وهو نوعان. أحدهما: نشوز المرأة، وهو معصيتها زوجها فيما يجب له عليها من حقوق النكاح، فمتى ظهر منها إمارات النشوز، مثل أن يدعوها فلا تجيبه، أو تجيبه مكرهة متبرمة، وعظها وخوفها الله تعالى وما يلحقها من الإثم والضرر بنشوزها من سقوط نفقتها وقسمها وإباحة ضربها وأذاها، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} .
قال تعالى: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم (٣) " مع ما يضاف إلى ذلك من توثيق الصلات، وإيجاد أسباب المودة والرحمة.
قال الله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا (٢) نشوز الزوجة: هو عصيان الزوج وعدم طاعته أو امتناعها عن فراشه، أو خروجها من بيته بغير إذنه.
وأما أسباب وجوبها، فثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك، وقد ثبتت النفقة لهؤلاء بالكتاب، والسنة، والإجماع، قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} ، وقال: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب النفقة على الزوجة، والأولاد، والوالدين، والأقارب وأما السنة فهي مملوءة بالحث على الإنفاق على الأهل، والأقارب، والمماليك،
ضرب المرأة لتأديبها اتفقت كلمة فقهاء المسلمين على جواز ضرب الزوجة إذا نشزت، أو خالفت أمره، أو ارتكبت فاحشة. لقوله الله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجرونهن في المضاجع، واضربوهن} أي ضرباً مؤلماً غير مبرح فلا يكسر عضواً،
ولا يجوز أن يقال: إنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه، لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد إلزامهم الحجة. غيرة المسلم على عرضه إن الإسلام قد حارب الزنا من أول وهلة فدعا الناس إلى العفاف والتمسك بالطهر والفضيلة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عفوا تعف نساؤكم) ورغب في التزوج بالنساء المصونات الصالحات العفيفات الحافظات لفروجهن فقال تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} وقال تعالى:
ولا الانتقام، وكذلك الأب، أو آلم إذا ضرب أحدهما ولده بقصد التأديب، فمات، لا شيء عليهما، والمعلم، صنعة، أو علماً، أو قرآناً، إذا ضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على التعليم، والاستفادة منه، فمات، بسبب هذا الضرب الذي يتعلم منه بقصد الحمل على ضرب الزوجة بقصد التربية، والنهي عن المنكر، والحث على الاستقامة، فماتت بسبب ضربه، لا شيء عليه، لأن الشرع وضع الزوجة أمانة في عنقه، يربيها، ويهذبها، ويكسوها، ويطعماه، أباح له الضرب إذا خرجت عن طاعته، أو خاف نشوزها قال تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} الآية.
(وكذلك في حالة نشوز المرأة، وفي حالة منع الزوج من حقه مع القدرة لقوله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن} الآية ٣٤ من سورة النساء. فقد أباح الشارع الضرب عند المخالفة، فكان فيه تنبيه من الشارع الحكيم إلى التعزير،
إذا خاف الرجل من امرأته نشوزًا (٧) فله أن يستخدم ما أرشد اللَّه سبحانه وتعالى إليه من تعامل معها في قوله: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: الآية ٣٤] فلا يجوز له أن يضربها ابتداءً لمجرد
وقال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} ، وهو على حذف مضاف أي تخافون ضرر نشوزهن، وبدأ بما إذا كان التعدي من الزوجة فقال: "ووعظ من نشزت" . قاله الشبراخيتي.
فإن لم يظن إفادته بأن شك لم يجز له ضربها لأن إذاية الضرب شديدة شرعت لإصلاح الحال، والوسيلة الشديدة إذا لم يترتب عليها مقصدها لم تشرع، فلا يرد الوعظ والهجر لأن الضرب أشد منهما، وخبر: (لا تضربوا إماء الله (١) ) محمول على الضرب لغير سبب يقتضيه أو على العفو لأنه الأولى لا على النسخ لأنه لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وليس في قوله: "من نشزت" مخالفة للآية: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ؛
فهذه ثلاثة أحوال:
الأول: أن تتعدى هي، قال الله تعالى:{واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ} فجعل الله تعالى معاقبتها في النشوز بثلاثة أشياء: وعظها وهجرها وضر بها، وهي مرتبة على أحوالها الثلاثة التي ذكرها المصنف: إن خاف .. عظها،
قال: (حر) فلا تصح ولاية الرقيق، ولا من بعضه رقيق، سواء تعلق به سبب العتق كالمكاتب والمدبر أو لا بالقياس على الشهادة، ولأنه ناقص عن ولاية نفسه، فعن ولاية غيره أولى. قال: (ذكر) فلا تصح ولاية المرأة ولو فيما تقبل شهادتها فيه ولو بين النساء؛ لقوله تعالى:{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}.
(وإذا ظهر منها أَمَارات النُّشُوز؛ بأن تتثاقل) إذا دعاها (أو تدافع (١) إذا دعاها إلى الاستمتاع، أو تجيبه مُتبرِّمة مُتكرِّهة، ويَخْتَلَّ أدبُها في حقِّه؛ وعَظَها) بأن يَذكُرَ لها ما أوجب الله عليها من الحقّ، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وما يسقط بذلك من النفقة والكُسوة، وما يُباح له من هجرها وضَرْبها؛ لقوله تعالى:{وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ}.
