ذكر في الفريضة التي قدرها الزوج، وذكر في الآية الأخرى ما دل على أنها تختص به في نفسها؛ لأنه قال {فأتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} والذي يقف على تراخيهما بعد الفريضة، هو الزيادة، لأن النقصان يتعلق باختيار المرأة،
احتجوا: بقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم} . قالوا: والمراد بالمحصنات ذوات الأزواج، فتقدير الآية: حرمت عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فإنه مباح.
وكذلك إن كاتبها؛ لأنه بسبيل من حلها بما لا يقف على غيرهما، فأشبه ما لو رهنها. وروي عن أحمد: أنه لا يحرم الجمع بين الأختين في الوطء، وإنما يكره لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} .
ولا ابنتي الخال، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ولأن إحداهما لو كانت ذكراً حلت له الأخرى، لكن يكره لما روى عيسى بن طلحة قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تزوج المرأة على ذي قرابتها مخافة القطيعة» وهذا محمول على الكراهة لما ذكرناه،
فإن زادها في صداقها شيئاً بعد انبرام العقد جاز، وكان الجميع صداقاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} .
إذا سبيت المرأة دون زوجها، انفسخ نكاحها، لقول الله تعالى: « {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . قال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية في سبي أوطاس، أصبنا سبايا ولهن أزواج في قومهن، فذكر ذلك لرسول الله، فنزلت الآية» .
فلا تحل للائط والملوط به أم الآخر ولا بنته، فهو ينشر الحرمة كوطء المرأة بلا فرق، وهذا هو المنصوص، ولكن قال في شرح المقنع: الصحيح أن اللواط لا ينشر الحرمة لأن النصوص عليه في آية التحريم إنما هو البنت لا الولد، فتدخل أم الملوط أو اللائط في عموم قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} .
ثم لا يجتمعان أبداً، فدلت هذه الروايات كلها على أن تحريم الزوجة على زوجها مؤبد. الحنفية - قالوا: إذا أكذب الرجل نفسه وأقيم عليه الحد، زال تحريم العقد، وحلت له بنكاح جديد، فهو تحريم مؤقت احتجوا على ذلك بقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وقوله تعالى: {فأنكحوا ما طاب لكم من النساء} فاللعان طلاق ثلاثا، لا يتأبد به التحريم.
ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح، فيختلط الحلال بالحرام ويمتزج ماء المهانة بما بماء العزة، ولأن الله تعالى يقول: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ثم قال {وحرم ذلك على المؤمنين} . وقد وري عن أبن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً) فإن الله تعالى يقول: {وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} فأباح نكاح غير المسافحين وأبطل نكاح غيرهما.
٢ - تخصيص قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} بما ورد في سنة النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- مبين للناس ما أنزل إليهم في كتاب اللَّه (٣) .
٢ - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث يوم حنين بعثًا قِبَل أوطاس، فأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه سبحانه وتعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، فهن لهم حلال إذا انقضت عدتهن (١) .
٢ - عن أبي سعيد الخدري -رضي اللَّه عنه- قال: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم حنين، بعث جيشًا إلى أوطاس، فلقوا عدوًّا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تحرجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل اللَّه في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ، أي
ألا أن تسبي وتسلم بعده؛ يعني أن الحكم على ما ذكر إلا في صورة واحدة، وهي أن يكون سبيها وإسلامها وقعا بعد إسلام زوجها حربيا أو مستأمنا، فلا يهذم السبي النكاح بل يكون زوجها أحق بها لأنها أمة مسلمة تحت مسلم، وهذا الاستثناء مقيد بأن يكون الزوج أسلم من غير سبي وهو في دار الحرب أو مؤمن، وبما إذا أسلمت قبل حيضة، وبما إذا لم يبعد ما بين إسلامها وإسلامه، ومثل إسلامها عتقها، وقوله: "بعده" ، يتنازعه الفعلان، وقوله: "وهدم" بدال مهملة ومعجمة، ومعنى هذم بمعجمة: قطع بسرعة، وبمهملة: أسقط ونقض، والضمير في قوله: "بعده" ، يعود على إسلام الزوج، وقوله: "وهذم السبي النكاح" ، الأصل فيه ما روى ابن وهب عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: أصبنا سبيا يوم أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فاستحللناهن أي أن المحصنات وهن ذوات الأزواج محرمة عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي،
وكذا فرعه الحر الصغير والمجنون عند السبي عن الاسترقاق لا زوجته فإذا سبيت ولو بعد الدخول انقطع نكاحه حالا وإذا سبي زوجان أو أحدهما انفسخ النكاح بينهما لما في خبر مسلم [رقم: ١٤٥٦] : أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطئ المسبيات المتزوجات نزل {وَالْمُحْصَنَاتُ} أي المتزوجات {مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [٤ سورة النساء الآية: ٢٤] . فحرم الله تعالى المتزوجات إلا المسبيات.
