبعيدات، والوارثات وغير الوارثات، وسواء كن في حجره أو لا في قول عامة الفقهاء؛ لأن الربيبة لا تأثير لها في التحريم.
والأول قول علي وعامة الفقهاء؛ لقوله سبحانه وتعالى:{فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، وهذا نص لا يُترك بقياس ضعيف. (أو أبانَها) أي: أبان الزوجة (بعد خلوة وقبل وطء: لم يحرمن) أي: لم تحرم عليه بناتها على الأصح؛ لأن الخلوة لا تسمى دخولاً.
من المحرمات في النكاح المحرمات: (إلى أمد. وهن) أي: المحرمات إلى أمد (نوعان: نوع) منها حرم (لأجل الجمع. فيحرُم) الجمع (بين أختين) ، سواء كانتا من نسب أو رضاع، حرتين كانتا أو أمتين أو حرة وأمة ، وسواء في هذا ما قبل الدخول أو بعده، لعموم قوله سبحانه وتعالى:{وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}.
(وتحرم به) أي: بوطء إحداهما (الأخرى) . نص على ذلك أحمد في وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٤٩) ٢: ١٧٠٢ كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة. رواية الجماعة؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى:{وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} فإنه يريد بها العقد والوطء جميعاً، بدليل أن سائر المذكورات في الآية يحرم وطؤهن والعقد عليهن.
(وبقي نكاح الصغيرة) على الأصح، لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، لقول الله سبحانه وتعالى:{فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}] النساء: ٢٣].
باب المحرمات في النكاح] وهن ضربان، أحدهما من تحرم على الأبد، وقد ذكره بقوله: (تحرم أبدا الأم وكل جدة) من قبل الأم أو الأب، (وإن علت) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}
وكذا بنت أخيهما وكذا أخت مستبرأته وبنت أخيها أو أختها أو عمتها أو خالتها لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تجمعوا بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» متفق عليه عن أبي هريرة.
وعنه: ينشرها ذكرها ابن أبي موسى واختارها ابن حامد قال: إذا ثاب لامرأة لبن من غير وطء فأرضعت به طفلًا نشر الحرمة في أظهر الروايتين وهو مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي: والشافعيُّ وأبي ثور وابن المنذر لقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: ٢٣] ، ولأنه لبن امرأة متعلق به التحريم كما لو ثاب بوطء، ولأن ألبان النساء خلقت لغذاء الأطفال،
فإن قال قائل: خصَّ النبيُّ ﷺ الأكل والشرب لأنَّه الأغلب استعمالاً؛ وما علِّق به الحكم لكونه أغلب لا يقتضي تخصيصه به كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ ، فتقييد تحريم الرَّبيبة بكونها في الحجر لا يمنع التَّحريم، بل تَحرُمُ،
وفي قراءة أخرى:«وأَحَلَّ لَكُم ما وَرَاء ذَلِكُم» بالبناء للفاعل، ولم يذكر الله عز وجل أم المزني بها وبنتها في المحرمات، وإنما قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ، ومعلوم أن المزني بها ليست من نسائه قطعاً؛ لأن نساءه زوجاته،
إذاً المحرمات إلى الأبد: الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت وما تفرع عنها، وما تفرع عن الأخ، والعمة، والخالة، هذه سبع، لكن الآية تغنيك عن هذا الذي قاله المؤلف، مع ما فيه من شيء من التعقيد، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ ، فهولاء سبعة حرام بالنسب، أمهاتكم وإن علون، وبناتكم وإن نزلن، وأخواتكم، سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، وما تفرع عنهن، وعماتكم وإن علون،
ومن العلماء من قال: إن الرضعة الواحدة تحرِّم؛ لأن الله تعالى أطلق في قوله: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فيقال: المطلق من القرآن إذا قُيِّد بالسنة صار مقيداً؛ لأن السنة شقيقة القرآن، فهي تبينه، وتفسره، وتقيد مطلقه، وتخصِّص عامَّه. فما هي الرضعة المحرمة، هل هي المصة، بحيث لو أن الصبي مص خمس مرات،
ولو تجاوز الحولين، أو الثلاثة أو العشرة، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ، وبناءً على هذا يجب أن نحذر بعض الأزواج الذين يرضعون من ثدي زوجاتهم ـ وهذا واقع ونُسأل عنه ـ لأن الناس الآن من شدة الترف أصبحوا يستمتعون بالنساء من كل وجه، فعلى هذا القول تكون أمه من الرضاع، وحينئذٍ ينفسخ، فينقلب الترف تلفاً، فهو يريد أن يترف نفسه بهذا، لكن بعده المفاصلة.
