وينبغي لهما أن ينويا الإصلاح لقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} وإن يلطفا وينصفا ويرغبا ويخوفا ولا يخصا بذلك أحدهما دون الآخر
وأصل ذلك كله قول الله سبحانه: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " (٢) ، والله تعالى يقول أيضا: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وقد فات الامساك بمعروف، فتعين التسريح بإحسان والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: " لاضرر ولا ضرار " .
فإذا حدث بين الزوجين شقاق فمن السنة أن يتوسط بينهما من يستطيع التأثير عليهما من أهلهما فإن عجزوا عن الاصلاح واشتد الشقاق إلى درجة يخشى معها الخروج عن حدود الله تعالى فإنه في هذه الحالة يصح المفارقة بعوض أو بغير عوض، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها} الآية، والمراد بالحكم الرجل الصالح للحكم، وإنما كان بعث الحكمين من الأهل، لأن الأهل لهم تأثير على النفوس أكثر من
٢ - ابن عبد البر (٤٦٣ هـ) حيث قال: "أجمع العلماء على أن معنى قول اللَّه عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} [النساء: الآية ٣٥] أن المخاطب بذلك الحكام والأمراء" (٣) .
من أهلهما إن أمكن يعني أنه يتعين كون الحكمين من أهلهما أي الرجل والمرأة، فيبعث حكم من أهله وحكم من أهلها كما قال عز وجل: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} ، ومحل هذا إنما هو حيث أمكن كون الحكمين من أهلهما، فلا يجوز كونهما أجنبيين مع الإمكان أي مع إمكان كون الحكمين من أهل الزوجين،
وعليهما الإصلاح يعني أن الحكمين يجب عليهما الإصلاح بين الزوجين قبل النظر في الطلاق؛ بأن يجتمع كل واحد من الحكمين بقريبه ويسأله عما نقم وما كره من صاحبة، ويقول له إن كانت لك حاجة في صاحبك رددناه إلى ما تختار منه ويكون ذلك منهما المرة بعد المرة ولا يلازمانهما، وعليهما أن يجتهدا في الإصلاح ما استطاعا قال تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ، قال ابن عباس: إن يريدا إصلاحا يوفق الله بين الزوجين،
ولما كان التوفيق عزيزاً .. لم يذكر في القرآن إلا قوله تعالى:{ومَا تَوْفِيقِي إلاَّ بِاللَّهِ}، و {إن يُرِيدَا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}، و {إنْ أَرَدْنَا إلاَّ إحْسَانًا وتَوْفِيقًا}.
(وينبغي لهما) أي: للحكمين (أن ينويا الإصلاح، لقوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا} (١) وأن يُلطِّفا) القول (و) أن (يُنْصِفا، ويُرغِّبا، ويُخَوِّفا، ولا يَخُصَّا بذلك أحدَهما دون الآخر) ليكون أقرب للتوفيق بينهما.
والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إ ن يريدا إ صلاحا يوفق الله بينهما) ] النساء: ٣٥]. (ولا يصحُّ إبراء غير وكيلها) أي: وكيل الزوجة (في خُلع فقط)
لكن هنا طريقة ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ أي: أقاربه ﴿وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: أقاربها، فالمسألة مهمة؛ لأن الخطاب للأمة كلها، للعناية بهذا الأمر، فكل الأمة مسؤولة عن هذين الزوجين الذين يتنازعان، فالإسلام لا يريد أن يقع النزاع بين أحد.
يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الحكمين، وبين الزوجين، يوفق الله بين الحكمين فيتفق الرأي؛ لأنه لو تنازع الحكمان، وكان لكل واحد منهما رأي ما استفدنا شيئاً، لكن مع إرادة الإصلاح يوفق الله بينهما، فيتفق الحكمان على شيء واحد، أو يوفق الله بينهما إن حكم الحكمان بأن يبقى الزوجان في دائرة الزوجية،
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فأصل التحكيم ثابت في القرآن، كذلك عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما تحاكما إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه فحكم بينهما.
فعل الأصلح، من جمع وتفريق، بعوض أو دونه قال تعالى {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا} يعني الحكمين {يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا} يعني الزوجين، والتوفيق: أن يخرج كل واحد منهما من الوزر، وذلك تارة يكون بالفراق، وتارة بصلاح حالهما،
وإن رأيا الخلع جاز، وإن رأى الذي من جهة الزوج الطلاق طلق، ولا يحتاج إلى إذن الزوج في الطلاق، قال الوزير: وهذا ينبني من قولهما إنهما حكمان؛ لا وكيلان، وهو الصحيح عندي، لأن الله سماهما ذلك، فقال {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} فسماهما حكمين بنص القرآن، وأجمعوا على أنه إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر،
وأما قول المصنف: والأولى أن يكونا من أهلهما برضاهما وتوكيلهما: فمشعرٌ بأمور:
أحدها: أن كون الحكمين من أهلهما راجح في نظر الشرع ولا شبهة فيه؛ لقوله تعالى:{حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها}. ولأنهما إذا كانا من أهلهما كانا أعلم بحالهما وأشفق عليهما.
(وعنه) ما يدل على أنهما حكمان، يفعلان ما يريان من جمع أو تفريق، بعوض أو غيره، من غير رضى الزوجين، وهو ظاهر الآية الكريمة، لتسميتهما حكمين، ومخاطبتهما بقوله: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا} [النساء: ٣٥] وعدم اشتراط رضى الزوجين. ٢٦٧٦ - وقد روى أبو بكر بسنده عن عبيدة السلماني، أن رجلا وامرأة أتيا عليا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها؛