فائدة:
علم من كلام المصنف دوام النكاح مع البيع، وأنه لا يكون طلاقًا، وهي مسألة اختلف الصحابة فيها إذا كان المشتري غير زوجها، فقال ابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأنس وجابر وآخرون: إن بيعها طلاق، واحتجوا بقوله تعالى:{وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ} فيقتضي أن كل مزوجة ملكتها يمينتا تحل لنا،
قال: (وما صح مبيعًا .. صح صداقًا) قل أو كثر؛ لقوله تعالى:{أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم}، وقوله صلى الله عليه وسلم:(ولو خاتمًا من حديد)، وتزوج عبد الرحمن بن عوف على وزن نواة من ذهب، وهي اسم لخمسة دراهم.
قال: (وحامل مسبية أو زال عنها فراش عنها فراش سيد: بوضعه) ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم:(ولا حامل حتى تضع) وفيها نزل قوله تعالى) {وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآء إِّلَّا مَأ مَلَكَتْ أَيْمَنكُمْ} أي: بالسبي، رواه مسلم.
وبمعنى الإصابة في النكاح الصحيح: ومنه: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}، وهو المراد هنا. قال الجوهري: يقال: أحصن الرجل فهو محصن، بفتح الصاد، وهو أحد ما جاء على: أفعل فهو مفعل.
قال: (وإذا سبي الزوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين) ، سواء كانا صغيرين أو كبيرين، وسواء كان ذلك قبل الدخول أم بعده؛ لأن الرق إذا حدث يزيل ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى، ولأن المسلمين امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا، فأنزل الله تعالى:{والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء} ِ أي: المتزوجات {إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} رواه مسلم، فحرم المتزوجات إلا المملوكات، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا ..
وكذلك الحديث، ويحققه: أن الإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله؛ لقوله تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، والصداق يجب قبل الاستمتاع؛ وهذا هو الجواب عن الحديث. ويدلُّ له: أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قلتم: تجب الأجرة شيئًا فشيئًا.
(وجُعلن أمهات المؤمنين) قال الشيخ تقي الدين : والزوجية باقية بينه وبينهن، من ماتت عنه، أو مات عنها قال تعالى:{وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} (في تحريم النكاح، ووجوب احترامهنَّ، وطاعتهن، وتحريم عقوقهن) دون الخلوة والنظر والمسافرة ونحوها (ولا يتعدَّى تحريم نكاحهن إلى قرابتهن) فلا تحرم بناتهن، ولا أمهاتهن، ولا أخواتهن، ونحوهن على المؤمنين (إجماعًا (٣) ) لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}.
فإنَّ هؤلاء غير منصوص عليهنَّ في التحريم، فيدخلن في عموم قوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}؛ ولأنهنَّ غير منصوص عليهنَّ، ولا هُنَّ في معنى المنصوص عليه، فوجب ألَّا يثبت حكم التحريم فيهن،
(ويُكره) للرجل أن يجمع (بين بنتي عَمَّيه، أو) بنتي (عمَّتيه، أو بنتي خاليه، أو بنتي خالتيه، أو) يجمع بين (بنت عَمِّه وبنت عَمَّته، أو) يجمع بين بنت خاله وبنت خالته) لما روى أبو حفص، عن عيسى بن طلحة قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنْ تُزوَّج المرأةُ على ذي قرابَتِها؛ مخَافةَ القطيعةِ" أي: لإفضائه إلى قطيعة الرحم، كما تقدم ، لكن لم يحرم؛ لقوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}؛
(وإن أصدقها تعليمَ شيء معيَّن من القرآن؛ لم يصحّ) الإصداقُ؛ لأن الفروج لا تُستباح إلا بالمال؛ لقوله تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} والطَّوْل المال؛ ولأن تعليم القرآن قُربة،
(وإن أصدقها طلاق امرأة له أخرى، أو أن يجعل إليها طلاق ضَرَّتها إلى سنة) مثلًا (لم يصحّ) لقوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، وعن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلُّ لرجلٍ أنْ يَنكح امرأة بطلاق أخرى" و (كما لو أصدقها خمرًا، ولها مهر مِثْلها) لفساد التسمية.
(والزيادة على الصَّداق بعد العقد تلحق به) لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}؛ ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر، فكان حالة للزيادة كحالة العقد، وبهذا فارق البيع والإجارة. (و) معنى لحوق الزيادة: أنه يثبت لها حكم المُسمَّى في العقد فيكون (حكمها حكم الأصل المعقود عليه، فيما يقرِّره) كله (وينصِّفه) ولا تفتقر إلى شروط الهبة
(وينفسخ نكاج زوجة حربي بسبي) إن سبيت دون زوجها؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}] النساء: ٢٤]. قال المفسر ون: با لسبي.
وقد روى أبو سعيد الخدري قال. " أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}] النساء: ٢٤ [" . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
قال في " شرح المقنع ": ولا نعلم في هذا خلافاً. (لا بناتهن وأمهاتهن) يعني: أنه لا يحرم على الرجل بنات حلائل آبائه وأبنائه ولا أمهات حلائل آبائه وأبنائه. فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة والده وولده ؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}.
