لنا: قوله تعالى: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير (٣) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين)، فإيجاب الله تعالى الصوم لمن لا يجد الرقبة، وهذا واجد،
١٣٥٠ - حَدثنَا قَالَ سَمِعت ابي يَقُول قَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ {لذين يظاهرون مِنْكُم من نِسَائِهِم مَا هن أمهاتهم إِن أمهاتهم إِلَّا اللائي ولدنهم} الاية {وَالَّذين يظاهرون من نِسَائِهِم ثمَّ يعودون لما قَالُوا فَتَحْرِير رَقَبَة من قبل أَن يتماسا ذَلِكُم توعظون بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين من قبل أَن يتماسا فَمن لم يسْتَطع فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا} قَالَ ابي وَالظِّهَار يَمِين وَالْكَفَّارَة فِيهِ قبل ان يتماسا فَلَو ان رجلا ظَاهر من امْرَأَته ثمَّ طَلقهَا لم تكن عَلَيْهِ كَفَّارَة وَالظِّهَار ان يَقُول لامْرَأَته انت عَليّ كَظهر امي عَمَّتي خَالَتِي حماتي ذَات محرم وَالْأمة اذا كَانَت زَوْجَة يكون مِنْهَا ظِهَار وان كَانَت ملك يَمِين لَا يكون مِنْهَا ظِهَار قَالَ ابي عَلَيْهِ الْكَفَّارَة فِي أمته وَأم وَلَده كَذَلِك ابْن عمر كفر قبل وَبعد قبل ان يَحْنَث وَبعد مَا حنث وسلمان كفر قبل ان يَحْنَث
وإذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أبي، لم تكن مظاهرة؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} فعلقه على الزوج؛ ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختص الرجل، كالطلاق. وفي وجوب الكفارة ثلاث روايات:
وإذا صح الظهار، ووجد العود، وجبت الكفارة؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} والعود: هو الوطء في ظاهر كلام أحمد والخرقي. قال أحمد: العود: هو الغشيان؛ لأن العود في القول فعل ضد ما قال، كما أن العود في الهبة، هو استرجاع ما وهب، فالمظاهر: منع نفسه غشيانها، فعوده في قوله: غشيانها.
{ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وعلى كلا القولين لا يحل له الوطء قبل التكفير؛ لقوله سبحانه: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} فإن وطئ قبله، أثم، واستقرت الكفارة عليه، ولم يجب عليه أكثر منها؛ لحديث سلمة حين وطئ، فلم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأكثر من كفارة، وتحريمها باق حتى يكفر، لما روي «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لسلمة: ما حملك على ما صنعت؟ قال رأيت بياض ساقها في القمر. قال: فاعتزلها حتى تكفر» .
فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً؛ لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} . وروى أبو داود بإسناده عن خولة بنت مالك بن ثعلبة. قالت: «تظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشكو إليه، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يجادلني فيه، فما برحت حتى نزل القرآن. {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يعتق رقبة قلت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين قلت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً» فمن ملك رقبة، أو مالاً يشتري به رقبة، فاضلاً عن حاجته لنفقته وكسوته ومسكنه، وما لا بد له من مؤنة عياله ونحوه، لزمه العتق؛
فإذا كفر عن الظهار بعده وقبل العود، وعن اليمين بعدها وقبل الحنث، وعن القتل بعد الجرح وقبل الزهوق؛ جاز؛ لأن الله تعالى قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير» ولأنها كفارة فجاز تقديمها على شرطها، ككفارة الظهار، ولأنه حق مالي، فجاز تقديمه قبل شرطه، كالزكاة.
لقول الله سبحانه: " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (١) " .
ثانيها: قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} ، والمطلقة رجعياً ترث وتورث، فهي داخلة في الزوجات. ثالثها: قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} الخ، والمطلقة رجعياً داخلة في الزوجات إذا رماها زوجها بالزنا كما ذكرنا. رابعها: قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} والرجعية يصح الظهار منها، كما ذكرنا فهي من نساء الرجل.
أما دليله: فهو قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً} فهذا هو دليل حكمه الأخروي. فقد وصفه الله بأنه منكر وزور، أما دليله الدنيوي، فقوله بعد هذه الآية: {والذين يظاهرون منكم من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} الآيات، فهذا دليل حكمه الدنيوي.
{ثم يعودون لما قالوا} ، أي يعودون لتحليل ما قالوا أي ما حرموه بقولهم أو يعودون لنقض ما قالوا، ومعنى يعودون على هذا يصيرون، لأن العود معناه الصيرورة ومنه قوله تعالى: {حتى عاد كالعرجون القديم} أي صار،
باب الظهار] "وإذا قال الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي فقد حرمت عليه لا يحل له وطؤها ولا مسها ولا تقبيلها حتى يكفر عن ظهاره" لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى أن قال ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ .
(حرم الوطء ودواعيه) من القبلة والمس والنظر إلى فرجها بشهوة لدخول الدواعي تحت النص الموجب لحرمة الوطء أعني قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} إذ لا موجب للحمل على المجاز وهو الوطء بل الوطء من أفراد التماس
فإذا ظاهر السيد من أمته لزمه الظهار. وهذا هو المشهور، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} خرج مخرج الغالب واستدل ابن التين المالكي للعموم بخبر (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، والزائد على التسع مارية وريحانة،
وقوله: وحرم قبلها الاستمتاع أي بجميع أنواعه كما علمت وهو الذي عليه الأكثر حملا لقوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} على عمومه وهو الذي عليه الأكثر ومقابله منصوص وهو أن الظهار إنما يحرم الوطء ولا يحرم الاستمتاع بغير الوطء. انظر الشبراخيتي.
قال في المتيطية: فإن وطئ قبل الكفارة فقد ثبت وجوبها عليه ويعاقب جاهلا كان أو عالما وعقوبة العالم أشد. انتهى. نقله الحطاب. وقوله: ولا تجزئ قبله، نقل عبد الحق والباجي عن أبي عمران أن ابن القاسم لا يراعي العودة وإنما يراعيها ابن الماجشون وسحنون وأنكرت نسبة ذلك لابن سحنون. قاله الشارح. وقوله: ولا تجزئ قبل العود، العود هو المذكور في قوله تعألى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا}
انتهى. وإلى فهم اللخمي وعياض أشار بقوله: تأويلان وإلى تشهير عياض وابن فتحون أشار بقوله: وخلاف قال عبد الباقي: وعلى التفسيرين السابقين حمل قوله تعالى {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} أي لنقيض قولهم الذي هو التحريم ونقيضه التحليل أي بالعزم على الموطإ أو مع الإمساك، ومعناه أن لا يفارقها على الفور أي يمسكها مدة تنافي الفور. انتهى. ونقل أبو الحسن عن عبد الحميد الصائغ وجها آخر وهو أن تكون اللام بمعنى في أي ثم يعودون فيما قالوا لمثل قوله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} أي في وقتها.
وقال الشبراخيتي: كان ينبغي له يعني المص أن يقول: وهل لا تجزئ إن أتمها تأويلان، ليأتي بالشهور ويطوي مقابله جريا على عادته من تقديم المشهور وطي مقابله، وهي إعتاق رقبة أشار بهذا وما بعده إلى الترتيب المذكور في كفارة الظهار بقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} يعني أن الذي يباح به للمظاهر الاستمتاع بالمظاهر منها أحد ثلاثة أنواع، أولها: أن يعتق رقبة ولا ينتقل عنه إلى النوعين الأخيرين إلا بعد العجز عن النوع الأول الذي هو العتق كما سيذكر ذلك: وقوله: إعتاق رقبة من إضافة المصدر إلى مفعوله، قال عبد الباقي: وعبر بإعتاق دون عتق ليفيد أنه لابد من إيقاع العتق عليها فلا يجزئ بدونه، كما إذا علق عتقه على دخول دار مثلا.
ولو وطئ غير المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارات متعددة نهارا فإن ذلك يقطع التتابع، وقوله: وانقطع تتابعه بوطء لخ، إنما أبطل التتابع الوطء لقوله تعالى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} ثم شبه مختلفا فيه بمتفق عليه فقال بطلان الطعام؛ يعني أن المظاهر إذا وطئ المظاهر منها أو واحدة ممن فيهن كفارة واحدة بعد أن أخرج بعض طعام الكفارة حيث كان يكفر بالإطعام فإن ذلك يبطل الإطعام، ويلزمه أن يبتدئ الكفارة ولو لم يبق من لكفارة إلا إطعام مسكين واحد، كان ذلك الوطء عمدا أو نسيانا أو جهلا أو غلطا ليلا أو نهارا، هذا هو المشهور؛
وقال ابن الماجشون: الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقا والاستئناف أحب إلي لأن الله تعالى إنما قال: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} في العتق والصوم، ولم يقله في الإطعام، ومثل الوطء المقدمات على المشهور كما مر في الصوم، لكن مقتضى المص أن التلذذ بغير الوطء لا يبطل في الصوم ولا في الإطعام وشهره يوسف بن عمر كما مر في الصوم، وعبر المص في الصوم بالتتابع وفي الإطعام بالبطلان لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع لكونه لا يجب فيه حتى يقال انقطع.
قال: (فصل: على المظاهر كفارة إذا عاد)؛ لقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وهل سبب الوجوب العود فقط؛ لأنه الجزء الأخير , أو الظهار؛ لأنه المنكر والزور والعود شرط له، أو وجب بمجموع الأمرين؟ فيه أوجه لم يرجح الشيخان منها شيئًا.