(وإن أصرَّت) على ما تقدّم (وأظهرت النُّشُوز؛ بأن عَصَتْهُ، وامتنعت من إجابته إلى الفراش، أو خرجت من بيته بغير إذنه، ونحو ذلك؛ هجرها في المضجع ما شاء) لقوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ}.
وفي أي زمان، إلا إذا أضر بها، أو شغلها عن فرض. كل هذا تحقيقاً للسيادة من الزوج على زوجته، وتحقيقاً لكونهن عواني عندنا، كما قال النبي ﷺ :«إنهن عوانٍ عندكم»، ولهذا كثر حث النبي ﷺ على الرفق بالنساء؛ لأن الزوج قد يستعلي عليها؛ لأنه سيدها، فحثه الله عز وجل، والنبي ﷺ على المعاشرة بالمعروف والرفق، استمع قول الله عز وجل ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي فيما يجب ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني اذكروا بِعُلُوِّكم عليهن علوَّ الله عز وجل، وبكبريائكم عليهن كبرياء الله عز وجل.
وهل لها أن تباشره وتستمع به؟ نعم؛ لأنها كما أنه يريد منها ما يريد، فهي ـ أيضاً ـ تريد منه ذلك، وإنما قال المؤلف:«يباشرها» لأن الزوج هو الذي له الولاية والقوامة عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ .
«أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع، وينفردُ إن أراد في الباقي» أي: عليه أن يبيت ليلة من أربع عند الحرة، فيبيت عندها في المضجع، لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أي: في الفراش، وليس المعنى أنه يبيت ـ مثلاً ـ في حجرة وهي في حجرة في البيت، بل يبيت في المضجع ليلة من أربع، وثلاث ليالٍ من الأربع له أن ينفرد، والدليل أن امرأةً جاءت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالت تثني على زوجها: إن زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، وليس لي منه حظ، فأمير المؤمنين رضي الله عنه استغفر لها، وأمرها بالصبر، وأثنى على زوجها ثم انصرفت، وكان عنده كعب بن سوار فلما انصرفت قال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قضيت حاجتها، قال: لماذا؟
أما في المشورة والإرشاد والنصح فإنه ينبغي أن يشار على الزوج، فيقال: إن هذه زوجتك ولا ينبغي أن تهجرها؛ لأن الله ـ تعالى ـ يقول: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ،
وفي هذه الحال له أن يعاملها معاملة أخرى أشد من هذا، وهي أن يعظها، ويهجرها، ويضربها لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ .
«فإن أصرت ضربها غير مبرح» هذه المرتبة الثالثة فيضربها ضرباً غير مبرح، لقول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ لكن لو قال قائل: إن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ فذكرها بالواو الدالة على الاشتراك وعدم الترتيب؟
وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ توجيهات عظيمة من الرب عز وجل، يعني ما قال: أطعنكم ورجعن إلى الصواب، فذكروهن ما مضى، وتقولون: فعلتِ كذا، وفعلتِ كذا، أو أنا
قلت: كذا، وما أشبه ذلك، مما يبعث الأمور الماضية، بل قال: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: اتركوا كل ما مضى، ولا يكن في أذهانكم أبداً، وهذا من الحكمة؛ لأن ذكر الإنسان ما مضى من مثل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقة وشدة ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ .
وقوله:«ولا عذر» فإن كان هناك عذر فإنه ليس كالمولي، ويبقى حتى يزول عذره، وهل من العذر إذا نشزت أو خاف نشوزها وهجرها؟ نعم، لقول الله تبارك وتعالى : ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ .
الخامس: ألاَّ يسرف، فإن أسرف كان ضامناً؛ لأنه معتدٍ، والله تعالى يقول في النساء الناشزات: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ ، والآية مطلقة، لكن النبي ﷺ بيّن أنه ضربٌ غير مبرِّح .
«ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً ضمِنه المؤدِّب» الزوج يُتَصَوَّر أن يؤدب امرأته بأن تكون ناشزة، والله تعالى قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
فإن أظْهَرتِ النُّشوزَ، وهو أن تَعْصِيَه، وتَمْتَنِعَ مِن فِراشِه، أو تَخْرُجَ مِن مَنْزِلِه بغيرِ إذْنِه، فله أن يهْجُرَها في المضْجَعِ ما شاءَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ}. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ .
وإذا ظهر من المرأة ما يخاف معه نشوزها مثل أن تتثاقل إذا دعاها أو تجيب متبرمة متكرهة، وعظها بأن يذكر لها ما يلين قلبها من ثواب وعقاب، فيذكر لها ما وجب له عليها من الطاعة، وما عليها في مخالفته، لقول الله سبحانه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: ٣٤] فإن أصرت على ذلك وأظهرت النشوز، بأن امتنعت من إجابته إلى الفراش، أو خرجت من بيتها بغير إذنه ونحو ذلك، هجرها في المضجع ما شاء، لقوله سبحانه: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء: ٣٤] وله هجرها في الكلام، لكن فيما دون ثلاثة أيام.
٢٦٧٤ - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يحل لمسلم يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» فإن أصرت على الامتناع فله أن يضربها، لقوله سبحانه: {وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: ٣٤] ويضربها ضربا غير مبرح، أي غير شديد.
٢٦٧٥ - لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح» رواه مسلم، وتقدير الآية الكريمة على هذا التقرير عند أبي محمد: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ} [النساء: ٣٤] فإن نشزن فاهجروهن في المضاجع،