وأن إرضاع البكر لا عبرة به؛ لأنه ليس عن حمل، والصواب أنه مؤثر وإن لم يثب عن حمل لعموم الآية: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولأن المعنى واضح وهو تغذي هذا الطفل باللبن.
والدليل على أن الإرضاع مؤثر في تحريم النكاح قول الله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ ، فذكرت الآية صنفين أو نوعين، وأكملت السنة الباقي فقال النبي ﷺ :«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
مسألة: لو أن رجلاً زنى بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟ لا يحرم؛ لأنه لا يدخل في قول: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾، والزانية لا تدخل في هذا، فالمزني بها من ليست من حلائل الأبناء،
وقوله:«وزوجة ابنه وإن نزل» مثل: ابن ابنه، وابن بنته، وابن ابن ابن ابنه … إلخ، وقد اشترط الله ـ تعالى ـ في زوجة الابن أن يكون من الأصلاب، فقال تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ يعني الذين خرجوا من صلب الإنسان، احترازاً من الابن من الرضاع، وهذا هو الراجح، ولكن جمهور العلماء يقولون: إنه احتراز من ابن التبني، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ يعني لا من الأبناء الذين تبنيتموهم.
فلو تزوج امرأة وخلا بها، ولم تعجبه وطلقها فله أن يتزوج بنتها، سواء كانت من زوج سابق، أو من زوج لاحق لقول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ .
فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل: وإن لم يكُنَّ في حجوركم فلا جناح عليكم، فصرح بمفهوم القيد الثاني، وهو قوله: ﴿اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ وسكت عن مفهوم الأول، فيستدل بهذا على أن القيد الأول غير معتبر؛، وأكثر العلماء على ذلك،
وكذلك الأخت عند الإطلاق لا يدخل فيها الأخت من الرضاع، وإلا لما قال: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فلا دليل في الآية. كذلك قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ فإنه من المعلوم أن الأب من الرضاع لا يدخل في مطلق الأب أبداً، فلا يسمى أباً إلا بقيد الرضاع.
وأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ فقد تكون حجة عليهم؛ لأن الله قيد الأبناء بكونهم من الأصلاب؛ فقال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ وأجابوا: أن هذا القيد احتراز من ابن التبني، فيقال: إنه لا يمكن أن يحترز الله في القرآن عن ابن باطل شرعاً؛ لأن الابن الباطل شرعاً غير داخل حتى يحتاج إلى قيد يخرجه، فابن التبني ليس شرعياً من الأصل.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ وقال النبي ﷺ: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها»؛ والتعليل لأن الجمع بين هذه القرابة القريبة يؤدي غالباً إلى قطيعة الرحم؛ لأنه من المعروف أن الضرتين يكون بينهما عداوة وبغضاء وشحناء؛
لكن المراد هنا غير ما يراد في اللغة، فالمراد بالعشرة هنا المعاملة والالتئام بين الزوجين. «النساء»: المراد بالنساء هنا الزوجات، وليس عموم الإناث؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: الزوجات، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: الزوجات،
ولو شبهها بمن تحرم عليه إلى أمد فليس بظهار. وقوله:«بنسب أو رضاع» النسب معروف، والمحرمات بالنسب عدَّدَهن الله في القرآن، فقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ فهن سبع: الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت، والعمَّة وإن علت، والخالة وإن علت، وبنت الأخ وإن نزلت، وبنت الأخت وإن نزلت، هؤلاء سبع.