قال: (ويحرم قبل التكفير وطء) ؛ لقوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، وقال:{فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}، ولم يتعرض له في الإطعام؛ فيحمل المطلق على المقيد.
(وتجب الكفَّارة) أي: تثبت في ذمته (بالعود، وهو الوطء في الفرج) لقوله تعالى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فأوجب الكفَّارة عقب العود، وذلك يقتضي تعلقها به (ولا تجب قبل ذلك، إلا أنها شرطٌ لحِلِّ الوطء، فيؤمر بها من أراده؛ ليستحلَّه بها) كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حِلَّها؛ ولأن العود في القول هو فعل ضِد ما قال، كما أن العود في الهبة استرجاع ما وهب.
( كفَّارة الظِّهار على الترتيب، فيجب تحرير رَقَبَةٍ، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكينًا) لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ. . .} الآيتين ؛ ولحديث خُوَيلة امرأة أوس بن الصامت حين ظاهر منها، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يعتق رقبةً، قالت -يعني امرأته-: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخٌ كبير ما به من صيام، قال: فيُطْعِمُ ستين مسكينًا".
(ويحرم على مظاهر ومظاهر منها وطء) بلا خلاف؛ لقوله سبحانه وتعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} (ودواعيه) ؛ كالقبله والاستمتاع بما دون الفرج على الأصح، (قبل تكفير ولو بإطعام) فيلزمه إخراجها قبل الوطء؛ لما روى عكرمة عن أبن عباس:" أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها. فقال. يا رسول ألله! إنى ظاهرت من امرأتى فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: ما حملك على ذلك رحمك الله؛
(ويأثم مكلف) بالوطء قبل التكفير، لمخالفة قول الله سبحانه وتعالى في العتق والصيام:{مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}. (ثم لا يطأ حتى يكفر) يعني: أن تحريم زوجته باق عليه حتى يكفر في قول أكثر أهل العلم. (وتجزي) كفارة (واحدة) ولو كرر الوطء، لحديث سلمة بن صخر حين ظاهر ثم وطئ قبل التكفير، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة واحدة .
(وإن اشترى) المظاهر من زوجته الأمة (زوجته) فظهاره بحاله، (أو بانت) زوجته المظاهر منها (قبل الوطء ثم أعادها مطلقا) ارتد أو لا: (فظهاره بحاله). نص عليه؛ لأنه حرمها على نفسه بالظهار وذلك يقتضى حرمتها إلى حين التكفير. فيكون تحريمها بعد شراء الزوجة وبينونتها كما قبل ذلك؛ لعموم قول الله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا}.
ولنا: قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} فخصهم بذلك، ولأنه قول يوجب تحريمًا في الزوجة فاختص به الرجل كالطلاق، ولأن الحل في المرأة حق للرجل فلم تملك المرأة إزالته كسائر حقوقه فعليها أن تمكن زوجها من الاستمتاع بها قبل التكفير، لأنه حق له عليها فلا يسقطه يمينها
والصحيح أنه لا يصح، والدليل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ولا تكون المرأة من نسائهم إلا بعقد، فهو كقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ .
وأما في مسألة الإطعام فمشكل؛ لأن الله عز وجل قيد النوعين الأولين ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ وسكت عن الثالث، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :«ما سكت الله عنه فهو عفو»، ولا يمكن أن يحمل هذا المطلق على المقيد؛
وإذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد؛ ولذلك لم نحمل مطلق قوله تعالى في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ على مقيده في آية الوضوء في قوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ مع أن السبب واحد؛ وذلك لاختلاف الحكم، وهنا الحكم مختلف؛ ولذلك في مسألة الصيام أعاد الله تعالى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ ولم يُحِل على التقييد في مسألة الرقبة، فلما قَيّد في الأول، وأتبعه قيداً في الثاني، وسكت عن الثالث عُلم أنه غير مراد، وأنه لا يشترط فيما إذا كان الإنسان غير قادر على الرقبة، ولا على الصيام، لا يشترط أن يقدم الكفارة؛
وقال بعض أهل العلم: إن دواعي الجماع لا تحرم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾، وعلى هذا فيجوز له أن يقبلها، ويضمها، ويخلو بها، ويكرر نظره إليها، إلا إذا كان لا يأمن على نفسه، فحينئذٍ تكون له فتوى خاصة بالمنع، وإلا فالأصل الجواز، وهذا القول أصح؛ وذلك لأن الله تعالى حرم التماس وهو الجماع، فأباح ما سواه بالمفهوم، لكن لو كان الرجل يعلم من نفسه ـ لقوة شهوته ـ أنه لو فعل هذه المقدمات لجامع فحينئذٍ نمنعه، ونظيره الصائم يحرم أن يجامع،
«وهو العود» أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ وهو الوطء، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافاً كثيراً، فما ذهب إليه المؤلف هو القول الأول.
فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، ولم يقله مرة ثانية فلا كفارة عليه؛ لأن الله قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، والذي قالوه صيغة الظهار وهذا رأي الظاهرية، أن العود هو أن يعيد اللفظ مرة ثانية.
القول الرابع: أن العود هو العزم على الوطء، يعني يعزم على أن يطأ زوجته، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي: يعزمون على استحلال المرأة، بشرط أن يطأها؛
أما المذهب فكما قال المؤلف: إن العود هو نفس الوطء؛ لكن ظاهر الآية الكريمة خلاف ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ فكيف نفسر العود بالمسيس،
ولما جاء البدل وهو الإطعام صار ستين مسكيناً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *﴾ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ؛ إذاً النص على هذه الخصال في القرآن الكريم، وترتيبها ـ أيضاً ـ في القرآن الكريم، ولا نزاع في ذلك.
وفي كفارة الظهار قال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ ، هذا الذي في القرآن، وكفارة الوطء في رمضان ثبتت في السنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل:«هل تجد رقبة»؟ قال: لا ، ولم يقل: مؤمنة،
فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكنياً، ومع ذلك لا يحل له أن يمس زوجته ـ أي: يجامعها ـ حتى يكفِّر؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ ، وقد صرح الله ـ تعالى ـ بهذا الشرط في العتق والصيام، وسكت عنه في الإطعام، فاختلف العلماء في الإطعام هل يجوز أن يمس الزوجة المظاهر منها قبل الإطعام، أو لا يجوز حتى يطعم؟
أيام . بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الظهار الأصل في الظهار: الكتاب والسنة والإجماع؛ فالكتاب قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية؛ والسنة: حديث خولة وسلمة بن صخر، والإجماع، حكاه غير واحد من أهل العلم.
(إلا بالوطء) اختيارا . (وهو) أي الوطء (العود) المذكور في قوله تعالى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} قال ابن رشد: الجمهور أنها لا تجب الكفارة دون العود.
ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا . فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} الآية وتمامها: (من قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) فقدم تعالى تحرير الرقبة، وثنى بصيام شهرين متتابعين على من لم يجد الرقبة، وثلث بإطعام ستين مسكينا، على من لم يستطع الصيام، فدلت الآية الكريمة، على ترتيب الكفارات ولا نزاع في ذلك.
وكذا مظاهر من نسائه بكلمة وبكلمات تتعدد الظهار (من) كل (من) أي زوج (يصح طلاقه) مسلما كان أو كافرا حرا أو عبدا ولو مميزا يعقله (من كل زوجة) كبيرة أو صغيرة مسلمة كانت أو ذمية حرة أو أمة وطئها ممكن أو غير ممكن وذلك معنى قوله (مطلقا) لأن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فاختص بها كالطلاق، ولقوله تعالى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} الآية ولهذا (لا) يصح ظهار سيد من (أمتـ) ـه (و) لا (أم ولد) . (ويكفّر) إن ظاهر منهما (بحنث كـ) ـكفارة (يمين) كقوله لها أنت على حرام وإن نوى أبدا،
وقال عَطاءٌ: عليه نِصْفُ كفَّارَةِ حُرةٍ؛ لأنَّ الأمَةَ على النِّصْفِ مِن الحُرَّةِ في كثير مِن أحْكامِها، وهذا مِنِ أحْكامِها، فتكونُ على النِّصْفِ. ولَنا، قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. فخَصَّهُنَّ به، ولأنه لَفْظ تَعَلَّقَ به تَحْريمُ الزَّوْجَةِ، فلا تَحْرُمُ به الأمَةُ، كالطَّلاقِ، ولأنَّ الظِّهارَ كان طلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، فنُقِلَ حُكْمُه وبَقِيَ مَحَلُّه. قال أحمدُ: قال أبو قِلابَةَ، وقَتادَةُ: إنَّ الظِّهارَ كان طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ. ويَلْزَمُه كفَّارَةُ يَمِين؛ لأنَّه تَحْريمٌ لمُباحٍ مِن مالِه، فكانت فيه كفَّارَةُ يَمِين, كتَحْريمِ سائِرِ مالِه.