(لعارض يزول. فتحرم) عليه (زوجة غيره) ؛ لقوله سبحانه وتعالى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. (ومعتدَّته) أي. معتدة غيره؛ لقوله سبحانه وتعالى:{وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ}. (ومستبرأة منه) أي: من غيره؛ لأن تزويجها زمن استبرئها يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وسواء في ذلك المعتدة من وطء مباحٍ أو محرم أو من غير وطء؛ لأنه لا يؤمن أن تكون حاملاً.
(وتستحب تسميته) أي: تسمية الصداق (فيه) أي: في النكاح، لقوله سبحانه وتعالى: (وأحِل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) ] النساء: ٢٤].
ولنا: قول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} ولأن ما بعد العقد زمن لفرض المهر. فكان حالة للزيادة؛ كحالة العقد. وبهذا فارق البيع والإجارة.
ولأنه لو زنا بها لم تحرم عليه على التأبيد فهذا أولى. ولأن آيات الإباحة عامة؛ كقوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}.وقوله: (الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) فلا يجوز تخصيصها بغير دليل.
الثاني: ان يكون الوطء في نكاح؛ لأن النكاح يسمى إحصانا؛ بدليل قول الله سبحانه وتعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء} يعني: المتزوجات. ولا خلاف بين أهل العلم في أن وطء الزنا ووطء الشبهة لا يصير به الواطئ محصنا؛ كوطء التسري.
(ويحرم) بالمصاهرة بـ (العقد) وإن لم يحصل دخول ولا خلوة (زوجة أبيه) ولو من رضاع، (وزوجة كل جد) وإن علا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} . (و) تحرم أيضا بالعقد (زوجة ابنه وإن نزل) ولو من رضاع لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} (دون بناتهن) أي بنات حلائل آبائه وأبنائه، (و) دون (أمهاتهن) فتحل له ربيبة والده وولده وأم زوجة والده وولده لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} .
(وإن أصدقها تعليم قرآن لم يصح) الإصداق، لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} وروى البخاري «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زوج رجلا على سورة من القرآن ثم قال:" لا تكون لأحد بعدك مهرا» "
لأنه وطء في الفرج فنشر الحرمة كوطء المرأة ، قال الشارح : والصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة فإن هؤلاء منصوص عليهن فيدخلن في عموم قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] ووطء المرأة يثبت أحكامًا لا يثبتها اللواط، فلا يجوز إلحاقه به لعدم العلة وانقطاع الشبه أو ضعفها جدًا.
فلو قال: آجرتك بنتي بألف ريال فلا يصح؛ لأن الأجرة لا تستعمل في النكاح إطلاقاً، لكن لو قال: أجرتك بنتي على صداق قدره ألف ريال هنا يصح العقد؛ لأن فيه ما يدل على أن المراد بالأجرة هنا النكاح، وقد سمى الله تعالى المهر أجرة فقال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ .
وكذلك أمُّ المزني بها ليست من أمهات نسائك، إذاً فتكون حلالاً لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وفي قراءة و «أَحلَّ لكم ما وراء ذلك».
وعلى هذا فالآية تدل على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الذي نراه ونرجحه أنه لا دخل للرضاع في المصاهرة؛ وذلك لأن لدينا عموماً من القرآن فلا يمكن أن نخرمه إلا بدليل بَيِّن، وهو قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ و «ما» اسم موصول تفيد العموم، فأي إنسان يقول: هذه المرأة حرام، نقول له: ائت بدليل.
وإذا قلنا: تملك، يعني أنه ليس مشاركاً، لكن له أن يتملك، والمراد هنا أن له التملك، وحينئذٍ نقول: إن أمة ابنه حلال له، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز للأب أن يتزوج أمة ابنه إذا تم في حقه شروط جواز نكاح الإماء.
والقول الثاني في هذه المسألة: أنه يجوز للحرة أن تنكح عبد ولدها، ولا حرج فيه، ولا يقال: إن هذه المسألة غريبة، كيف تكون؟! نقول: ربما تكون أم السيد امرأة شابة، ولابنها عبد شاب جميل مثلاً، فأحبته وأحبها، وطلبت من ابنها أن يزوجها هذا العبد، فهذا يجوز، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وعبد ابنها ليس أباها، ولا ابنها، وأخاها، ولا عمها، ولا خالها، ولا ابن أخيها، ولا ابن أختها، فأين الدليل على المنع؟!
فإذا كان مالكاً له من الأصل، فعدم انعقاد النكاح من باب أولى، وهذه المسألة مبنية على أصل ضعيف، والمبني على الضعيف أضعف منه، وعلى هذا يجوز للإنسان أن يزوج عبده أمه، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ .
وأما التعليل فمن ثلاثة أوجه:
أولاً: أنه في هذه الحال جعل مهر كل واحدةٍ بُضْع الأخرى، فهل هذا ابتغى بمالِهِ أو ابتغى بفرج موليته؟ الجواب: ابتغى بفرج موليته، والله تعالى يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم، وهذا الرجل طلب النكاح بفرج موليته، فجعل فرج موليته هو المهر. ثانياً: أنه في هذه الحال عادت منفعة الصداق إلى غير المرأة، فعادت إلى الولي، والله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي: عطية بلا تقصير، فأضاف الصداق إليهن، وأمر بإعطائهن إياه نحلة، وهنا ما أعطينا هذه المسكينة صداقاً.
فإذا كان هناك مهر فلا خلو، وأيضاً فإن الله قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وهذا الرجل قد ابتغى بماله فقد بذل مهراً، فيكون النكاح صحيحاً بالمهر، سواء كان قليلا أم كثيراً.
وخالف في ذلك من أهل البدع الروافض، فإنهم يجيزون نكاح المتعة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وكأنهم لم يلتفتوا إلى الأحاديث الواردة في هذا، مع أن الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فهذا مُفرع على ما سبق أن الإنسان يبتغي بماله حال كونه محصناً غير مسافح، ومعلوم أن نكاح المتعة يشبه السفاح، كأنه إجارة على الوطء والاستمتاع مدة معينة، ولكن معنى الآية أنكم إذا استمتعتم بهن فإن الأموال التي أعطيتموهن حق لهن،
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن شرط عدم المهر فاسد مفسد؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ، فقيد النكاح بابتغاء المال، يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم التي تبذلونها، ولأن الله ـ تعالى ـ ذكر فيما أحل لنبيه ﷺ أن تهب المرأة نفسها له فقال: ﴿﴾ ،
وأن الزيادة على ذلك جائزة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ، ولم يحدد، ولأن النبي ﷺ في قصة ثابت بن قيس رضي الله عنه حين كرهته امرأته، وقد أصدقها حديقة، والحديقة غالباً ليست هذه قيمتها، بل قيمتها أكثر من ذلك، فقال لها عليه الصلاة والسلام :«أتردين عليه حديقته؟»، قالت: نعم، قال:«اقبل الحديقة وطلقها تطليقة»، فعلم من ذلك أنه تجوز الزيادة، ولأن الأصل الجواز إلا بدليل، واستدل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً﴾ القنطار يقولون: إنه ملء جلد العجل من الذهب، وهذا شيء كثير، وبعضهم قال: ألف دينار، فهل في هذه الآية ما يدل على جواز الزيادة؟
فرع عن الجواز، فكل صحيح جائز، وكل محرم فاسد، فلما قالوا: إنه صحيح، معناه أنه ليس محرماً؛ لأن المحرم لا يكون صحيحاً، لكن هل هو جائز أو مكروه؟ المذهب أنه جائز، ولا بأس به؛ لأنه كغيره من الأعواض، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ والباء للعوض، فكما أنه يجوز تأجيل الثمن والأجرة، فكذلك يجوز تأجيل الصداق، بل قد سماه الله تعالى أجراً، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكل عقد بشروطه وصفاته يجب الوفاء به، إلا ما دل الدليل على تحريمه، فالأمر بالوفاء، أمر بالوفاء بأصل العقد، وبما شرط فيه؛
أما قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ، فالمراد بالنساء هنا الإناث، وعلى هذا فكلمة «النساء» تارة يراد بها الزوجات، وتارة يراد بها عموم النساء، حسب ما يقتضيه السياق.
فعندنا ثلاثة احتمالات:
هل تحل للثاني الذي وطئها في العدة في حال النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ الجواب: تحل، والدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهذا الرجل ليس بينه وبين هذه المرأة محرمية،
ولكن ظواهر الأدلة تدل على خلاف قول الجمهور؛ لأن الله ـ تعالى ـ ذكر المحرمات ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فيكون الأصل الحل، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك تحريم بيِّن،
فإن هؤلاء غير منصوص عليهن في التحريم، فيدخلن في عموم قوله -تعالى-: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] (٢)؛ ولأنهن غير منصوص عليهن ولا في حكم المنصوص عليه، فوجب ألا يثبت حكم التحريم فيهن)، انتهى ملخصًا.