ونظير هؤلاء السبع من الرضاع حرام؛ لقول النبي ﷺ :«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وهذا تبيين للقرآن، فالقرآن يقول: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فجاءت السنة لتبيين هذا، فنقول: الأم من الرضاع وإن علت، والبنت من الرضاع وإن نزلت، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع وإن علت، والخالة من الرضاع وإن علت، وبنت الأخ من الرضاع وإن نزلت، وبنت الأخت من الرضاع وإن نزلت.
وإذا انفصل عنها فليس له حكم. «بقوله لها: أنت عليَّ أو معي أو مني كظهر أمي، أو كيد أختي، أو وجه حماتي ونحوه». التحريم بالمصاهرة كالتحريم بالرضاع والنسب، فيكون التشبيه بالمُحرَّمة بالمصاهرة، كالتشبيه بالمُحرَّمة من النسب والرضاع، والمحرمات بالصهر على الزوج أم زوجته وإن علت، وبنتها وإن نزلت، لكن بشرط أن يكون قد دخل بأمها؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَاَّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ،
«يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرمُ من النسب» هذه الجملة هي لفظ الحديث الوارد عن النبي ﷺ، فهي إذاً مسألة بدليلها، يعني أن ما حرمه النسب وهو القرابة يحرمه الرضاع، فلننظر بالحد والعد، بالعد اقرأ الآية الكريمة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ هذه سبع، فيحرم على الإنسان من الرضاع ما يحرم من النسب، يحرم عليه أمه من الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، كما في الآية تماماً، وعلى هذا فلا تتعب نفسك،
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، ولم يقل:«والمصاهرة» ومعلوم أن أم الزوجة، وبنت الزوجة، وأبا الزوج، وابن الزوج تحريمهم بالمصاهرة لا بالنسب بالإجماع، فيكون الحديث مخرجاً لذلك، وأيضاً فإن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ فخرج به الابن من الرضاع، فزوجته لا تحرم عليه؛ لأنه ليس ابناً لصلبه، ولكن هذه الآية أجاب الجمهور عنها بأنها احتراز من ابن التبني.
فالجواب: أن الأم عند الإطلاق لا تدخل فيها أم الرضاع، بدليل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ ثم قال بعدها: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولو كانت الأم عند الإطلاق يدخل فيها أم الرضاع ما ذكرت مرة ثانية.
وقالت الظاهرية: لا يشترط شيء، بل مطلق الرضاع ولو كان نقطة يحرم، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ولم يذكر عدداً، ولقوله عليه الصلاة والسلام لزوجة أبي حذيفة: أرضعيه تحرمي عليه ، ولم يقل: خمس رضعات، وبما في الصحيح في قصة الرجل الذي جاءته امرأة فأخبرت أنها أرضعته وزوجتَه، فأمر النبي ﷺ بفراقها، فقال: كيف وقد قيل ؟! ولم يسأل الرسول ﷺ أو يستفصل كم أرضعته، فهذا يدل على أنه لا يشترط العدد، والجواب عن هذه النصوص أنها مطلقة قيدها منطوق حديث عائشة، ومفهوم حديث:«لا تحرم المصَّة ولا المصَّتان».
والقول الثاني: أن الرضاع محرم ولو كان الإنسان له ستون سنة، حتى لو كان الراضع أكبر من المرضعة، فهذا شيخ كبير له ستون سنة رضع من امرأة شابة لها عشرون سنة مرة واحدة، يكون ولداً لها، وهذا رأي الظاهرية؛ لأنهم لا يرون سناً ولا عدداً فمتى حصل الرضاع فهو مؤثر، ودليلهم الإطلاق في قوله: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولقصة سالم مولى أبي حذيفة، وكان أبو حذيفة قد تبناه قبل أن يبطل التبني، يعني اتخذه ابناً له، وصار كابنه تماماً، يدخل البيت وزوجة أبي حذيفة لا تحتجب عنه، فلما أبطل الله التبني صار سالم أجنبياً من المرأة، فجاءت سهلة تشتكي إلى النبي ﷺ وتقول: إن سالماً كان أبو حذيفة قد تبناه، يدخل علينا ونكلمه، وقد بطل التبني فقال لها النبي ﷺ :«أرضعيه تحرمي عليه»، وهو كبير يقضي الحوائج، فقالوا: وهذا رضع وهو كبير، وقد حكم النبي ﷺ بأنه مؤثر، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى هذا فإذا كانت امرأة وأحبت أن تكشف لهذا الرجل، تقول له: تعال أنا أرغب أن أكشف لك،
وقال بعض أهل العلم: إن لبن الميتة ليس بمحرِّم؛ لأن هذا شيء نادر، والله عز وجل يقول: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ والميتة لا ترضع، فالآية تدل على فعل واقع من المرضعة، وهذا أقرب إلى الصواب.