وقال الزُّهْرِيُّ والأوْزَاعِيُّ: هو ظِهارٌ. ورُوِيَ ذلك عن الحسَنِ، والنَّخَعِيِّ، إلَّا أنَّ النَّخَعِيَّ قال: إذا قالت ذلك بعدَ ما تُزَوَّجُ فليس بشيء . ولعَلَّهم يحْتَجُّونَ بأنها أحَدُ الزَّوْجَين ظاهَرَ مِن الآخرِ، فكان مُظاهِرًا كالرجل. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. فخصَّهُم بذلك، ولأنَّه قَوْل يُوجِبُ تَحْرِيمًا في الزَّوْجة، يملكُ الزَّوْجُ رَفْعَه، فاخْتَصَّ به الرجلُ، كالطلاقِ، ولأنَّ الحِلَّ في المرْأةِ حق للرّجُلِ، فلم تَمْلِكِ المرْأةُ إزالتَه، كسائِرِ حُقوقِه. إذا ثَبَتَ ذلك، فاخْتُلِفَ عن أحمدَ في الكفَّارَةِ، فنقَلَ عنه جماعَة: عليها كفَّارَةُ الظِّهارِ؛
فإنَّ الله تعالى قال: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. كما قال:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. ولأنَّها ليست بزَوْجَةٍ، فلم يَصِحَّ الظِّهارُ منها، كأمَتِه، ولأَنه حَرَّمَ مُحَرَّمَة، فلم يَلْزَمْه شيءٌ، كما لو قال: أنتِ حرامٌ. ولأَنه نَوْعُ تَحْريم، فلم يتَقَدَّمِ النِّكاحَ، كالطَّلاقِ. ولَنا، ما روَى الإمامُ أحمدُ بإسْنادِهِ، عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنه
فصل في حُكْمِ الظِّهارِ: (يَحْرُمُ وَطْءُ المُظاهَرِ منها قبلَ التَّكْفيرِ) إذا كان التَّكْفِيرُ بالعِتْقِ أو بالصِّيامِ. وليس في ذلك اخْتِلافٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وقولِه سبحانه:{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}. وأكثرُ أهلِ العلمِ على أنَّ التَّكْفِيرَ بالإِطْعامِ مِثْلُ ذلك؛ منهم عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي. وعن أحمدَ إباحَةُ الوَطْءِ قبلَ التَّكْفِيرِ بالإِطْعامِ؛ لأنَّ الله تعالى لم يَمْنَعِ المَسِيسَ قَبْلَه، كما في العِتْقِ والصِّيام.
وقال الشافعيُّ: متى أمْسَكَها بعدَ ظِهارِه زَمَنًا يُمْكِنُه طَلاقُها فيه، فلم يُطَلِّقْها، فعليه الكفَّارَةُ؛ لأنَّ ذلك هو العَوْدُ عندَه. ولَنا، قَولُ اللهِ تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}. فأوْجَبَ الكفَّارَةَ بأمْرَين، ظِهارٍ وعَوْدٍ، فلا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّ الكفَّارَةَ في الظِّهارِ كفَّارَةُ يَمِين، فلا تَجِبُ بغيرِ الحِنْثِ، كسائرِ الأيمانِ، والحِنْثُ فيها هو العَوْدُ، وذلك فِعْلُ ما حَلَفَ على تَرْكِه، وهو الجِماعُ. وقد ذكَرْنا ذلك في المسْألةِ التي قَبْلَها.
فإذا عادَ فنَكَحَهَا فلا كفَّارَةَ عليه. وللشافعيِّ قَوْلانِ كالمذْهَبَين، وقولٌ ثالِثٌ، إن كانتِ البَينونَةُ بالثَّلاثِ، لم يَعُدِ الظِّهارُ، وإلَّا عاد. وبناه على الأقاويلِ في عَوْدِ صِفَةِ الطَّلاقِ في النِّكاحِ الثَّانِي. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أن يَتَمَاسَّا}. وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ أنَّ يتَمَاسَّا حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّه ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلا يَحِلُّ له مَسُّها فبلَ التَّكْفِيرِ، كالتي لم يُطَلِّقْها، ولأنَّ الظِّهارَ يَمِين مُكَفَّرَة، فلم يَبْطُلْ حُكْمُها بالطَّلاقِ، كالإِيلاءِ.
٣٧٣٤ -
وقال القاضي: المذهبُ ما ذكَرَ الخِرَقِيُّ. وهو قولُ أبي عبدِ الله بِنِ حامِدٍ؛ لقَوْلِ الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ من نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا}. وهذا قد ظاهَرَ مِن امْرأتِه، فلم يَحِلَّ له مَسُّها حتى يُكَفِّرَ، ولأنَّ الظهارَ قد صَحَّ فيها، وحُكْمُه لا يَسْقُطُ بالطَّلاقِ المُزِيل للمِلْكِ والحِلِّ، فبمِلْكِ اليَمِينِ أَوْلَى، ولأنَّها يَمِين انْعَقَدَتْ موجِبَةً لكفَّارةٍ ، فوَجَبَتْ دُونَ غيرِها، كسائِرِ الأيمانِ.
والأصْلُ في ذلك قولُ اللهِ تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ (١) مِن نسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من قَبْلِ أنَّ يَتَمَاسَّا) الآيَتَينِ . وقولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لخَوْلَةَ حينَ ظاهرَ منها زوْجُها:«يُعْتِقُ رَقَبَةً».