والآيَةُ دَالَّةٌ عليه، وقد روَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: أصَبْنا سَبايا يومَ أوْطاسَ، ولَهُنَّ أزْواجٌ في قَوْمِهِنَّ، فذَكَرُوا ذلك لرَسُولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنَزَلَت:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. رَواه التِّرْمِذِىُّ ،
فصل: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا في سَبْىِ الزَّوْجَيْنِ، بينَ أن يَسْبِيَهما رجلٌ واحدٌ أو رجلان. ويَنْبَغِى أنْ يُفَرَّقَ بينَهما، فإنَّهما إذا كانا مع رَجُلَيْن، كان مالِكُ المرأةِ مُنْفَرِدًا بها، ولا زوجَ معها، فتَحِلُّ له؛ لقَوْلِه تعالى:{إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا سُبِيا، فهما على النِّكاحِ في المَقاسِمِ،
فإن غلَبَتْ عليه الشَّهْوَةُ، أُبِيحَ له نِكاجُ مُسْلِمَةٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، ويَعْزِلُ عنها كيْلا تَأْتِىَ بوَلَدٍ. ولا يَتَزَوَّجُ منهم؛ لأنَّها تَغْلِبُه على وَلَدِها، فيَتْبَعُها على دِينِها. قال القاضى: قولُ الخِرَقِىِّ هذا نَهْىُ كَراهَةٍ، لا نَهْىُ تَحْريمٍ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، فلا يَحْرُمُ بالشَّكِّ والتَّوَهُّمِ، وإنَّما كَرِهْنا له التَّزَوُّجَ منهم مَخافَةَ أن يغْلِبُوا على وَلَدِه، فيَسْتَرِقُّوه، ويُعَلِّمُوه الكفرَ، ففى تَزْويجه تعْرِيضُه لهذا الفَسادِ العظيمِ، وازْدادَتِ الكَراهَةُ إذا تَزَوَّجَ منهم؛
وكذلك الحَدِيثُ، يُحَقِّقُه أنَّ الأمرَ بالإيتاءِ في وقتٍ لا يَمنَعُ وُجُوبَه قبلَه، كقولِه تعالى:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. والصداقُ يَجِبُ قبلَ الاسْتِمتاعِ. وهذا هو الجَوابُ عن الحَدِيثِ، ويَدُلُّ عليه أنَّه إنَّما تَوَعَدَّ على تَزكِ الإيفاءِ بعدَ الفراغِ مِن العَمَلِ، وقد قُلْتُم: يَجِبُ الأجْرُ شيئًا فشيئًا. ويَحتَمِلُ أَنه تَوَعَّدَه على تَركِ الوَفاءِ في الوَقْتِ الذي تَتَوَجَّه المُطالبة فيه عادةً. جَوابٌ آخَرُ، أنَّ الآيَةَ والأخْبارَ إنَّما وَرَدَتْ في مَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَل،
لقولِه تعالى:{وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ}. ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا. ولا تَحْرُمُ بَناتُهنَّ، فيَحِلُّ له نِكاحُ رَبِيبَةِ ابْنِه وأَبيه؛ لقولِه تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. الرابعةُ، بناتُ النِّسَاءِ اللَّاتِي دَخَل بِهِنَّ، وهُنَّ الرَّبَائِبُ، فلا يَحْرُمْنَ إلَّا بالدُّخُولِ بأُمَّهاتِهِنَّ، وهُنَّ كُل بِنْتٍ للزَّوْجَةِ، مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، قريبةً أو بعيدةً، وارِثَةً أو غيرَ وارثةٍ، على حَسَبِ ما ذَكَرْنا في البناتِ،
فإنَّ هؤلاء غيرُ مَنْصُوصٍ عليهنَّ في التّحْرِيمِ، فيَدْخُلْن في عُمومِ قولِه تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّهُنَّ غيرُ مَنْصوصٍ عليهنَّ، ولا هنَّ في معنى المَنْصُوصِ عليه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فيهِنَّ،
فأمَّا تَحرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِ الله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولأنَّها مُحَلَّلة لغيرِ الزَّانِي، فحَلَّتْ له، كغيرِها.
وقولِه:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ} الآية. وروَى أبو سعيدٍ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث يَوْمَ حُنَينٍ بَعْثًا قِبَلَ أوْطَاسٍ ، فأصابُوا لهم سَبَايَا، [فكان ناسٌ] مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحَرَّجُوا مِن غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْلِ أزواجهنَّ مِن المشْرِكِينَ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ}. قال: فهُنَّ لهم حلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ.
وقال تعالى:{فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}. وأمَّا السُّنَّةُ؛ فرَوَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ رَدْعَ زَعْفَرانٍ ، فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَهْيَمْ؟ » فقال: يا رسولَ اللهِ، تَزَوَّجْتُ امرأةً قال:«ما أصدَقْتَها؟». قال: وَزْنَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ. فقال:«بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ ولَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفَقٌ عليه . وأجْمَعَ المسلمونَ على مَشْرُوعِيَّةِ الصَّداقِ في النِّكاحِ. وللصَّداقِ تِسْعةُ أسماءٍ؛ الصَّداقُ، والصَّدُقَةُ، والمَهْرُ، والنِّحْلَةُ، والفَرِيضَةُ، والأجْرُ، والعَلائِقُ، والعُقْرُ، والحِبَاءُ.