فالدليل: عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ وليس في الكتاب ولا في السنة اشتراط أن يكون اللبن ناتجاً عن حمل فتبقى النصوص على عمومها. والتعليل: أن الحكمة من كون اللبن محرماً هو تغذي الطفل به،
محرما . (ما يحرم بالنسب) من الأَقسام السابقة أي وتحريم الرضاع كتحريم النسب، فكل امرأة حرمت بالنسب من الأقسام السابقة، حرم مثلها بالرضاع، كالأمهات، وجداتهن وإن علت، والأخوات لنص {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} فكل امرأة أرضعتك أمها، أو أرضعتها أمك، أو أرضعتك وإياها امرأة واحدة، أو ارتضعت أنت وهي من لبن رجل واحد، كرجل له امرأتان، لهما منه لبن، أرضعتك إحداهما، وأرضعتها الأخرى، فهي أختك، محرة عليك، بالآية، والحديث.
(القسمُ الثاني، المُحَرَّماتُ بالرَّضاعِ، فيَحْرُمُ به ما يَحْرُمُ بالنسَبِ سَواءً) والذي ذَكَرَه اللهُ تعالى اثْنَتان فقال سبحانَه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}. فالأُمَّهاتُ اللَّاتي أرْضَعْنَك وأُمَّهاتُهنَّ وجَدَّاتُهُنَّ وإن عَلَتْ دَرَجتُهُنَّ، على حَسَبِ ما ذَكَرْناه في النَّسَبِ، مُحَرَّماتٌ بالآيَةِ.
فإذا دَخَل بالأُمِّ، حَرُمَتْ عليه، سَواءٌ كانت في حِجْرِه، أو لم تَكُنْ في حِجْرِه، [في قول عامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن عمرَ، وعلي، رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّهما رَخَّصا فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرِه]. وهو قولُ داودَ؛ لقولِه تعالى:{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ}. قال ابنُ المُنذِرِ: وقد أجْمَعَ علماءُ الأمْصارِ على خِلافِ هذا القَوْلِ. وذَكَرْنا حديثَ عمرِو بنِ شُعَيبٍ في هذا،
وإن كانتِ المُباشَرَةُ لامرأةٍ مُحَلَّلَةٍ له، كامرأتِه ومَمْلُوكَتِه، لم تَحْرُمْ عليه ابْنَتُها. قال ابنُ عباسٍ: لا يُحَرِّمُ الرَّبِيبَةَ إلَّا الجِماعُ . وبه قال طاوُسٌ، وعمرُو بنُ دِينارٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ}. وهذا ليس بدُخُولٍ، فلا يُتْرَكُ النَّصُّ الصريحُ مِن أجْلِه.
فأمَّا مع خُلُوِّهِ مِن ذلك، فلا يُؤثِّرُ في تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؛ لِما في ذلك مِن مُخالفَةِ قولِه تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ}.
وقال مالكٌ، والشافعيُّ في المشهورِ مِن مَذْهَبِه: يجوزُ ذَلِك ؛ لأنَّها أجْنَبيَّةٌ منه، لا تُنْسَبُ إليه شَرْعًا، ولا يَجْرِي التَّوارُثُ بينَهما، ولا تَعْتِقُ عليه إذا مَلَكَها، ولا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، فلم تَحْرُمْ عليه، كسائِرِ الأجانبِ. ولَنا، قولُه تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ}. وهذه بِنْتُه، فإنَّها أُنْثَى مَخْلُوقَةٌ مِن مائِه، وهذه حقيقةٌ لا تَخْتَلِفُ بالحِلِّ والحُرْمَةِ، و يَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في امرأةِ هِلَالِ بنِ أُمَيَّة : «انْظُرُوهُ» يَعْنِي وَلَدَها «فَإنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَي صِفَةِ كذا فَهُوَ لشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ».