وكذلك في كل موضع حكم بظهاره فيه، وهو إجماع إذا كان التكفير بالعتق أو الصيام، وقد شهد به النص وهو قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ - فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة: ٣ - ٤] واختلف عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيما إذا كان التكفير بالإطعام، (فعنه) - وهو اختيار أبي بكر، وأبي إسحاق ابن شاقلا - يجوز الوطء قبل التكفير، تمسكا بظاهر الكتاب،
٢٧٥٥ - وعن عكرمة عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، «أن رجلا أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد ظاهر من امرأته فوقع عليها، فقال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر؟ فقال: «ما حملك على ذلك يرحمك الله؟» قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: «فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» رواه الخمسة إلا أحمد، وصححه الترمذي، ومن جملة ما أمره الله به الإطعام (المسألة السادسة) الظهار يختص بالزوجة على ظاهر كلام الخرقي، ونص عليه أحمد، وجزم به جماعة من الأصحاب، حتى قال القاضي في روايتيه: رواية واحدة. فعلى هذا لا ظهار من أمته، ولا أم ولده، لقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: ٣] فخص سبحانه الظهار بالنساء، ولأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فنقل حكمه وبقي محله.
٢٧٥٦ - قال أحمد: قال أبو قلابة وقتادة: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية. والطلاق قطعا لا يؤثر في الأمة كذلك الظهار، واختلف عن أحمد فيما يلزمه، (فعنه) وهو المشهور والمختار: تلزمه كفارة يمين، لأنه تحريم لمباح من ماله، فكان عليه كفارة يمين، كتحريم سائر ماله، (ونقل عنه) أبو طالب: ليس في الأمة ظهار، ولكن حرام، فعليه الكفارة، قيل له: كفارة الظهار؟ قال: نعم. قال أبو بكر: كل من روى عنه ليس عليه فيها كفارة الظهار، إنما هو كفارة يمين، إلا ما رواه أبو طالب، قال: ولا يتوجه على مذهبه. انتهى، وخرج أبو الخطاب والشيخان قولا أنه لا شيء فيه، قال أبو الخطاب: من قوله فيما إذا ظاهرت المرأة من زوجها: إنه لا شيء عليها؛ إذ هذا ليس بظهار، فتجب فيه كفارته، وليس بيمين فتجب فيه كفارتها (المسألة السابعة) حيث حرم الوطء قبل التكفير هل يحرم الاستمتاع قبله؟ على روايتين (إحداهما) - وهي ظاهر كلام الخرقي - يجوز، لأن التماسس في الآية الكريمة كناية عن الوطء، وإذا كانت الكناية مرادة فالحقيقة غير مراده (والثانية) - وهي اختيار أبي بكر، والقاضي في خلافه، وأصحابه كالشريف وأبي الخطاب، والشيرازي، وابن البنا وغيرهم - لا يجوز.
٢٧٥٧ - لأن في حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - السابق: «لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله به» رواه النسائي عن عكرمة مرسلا، وقال فيه: «فاعتزلها حتى تقضي ما عليك» وقد ادعى القاضي أن المراد بالمسيس في الآية الكريمة حقيقته، وأن الوطء إنما ثبت بالسنة، وفيه بعد.
[موت المظاهر أو الزوجة قبل التكفير]
وقال: إنه الوطء. وهذا إحدى الروايتين، نص عليه أحمد، فقال في قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] قال: الغشيان، إذا أراد أن يغشى.
٢٧٥٨ - إلا أن يذهب إلى قول طاووس: إذا تكلم بالظهار لزمه مثل الطلاق؛ ولم يعجب أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - قول طاووس، وهو اختيار الشيخين، لأن قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] أي لقولهم، فـ (ما) والفعل في تأويل المصدر، أي لقولهم، والمصدر في تأويل المفعول، أي مفعولهم ومقولهم الذي امتنعوا منه وهو الوطء، وقرينة هذا العود، إذ هو فعل ضد قوله، ومنه الراجع في هبته، هو الراجع في الموهوب، والعائد فيما نهي عنه فاعل المنهي، والمظاهر مانع لنفسه من الوطء، فالعود فعله، ولأن الظهار يمين مكفرة، فلا تجب الكفارة إلا بالحنث فيها، وهو فعل ما حلف على تركه كسائر الأيمان، وتجب الكفارة بذلك كسائر الأيمان (والثانية) وبها قطع القاضي وأصحابه: أنه العزم على الوطء، قال القاضي: ونص عليه أحمد في رواية الجماعة، منهم الأثرم، فقال: العود أن يريد أن يغشى، فيكفر قبل أن يمسها،
فإذا قَوْله تَعَالَى: {ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} [المجادلة: ٣] أي يريدون العود (فتحرير) أي فالواجب تحرير، وهذا كما في قَوْله تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة: ٦] {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل: ٩٨] وهو كثير،
فإن هذا قد ظاهر من زوجته ثم أراد العود إليها، فدخل تحت: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: ٣] ولأن الظهار يمين مكفرة، فلم يبطل حكمها بالطلاق كالإيلاء، وبنى ذلك القاضي على أصلنا من أن النكاح الثاني ينبني على الأول،
وقال: ليس هو بمنزلة الطلاق. ٢٧٥٩ - وذلك لما روى الإمام أحمد بإسناده عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال - في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي. فتزوجها، قال -: عليه كفارة الظهار. ولأنها يمين مكفرة، فصح انعقادها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى، ولأبي محمد احتمال بأنه لا يصح، لقول الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: ٣] والأجنبية ليست من نسائه، ولأنه نوع تحريم، فلم يتقدم النكاح كالطلاق.