وفي لَفْظٍ عن جابِرٍ، قال: كُنَّا نَنْكِحُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على القَبْضَةِ مِن الطَّعام. روَاه الأثْرَمُ . ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}. يدخُلُ فيه القَلِيلُ والكَثِيرُ. ولأنَّه بَدَلُ مَنْفَعَتِها، فجاز ما تَراضَيا عليه [مِن المالِ]، كالعَشَرةِ وكالأُجْرةِ. وحَدِيثُهم غيرُ صحيحٍ، رَواه مُبَشِّرُ بنُ عُبَيدٍ، وهو ضَعِيفٌ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، وهو مُدَلِّسٌ، ورَوَوْه عن جابرٍ، وقد رَوَينا عنه خِلافَه.
فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إزَارُكَ، إنْ أعْطَيتَها جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شَيئًا». قال: لا أجِدُ. قال:«الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ». فالتَمَسَ فلم يَجِدْ شَيئًا. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «زَوَّجْتُكَهَا بما معَك مِنَ القُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّها مَنْفعَةٌ مُعَيَنّةٌ مُبَاحَةٌ ، فجازَ جَعْلُها صَداقًا، كَتَعْلِيمِ قَصِيدَةٍ مِن الشِّعْرِ المُباحِ. ولَنا، أنَّ الفُرُوجَ لا تُسْتَباحُ إلَّا بالأمْوالِ؛ لقولِه تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}.
مسألة: (وإن أصْدَقَها طَلاقَ امْرأةٍ له أُخْرَى، لم يَصحَّ. وعنه، يصِحُّ. فإن فاتَ طَلاقُها بمَوْتِها، فلها مَهْرُها في قِياسِ المذْهَبِ) ظاهِرُ المذْهَبِ أنَّ المُسَمَّى ههُنا لا يَصحُّ، ولها مهرُ مِثْلِها. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وقولُ أكثر الفقهاءِ؛ لأنَّ هذا ليس بمالٍ، وقد قال اللهُ تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}. ولأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَسْأَلُ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها, لتَكْتَفِئَ ما في صَحْفَتِها ، ولتَنْكِحْ، فإنَّما لها ما قُدِّرَ لها».
إمَّا أن يكونَ تَحْرِيمُها بالعَقْدِ، أو بالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسدِ، أو بهما، وجميعُ ذلك لا يَقْتَضِي التَّحْريمَ، بدليلِ ما لو نَكَحَها بلا وَلِي ووَطِئَها، ولأنه لو زَنَى بها، لم تَحْرُمْ عليه على التَّأبيدِ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ آياتِ الإِباحةِ عامَّة، كقولِه تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. وقولِه:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ}. فلا يجوزُ تَخْصِيصُها بغيرِ دليل، وما رُوِيَ عن عمرَ في تَحْرِيمِها، فقد خالفَه على فيه، ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه رَجَعَ عن قولِه في التَّحْرِيمِ إلى قولِ علي،
لأَنَّ ذلك الوَطْءُ الذى تَتَعَلَّقُ به أحْكامُه. الثانى، أن يكونَ في نِكاحٍ، لأَنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى إحْصانًا، بدَليلِ قولِه تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ}. يعنى المُتَزَوِّجاتِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَطْءَ الزِّنى، ووَطْءَ الشُّبْهَةِ، لا يَصِيرُ به الوَاطِئُ مُحْصَنًا. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ التَّسَرِّىَ لا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ لواحدٍ منهما، لكَوْنِه ليس بنِكاحٍ، ولا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه. الثالثُ، أن يكونَ النِّكاحُ صَحِيحًا. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ إلَّا أن يَمْلِكَ مالًا زَكَويًّا، اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال:{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}. فلم يَتَناوَلْ إلَّا الزَّكَويَّ. ولَنا، أنَّ غيرَ الزَّكَويَّةِ أمْوالٌ، قال اللهُ تعالى:{أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}. وهي ممَّا يجوزُ ابْتِغاءُ النِّكاحِ يها.
روى أبو سعيد الخدري قال:«أصبنا سبايا يومَ أوطاس ولهن أزواج في قومهن. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت: {والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ... الآية} [النساء: ٢٤] » رواه الترمذي،
ولو قدر أنه أراد بعد الفراغ فالأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله. دليله {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} والصداق يجب قبل الاستمتاع. وهذا هو الجواب عن الحديث. ثم يحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي يتوجه المطالبة فيه عادة. ويمكن أن يحمل على الإجارة في الذمة. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما كون بنات أمهات نسائه وبنات حلائل آبائه وأبنائه لا يحرمن بذلك؛ فلأن المحرم ما ذكر، وهو مفقود فيهن. فيدخلن في عموم قوله:{وأُحِلّ لكم ما وراءَ ذلكم}.
أما كون الصداق مشروعاً في النكاح فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {وأُحِلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم مُحْصِنِين غيرَ مسافحين}، وقوله تعالى:{وآتوهن أجورهن}، {وآتوا النساء صدقاتهن نِحْلة}.
أما كون تعليم شيء من القرآن معين لا يصح أن يكون صداقاً على المذهب؛ فلأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال؛ لأن الله تعالى قال:{أن تبتغوا بأموالكم}، وقال:{ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات}. والطَّوْل: المال.