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الضَّرْبُ الثَّانِي، المُحَرَّماتُ إلى أمَدٍ، وهُنَّ نَوْعان؛ أحدُهما، المُحَرَّماتُ لأجْلِ الجَمْعِ، فيَحْرُمُ الجَمْعُ بينَ الأُخْتَين) سَواء كَانَتَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، حُرَّتَين كانَتَا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأَمةً، مِن أبَوَين كانَتا أو مِن أَبٍ أو أُمٍّ، وسَواءٌ في هذا ما قبلَ الدُّخُولِ أو بعدَه؛ لعُمُومِ قولِه تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ}.
والصحيحُ أنَّها لا تُحَرِّمُ، لأنَّ الحِلَّ ثابِت بقولِه تعالى:{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ}. ومُخالفَةُ ذلك إنَّما تَثْبُتُ بقولِه تعالى:{وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ}. والمُرادُ به الجَمعُ في العَقْدِ أو الوَطْءِ، ولم يُوجَدْ واحدٌ منهما، ولا ما في مَعناهما.
٣١٤٩ -
وقال القاسِمُ بنُ محمدٍ، وعروةُ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالكٌ، والشافعيّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ: له نِكاحُ جميعِ مَن سَمَّينَا في تَحرِيم الجمعِ . ورُوِيَ ذلك عن [زيدِ بنِ] ثابتٍ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ الجمعُ بينَهما في النِّكاحِ، بدَلِيلِ قولِه تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيكُم أُمَّهاتُكُم}. أي نِكاحُهُنَّ. وقال:{وَأَن تَجْمَعُوا بَينَ الأخْتَينِ}. معطوفًا عليه. والبائِنُ ليست في نِكاحِه، ولأنَّها بائِنٌ، فأشْبَهتِ المُطَلَّقَةَ قبلَ الدُّخولِ . ولَنا، قولُ علي، وابنِ عباس، ورُوِيَ عن عَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ أنَّه قال : ما أجْمَعَتِ الصَّحابَةُ على شيءٍ كإجْماعِهم على أربَع قَبْلَ الظُّهْرِ وأن لا تُنْكَحَ المرأةُ في عِدَّةِ أخْتِها.
وأما كون الأمهات من المحرمات بالنسب فلقوله تعالى:{حرمت عليكم أمهاتكم}. ويدخل في ذلك الوالدة؛ لأن اسم الأم حقيقة فيها، والجدات أم الأم وأم الأب وإن علت درجتهن؛ لأن الاسم يصح أن يتناولهن. وقد جاء:«أن أبا هريرة ذكر هاجر أم إسماعيل فقال: تلكَ أمُّكمْ يا بني ماءِ السماء».
وأما كون بنات الأخ وبنات الأخت منهن؛ فلأن الله تعالى قال:{وبناتُ الأخ وبناتُ الأخت}. ويدخل في ذلك أولادهم وإن سفلوا؛ لأن بنت بنت الأخ أو بنت بنت الأخت: بنت أخ وبنت أخت.
بخلاف قوله:{اللاتي دخلتم بهن}. وأما كون بنات من مُتن قبل الدخول يحرمن على روايةٍ؛ فلأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق والعدة. فيقوم مقامه في التحريم.
وأما كون الجمع بين الأختين يحرم؛ فلأن الله تعالى قال:{وأن تجمعوا بين الأختين}. ولا فرق بين الأختين من نسب أو رضاع. حرتين أو أمتين أو حرة وأمة. من أبوين كانتا أو من أب أو أم. قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية.