ويبطل النكاح، وأما الوطء فقال الخرقي: لا يطأها حتى يكفر؛ واختاره ابن حامد والقاضي وغيرهم، لشمول الآية الكريمة له، وهي: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٣] وهذا قد ظاهر من امرأته، فدخل في الآية وقال أبو بكر في الخلاف: يبطل حكم الظهار، وتحل له، وعليه كفارة يمين، كما لو تظاهر منها وهي أمته، لأنها خرجت عن الزوجات، وصارت ملك يمينه، فأعطيت حكم ذلك، وخرج أبو البركات قولا أنها تحل له بملك اليمين بلا كفارة، مع عود الظهار لو عتقت أو بيعت ثم تزوجها، ولعله مخرج مما إذا ظاهر من أمته لا شيء عليه،
[كفارة الظهار] قال: والكفارة عتق رقبة. ش: لا نزاع في هذا، وقد شهد له الكتاب العزيز قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: ٣] أي فالواجب تحرير رقبة، أو فعليه تحرير رقبة، والله أعلم. قال: مؤمنة. ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار جمهور أصحابه، الخرقي، والقاضي، والشريف، وأبي الخطاب، والشيرازي وأبي محمد وغيرهم، حملا للمطلق في آية الظهار، على المقيد في كفارة القتل، لاتحاد الحكم.
قال: ومن وطئ قبل أن يأتي بالكفارة كان عاصيا. ش: لمخالفة أمر ربه سبحانه، وأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة: ٣] وهذا قد مس،
قال في الروايتين: رواية واحدة؛ لتخصيص الله سبحانه الظهار بالرجال قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ} [المجادلة: ٣] الآية، ولأنه قول يوجب تحريما في الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختص به الرجال كالطلاق، وحكى ابن شهاب، وأبو يعلى ابن أبي حازم رواية أخرى أنها تكون مظاهرة، وقالا: اختارها أبو بكر، وزاد ابن أبي حازم: والقاضي، والشريف؛ لأن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قضوا في ذلك بكفارة الظهار، وسببها الظهار، فدل على أنها تكون مظاهرة، وقياسا لأحد الزوجين على الآخر، وعلى هذا تجب كفارة الظهار بلا ريب،
ولما لا أصل لوجوبه في الشرع ما روي عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أن «عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، - وفي رواية - يوما في المسجد الحرام. فقال: «أوف بنذرك» متفق عليه.
٣٧٤٤ - وعن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن «رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله: إني نذرت لله عز وجل إن فتح الله عليك مكة أن أصلي صلاة في بيت المقدس. فقال: «صل ها هنا» ثم أعاد عليه، فقال: «صل ها هنا» ثم أعاد عليه، فقال: «فشأنك إذا» . رواه أبو داود، وله في رواية: فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «والذي بعث محمدا بالحق لو صليت ها هنا لأجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس» » . (الثاني) : أن ينذر معصية، كشرب الخمر، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وصوم يوم الحيض، والتصدق بمال الغير، ونحو ذلك، فلا يجوز الوفاء به إجماعا، ويشهد له حديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - المتقدم.
٣٧٤٥ - ولأبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «لا نذر إلا فيما يبتغى به وجه الله تعالى، ولا يمين في قطيعة رحم» .
٣٧٤٦ - وللنسائي عن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» ثم فيه روايتان (إحداهما) : أنه لاغ ولا شيء فيه، قال أحمد - فيمن نذر ليهدمن دار غيره لبنة لبنة -: لا كفارة عليه. وذلك لما تقدم.
٣٧٤٧ - ولأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأبي إسرائيل حين نذر أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم: «مروه فليتكلم، وليجلس وليستظل، وليتم صومه» رواه البخاري وغيره.
٣٧٤٨ - «وقال للمرأة التي نذرت أن تنحر ناقته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد» رواه مسلم وغيره، وظاهر هذا أنه لا نذر صحيح في معصية الله، أو لا نذر مشروع، وغير المشروع وجوده كعدمه، مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر في ذلك بكفارة، ولو وجبت لبينها. (والرواية الثانية) وهي المذهب المعروف عند الأصحاب أنه منعقد. ٣٧٤٩ - لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين» رواه أبو داود والترمذي والنسائي.