وأن كل جدة أم فكل أخت لهما عمة وخالة، (ويدخل في بنات الأخ، وبنات الأخت) كل بنت أخ وإن سفلت، وقد استفيد من كلام الخرقي تخصيص هؤلاء بالذكر بأنه لا يحرم من عداهن فلا تحرم بنات العمات، ولا بنات الخالات، وقد نص الخرقي على ذلك بعد، ولا بنات الأخوال، ولا بنات الأعمام، ولا ريب في ذلك، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ} [الأحزاب: ٥٠] إلى {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ} [الأحزاب: ٥٠] والأصل المساواة، لا سيما وقد دخلن في عموم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] واختصار ما تقدم أن جميع أقارب النسب حرام، إلا الأربعة المذكورة في آية الأحزاب، والله أعلم.
٢٥٠٠ - فعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أريد على بنت حمزة، فقال: «إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم» وفي لفظ «من النسب» .
٢٥٠١ - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» متفق عليهما.
٢٥٠٢ - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله حرم من الرضاعة ما يحرم من النسب» رواه أحمد والترمذي وصححه، وقد استثنى بعض الأصحاب من هذا العموم صورتين (إحداهما) أم أخته (والثانية) أخت ابنه، فإنهما لا يحرمان، والصواب عند الجمهور عدم استثنائهما، لأن أم أخته. إنما حرمت في غير الرضاع لكونها زوجة أبيه، وذلك تحريم مصاهرة، لا تحريم نسب، وكذلك أخت ابنه إنما حرمت لكونها ربيبته.
(تنبيه) لا فرق بين الرضاع المباح والمحظور، على ظاهر كلام الخرقي وغيره، كأن يكره امرأة على الرضاع أو يغصب لبنها فيسقيه الطفل، وقد ذكر ذلك القاضي في تعليقه بما يدل على أنه إجماع، والله أعلم.
[لبن الفحل محرم] قال: ولبن الفحل محرم. ش: لا نزاع بين أهل العلم في أن حرمة الرضاع تنتشر من جهة المرأة، واختلفوا هل تنتشر من جهة الرجل الذي اللبن له، فذهب الجمهور إلى أنه ينتشر منه، كما ينتشر من المرأة، فيصير الطفل ولد الرجل، والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته، سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها، وإخوة الرجل وأخواته أعمام الطفل وعماته. وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته، لأن اللبن من الرجل، كما هو من المرأة.
٢٥٠٣ - وفي الصحيحين «عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعد ما أنزل الحجاب، فقلت: لا والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، وإنما أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل علي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ائذني له فإنه عمك تربت يداك» قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب. وهذا نص، والله أعلم.
[الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها] قال: والجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها. ش: هذا أيضا مما ثبت بسنة المبين لكتاب ربه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
٢٥٠٤ - فروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» وفي لفظ قال: «نهى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها» متفق عليهما.
٢٥٠٥ - وللبخاري والترمذي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مثله. ٢٥٠٦ - وفي التمهيد عن ابن عباس نحوه، وفيه: وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» وبهذا يتخصص عموم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] مع أن هذا كالإجماع، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على ذلك. وليس فيه بحمد الله اختلاف إلا عن بعض أهل البدع ممن لا يعتد بخلافه كالروافض والخوارج.
٢٥٠٧ - يروى أن رجلين من الخوارج أتيا عمر بن عبد العزيز، وكان مما أنكرا عليه رجم الزانيين، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، وقالا: ليس هذا في كتاب الله. فقال لهما: كم فرض الله عليكما من الصلوات؟ قالا: خمس صلوات في اليوم والليلة. وسألهما عن عدد ركعاتها، فأخبراه بذلك، وسألهما عن مقدار الزكاة ونصبها؛ فأخبراه، فقال: فأين تجدان ذلك في كتاب الله؟ قالا: لا نجده في كتاب الله، قال: فمن أين صرتما إلى ذلك؟ قالا فعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ والمسلمون بعده، قال: فكذلك هذا. ولا فرق بين العمة القريبة والبعيدة، وكذلك الخالة، والضابط أن كل امرأتين لو قلبت إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج بالأخرى لأجل القرابة، لم يجز الجمع بينهما، حذارا من قطيعة الرحم القريبة، وبهذا حرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها، لأن الأخ لا تباح له بنت أخيه، وابن الأخت لا تباح له خالته، وأبيح الجمع بين بنتي عمين، وبنتي خالين، وبنتي عمتين، وبنتي خالتين، لأن ابن العم له أن يتزوج بنت عمه، وابن الخال يتزوج بنت خاله، لكن هل يكره حذارا من قطيعة الرحم، وإن كانت بعيدة أو لا يكره؟ فيه روايتان، والله أعلم. [حرمة زوجة الأب على الابن وزوجة الابن على الأب بالعقد]
وإن كان الأولى تأخيره إلى هنا، إلا بنات من نكحهن الآباء والأبناء، لدخولهن في عموم: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] وأمهاتهن إنما حرمن لكونهن حلائل الآباء والأبناء، وبناتهن لسن بحلائل، وبهذا فارقن ابنة الربيبة، إذ ابنة الربيبة ربيبة، وابنة الحليلة ليست حليلة، والله أعلم.