وقد شهد له قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٣] الآية إذا تقرر هذا فكما أنه لا يجوز الجمع بينهما في عقد النكاح، لا يجوز الجمع بينهما في العدة،
ش: قد نص الله سبحانه على عدة محرمات في كتابه العزيز، في قَوْله تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: ٢٣] الآية ونص نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عدة أيضا، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى، والله أعلم. قال: والمحرمات نكاحهن بالأنساب الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. ش: قد نص الله تعالى على ذلك كذلك، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} [النساء: ٢٣] (ويدخل في الأمهات) أمه التي ولدته، وجداته من قبل أبيه وأمه وإن علون، لصحة تناول الاسم للجميع.
[المحرمات بالأسباب] قال: والمحرمات بالأسباب الأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة. ش: يعني في كتاب الله سبحانه، ولهذا عمم بعد، قال الله سبحانه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] ويدخل في الأمهات الأم التي أرضعت الطفل، وأمهاتها، وجداتها،
ومن الرضاع، (وزوجات الأب) وإن بعد، ولم يرث، أو كان من رضاع، والأصل في ذلك كله قول الله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} [النساء: ٢٣] وقال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: ٢٢] وشرط تحريم الربيبة الدخول بأمها، كما نص الله سبحانه عليه،
وأن زوجته (وروي عن أحمد) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن أمهات النساء كالربائب، لا يحرمن إلا بالدخول ببناتهن؛ وقد يستدل له بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: ٢٣] على أن (دخلتم) راجع إلى الأمهات وإلى الربائب، وهو مردود بأن (نسائكم) الأول مجرور بالإضافة (ونسائكم) الثاني مجرور بحرف الجر، فالجران مختلفان، وما هذا سبيله لا تجري عليه الصفة كما إذا اختلف العمل.
٢٥١٦ - وقد روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعلي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أنهم قالوا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. يريدون بالمحللة قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] وبالمحرمة {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: ٢٣] فغلبنا آية التحريم احتياطا، وأيضا فآية التحليل قد خصصت بالاتفاق، فضعف عمومها، (وحكى القاضي) . وطائفة من أصحابه، والشيخان وغيرهم رواية بالكراهة من غير تحريم، معتمدين في ذلك على قوله في رواية ابن منصور - وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين: تقول: إنه حرام؟
قال: ولو كانتا أما وبنتا فأسلم وأسلمتا معا قبل الدخول فسد نكاح الأم، وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما. ش: إذا أسلم وتحته اثنتان إحداهما أم الأخرى، فأسلمتا معا قبل الدخول بالأم فسد نكاح الأم، لأنها أم معقود على ابنتها، فتدخل تحت قَوْله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: ٢٣] وأنكحة الكفار صحيحة أو في حكم الصحيحة،
[شروط الرضاع المحرم] قال: والرضاع الذي لا يشك في تحريمه أن يكون خمس رضعات فصاعدا. ش: اختلفت الرواية عن إمامنا أحمد في القدر الذي يتعلق به التحريم من الرضاع، فروي عنه أنه لا حد لذلك، بل قليل الرضاع وكثيره سواء، اعتمادا على إطلاق قَوْله تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» .
والمختار للقاضي وعامة أصحابه من الروايتين، لأنه لبن لم تجر العادة به لتغذية الطفل، أشبه لبن الرجل، وحكي عن أحمد رواية أخرى أنه ينشر الحرمة، وصححها أبو محمد في الكتاب الكبير، ولم يثبتها في الصغير، بل قال: الظاهر أنها قول ابن حامد. وهي مشعرة بظاهر إطلاق {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: ٢٣] وقول الخرقي: ممن يلحق نسب ولدها به. يحترز به عمن لم يلحقه النسب، كالزاني والملاعن،
وإن أطلق خرج على الروايتين في فعل بعض المحلوف عليه، لأن الحالف على كلام شخصين أو زيارتهما إذا كلم أو زار أحدهما فعل بعض المحلوف عليه، قال أبو محمد: ويمكن أن يقال: إن تقدير يمينه: لا كلمت هذا، ولا كلمت هذا؛ لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل وعامل مثل العامل الذي قبل المعطوف عليه، فيصير كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: ٢٣] أي وحرمت عليكم بناتكم،