٣٧٥٠ - وعن عمران بن حصين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «النذر نذران فما كان نذر طاعة فذلك لله فيه الوفاء، وما كان نذر معصية فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويكفره ما يكفر اليمين» . رواه النسائي، وهذا المبين يقضي على ذلك المجمل ويبين أن المراد به: لا وفاء لنذر في معصية الله. وكذلك جاء مصرحا به في مسلم في التي نذرت نحر ناقة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها: «لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملكه العبد» .
٣٧٥١ - وقد استشهد ترجمان القرآن لذلك من الكتاب، فعن يحيى بن سعيد، أنه سمع القاسم بن محمد يقول: أتت امرأة إلى عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني. فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك. فقال شيخ عند ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: كيف يكون في هذا كفارة؟ فقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [المجادلة: ٣] ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت. رواه مالك في الموطأ، فعلى هذه الرواية إن لم يفعل ما نذره من المعصية وجبت عليه كفارة يمين، وإن فعل ذلك أثم ولا شيء عليه على المعروف، كما لو حلف على فعل معصية ففعلها، ولأبي محمد احتمال بوجوب الكفارة مطلقا، وهو ظاهر كلام الخرقي، وظاهر الحديث.
(الثالث والرابع) : نذر مكروها أو مباحا، كطلاق زوجته من غير حاجة ونحوه، أو ركوب دابة، أو لبس ثوب له ونحوها، وفي ذلك أيضا روايتان، (إحداهما) : أنه لاغ لا شيء فيه، لما تقدم من قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله» ، وهذا لم يبتغ به وجه الله تعالى، ولحديث أبي إسرائيل، فإنه نذر أفعالا تكره المداومة عليها وقد تحرم، ولم يأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكفارة.
٣٧٥٢ - وعن «عقبة بن عامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستفتيته فقال: «لتمش ولتركب» » .
٣٧٥٣ - وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رأى شيخا يهادى بين ابنيه، فقال: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني» وأمره أن يركب» ، متفق عليهما، ولم يأمره في ذلك بكفارة، ولو وجبت لبينها. (والثانية) - وهي المذهب أنه منعقد، لأن في حديث عقبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، فلتحج راكبة، ولتكفر عن يمينها» . رواه أبو داود، وفي رواية له أيضا وللترمذي: ولتصم ثلاثة أيام؛ وهذه زيادة فيجب قبولها، ولعموم قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفارة النذر كفارة يمين» فعلى هذه الرواية إن لم يفعل ما نذره وجبت عليه الكفارة، وإن فعل فلا شيء عليه، إلا أنه في المكروه لا يستحب له الفعل، وفي المباح يتخير بين الفعل وتركه قاله الأصحاب.
٣٧٥٤ - وقد روى أبو داود عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن «امرأة قالت: يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. قال: «أوفي بنذرك» » .
(القسم الخامس) : نذر الواجب، كقوله: لله علي أن أصوم رمضان، أو أحج حجة الإسلام، ونحو ذلك، فحكى أبو محمد عن الأصحاب عدم انعقاد النذر والحال هذه، لأن النذر التزام، والواجب لازم له، فالتزامه تحصيل الحاصل، وحكى في المغني احتمالا - وجعله في الكافي قياس المذهب - أنه ينعقد موجبا للكفارة إن لم يفعله، كما لو حلف على ذلك.
٣٧٥٥ - وقد سمى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك يمينا فقال: «النذر حلف» ولا نسلم أن نذر الواجب تحصيل الحاصل، لاختلاف جهة الإيجاب، إذ الواجب بالشرع غير الواجب بإيجاب المكلف، ولهذا لو ترك الناذر صوم رمضان والحال ما تقدم لزمه كفارة يمين، ولو تركه من غير نذر لم يلزمه غير القضاء، وقال في المغني في موضع آخر: إن قياس قول الخرقي الانعقاد، وقول القاضي عدمه، فيما إذا نذر صوم يوم يقدم فلان، فوافق قدومه يوما من رمضان، وأبو البركات حكى المسألة على روايتين، وأورد المذهب بالانعقاد كنذر المباح.
(تنبيه) : قد علم من كلام الخرقي أن الطلاق مكروه، وهذا مع عدم الحاجة إليه، وهو المذهب، (وعنه يحرم) والحال هذه، كالطلاق في حال الحيض، وطلاق الثلاث في رواية، أما عند الحاجة إليه فيباح، وقد يستحب، كما إذا كان بقاء النكاح ضررا، وقد يجب كالمولي إذا امتنع من الفيئة.
[ما يلزم من نذر التصدق بجميع ماله]