«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ..........
وقوله: «السلام عليكم»، أتى بكاف الخطاب، فهل الكاف هذه تدل على أنهم يسمعون؛ لأنه لا يخاطب إلا من يسمع ما لم يكن دليل ظاهر على أن المخاطب لا يسمع، وإنما قلت: ما لم يكن دليل ظاهر؛ لئلا يورد علينا مورد قول عمر رضي الله عنه للحجر الأسود:«إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أنني رأيت النبي ﷺ يقبِّلك ما قبَّلتك»، فهنا خاطبه وهو حجر، لكن أهل القبور هل هم يخاطبون مخاطبة الحجر أو مخاطبة السامع؟.
الجواب: الظاهر الثاني، أي:«مخاطبة السامع».
وقد ذكر ابن القيم في كتاب الروح حديثاً عن النبي ﷺ: «ما مسلم يمر بقبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، وقد صححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم عليه، فلا يبعد أن يكون أهل المقبرة عموماً إذا سُلم عليهم يسمعون، ولا نقيسهم بالحجر الأسود؛ لأن الحجر عندنا دلالة حسية ملموسة أنه لا يسمع وهي أنه حجر، وحتى الحجر فإنه قد يسمع أيضاً. قال الله تعالى عن الأرض عموماً: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا *بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا *﴾ [الزلزلة].
«تحدث أخبارها» أي: ما عمل عليها من خير أو شر، سواء قول مسموع أو فعل مرئي فتحدث به يوم القيامة، والجلود تنطق أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فلا تستبعد هذه الأمور؛ لأن قدرة الله عز وجل لا يمكن أن يدركها العقل.
فلا يبعد أنك إذا قلت لأهل المقبرة:«السلام عليكم دار قوم مؤمنين» أنهم يسمعون. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي موتى القلوب؛ فإن النبي ﷺ لم يكن يخرج لأهل القبور يدعوهم. «دار قوم مؤمنين»، أي: يا دار قوم، والمراد بالدار هنا: أهلها، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ المراد: أهلها. «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، لاحقون على ماذا؟
الجواب: إذا قلنا: لاحقون بالموت ورد علينا إشكال، وهو تعليق ذلك بمشيئة الله مع أنه محقق، والمحقق لا يحتاج إلى تعليق بالمشيئة، والتعليق بالمشيئة في أمر لا يدرى عنه فيوكل إلى الله عز وجل قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ، ولم يقل: فإنه لاحقكم؛ لأن اللاحق قد يدرك، وقد لا يدرك، لكن الملاقي مدرك لا محالة.
فقيل في التخلص من هذا الإشكال ما يأتي:
١ ـ أن المراد على الإيمان، فيكون لحوقاً معنوياً لا حسياً، بدليل قوله:«دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». وحينئذٍ فتعليق ذلك بالمشيئة مشروع.
٢ ـ أن المراد اللحاق على أصل الموت، لكن التعليق للتعليل، أي: أن لحوقنا إياكم سيكون بمشيئة الله.
٣ ـ أن التعليق هنا ليس على أصل الموت، ولكن على وقت الموت، كأنه قال: وإنا إذا شاء الله أي: متى ما شاء الله، لحقناكم، أي: سنلحق بكم في الوقت الذي يشاء الله أن نلحق، والتعليق بالمشيئة هنا واضح. والمقصود من هذه الجملة: توطين النفس على ما صار إليه هؤلاء من أجل تحقيق التذكر.
يَرْحَمُ اللهُ المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالمُسْتَأْخِرِينَ. نَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ». «يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين»، جملة خبرية لفظاً إنشائية معنى، أي: نسأل الله أن يرحم المستقدمين منكم، والمستأخرين. «نسأل الله لنا ولكم العافية»،