٢٥١٦ - وقد روي عن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعلي وابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أنهم قالوا: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. يريدون بالمحللة قَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] وبالمحرمة {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} [النساء: ٢٣] فغلبنا آية التحريم احتياطا، وأيضا فآية التحليل قد خصصت بالاتفاق، فضعف عمومها، (وحكى القاضي) . وطائفة من أصحابه، والشيخان وغيرهم رواية بالكراهة من غير تحريم، معتمدين في ذلك على قوله في رواية ابن منصور - وسأله عن الجمع بين الأختين المملوكتين: تقول: إنه حرام؟
قال: وأمته الكتابية حلال له دون المجوسية. ش: أمته الكتابية حلال له، لعموم قوله سبحانه: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: ٥ - ٦] ولأن نكاح الأمة الكتابية غير المملوكة له إنما حرم حذارا من إرقاق ولده، وإبقائه مع كافرة، وهذا معدوم في مملوكته، ولا تباح له أمته المجوسية، ولا الوثنية بطريق الأولى، لعموم ما تقدم في تحريم نكاح المجوسيات ونحوهم،
٢٥٢٩ - ويؤيده ما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث يوم حنين بعثا إلى أوطاس، فلقوا عدوهم فقاتلوهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن أناسا من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] » أي فهن لهن حلال إذا انقضت عدتهن.
وكذلك ابن عقيل، مدعيا أن أحمد رجع عنها، وأبو العباس يقول: توقف عن لفظ الحرام، ولم ينفه، وبالجملة قد استدل لهذه الرواية بقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: ٢٤] .
وقال ابن حمدان: والمجوسي لا يتحصن بوطء ذات رحمه المحرم. والله أعلم. كتاب الصداق ش: الصداق العوض الواجب في عقد النكاح أو ما قام مقامه، فالواجب يشمل المسمى ومهر المثل، إن لم يكن مسمى، وما قام مقام النكاح، ليدخل وطء الشبهة، وله ثمانية أسماء (الصداق) ، (والنحلة) ، قال الله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: ٤] (والأجر) (والفريضة) ، قال الله سبحانه: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: ٢٤] .
٢٦١٢ - (والعلائق) يروى «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: «أدوا العلائق؟» قالوا: يا رسول الله وما العلائق؟ قال: «ما يرضى به الأهلون» (والعقر) بضم العين، وسكون القاف.
٢٦١٣ - قال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لها عقر نسائها. (والحباء) ممدودا بكسر الحاء، قال الشاعر:
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنب وكان الحباء من أدم
والأصل في مشروعيته الإجماع، وقد دل عليه ما تقدم من الآيتين، وقَوْله تَعَالَى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: ٢٤] الآية.
٢٦١٤ - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه ردع من زعفران، فقال: «مهيم؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: «ما أصدقتها؟» قال: وزن نواة من ذهب» . رواه الجماعة.
(تنبيه) : (ردع) فتح الراء، وسكون الدال المهملتين، أي لطخ وأثر لم يعمه كله، وروي: درع (ومهيم) بفتح الميم كلمة يمانية، أي ما هذا وما شأنك؟ (ووزن نواة) اسم لما زنته خمسة دراهم، ذهبا كان أو فضة، كالأوقية للأربعين على الأشهر، وقيل: كانت قدر نواة من ذهب قيمتها خمسة دراهم ونصف، وقيل ثلاثة دراهم وربع، وقيل: ربع دينار. والله أعلم. [مقدار الصداق وما يشترط فيه]
وقد تضمن كلام الخرقي أن من شرط صحة التسمية الرضى ممن هو معتبر منه، ولا نزاع في ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: ٢٤] .
ولو عدم صح النكاح، فكذلك إذا فسد، ولأن النكاح قد يخلو عن مهر، بدليل تزويج عبده من أمته، على اختيار القاضي، وكثير من أصحابه، وتزويج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذا انفرد عنه صح وإن فسد الصداق كالعقدين، (والرواية الثانية) : لا يصح، اختاره الخلال وصاحبه، والجوزجاني، لظاهر قَوْله تَعَالَى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النساء: ٢٤] فجعل سبحانه الحل بالمال، وما ذكر ليس بمال، ولأن النكاح لا بد فيه من مهر، وما رضيا به لا يصح مهرا، وما جعله الشارع وهو مهر المثل لم يرضيا به، حيث سميا مهرا،
والمختار للأصحاب من الروايتين، لعموم: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ} [المائدة: ٥] وغير ذلك، ولأنه لو زنا بها لم تحرم عليه أبدا، فهذا أولى، (والرواية الثانية) تحرم أبدا.