القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ١

سورة التكوير، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالنكت والعيونالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

إذا الشمس لُفَّت وذهب ضَوْءُها، وإذا النجوم تناثرت، فذهب نورها، وإذا الجبال سيِّرت عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثًا، وإذا النوق الحوامل تُركت وأهملت، وإذا الحيوانات الوحشية جُمعت واختلطت؛ ليقتصَّ الله من بعضها لبعض، وإذا البحار أوقدت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقد، وإذا النفوس قُرنت بأمثالها ونظائرها، وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟ وإذا صحف الأعمال عُرضت، وإذا السماء قُلعت وأزيلت من مكانها، وإذا النار أوقدت فأضرِمت، وإذا الجنة دار النعيم قُرِّبت من أهلها المتقين، إذا وقع ذلك، تيقنتْ ووجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمت من خير أو شر.

النكت والعيونالماوردي، ت ٤٥٠هـ

{إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت وإذا الجبال سيرت وإذا العشار عطلت وإذا الوحوش حشرت وإذا البحار سجرت وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت وإذا الصحف نشرت وإذا السماء كشطت وإذا الجحيم سعرت وإذا الجنة أزلفت علمت نفس ما أحضرت} قوله تعالى: {إذا الشمسُ كُوِّرَتْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: يعني ذهب نورها وأظلمت , قاله ابن عباس. الثاني: غُوِّرَت , وهو بالفارسية كوبكرد , قاله ابن جبير. الثالث: اضمحلت , قاله مجاهد. الرابع: نكست , قاله أبو صالح. الخامس: جمعت فألقيت , ومنه كارة الثياب لجمعها , وهو قول الربيع بن خيثم. {وإذا النجوم انْكَدَرَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: تناثرت , قاله الربيع بن خيثم. الثاني: تغيرت فلم يبق لها ضوء , قاله ابن عباس. الماوردي ٦/ ٢١١الماوردي ٦/ ٢١١

الثالث: تساقطت , قاله قتادة , ومنه قول العجاج:

(أبصَرَ خرْبان فضاء فانكَدَرْ ... تَقضِّيَ البازي إذا البازي كَسَر)

ويحتمل رابعاً: أن يكون انكدارها طمس آثارها , وسميت النجوم نجوماً لظهورها في السماء بضوئها. {وإذا الجبالُ سُيِّرتْ} يعني ذهبت عن أماكنها , قال مقاتل: فسويت بالأرض كما خلقت أول مرة وليس عليها جبل ولا فيها واد. {وإذا العِشارُ عُطِّلتْ} والعشار: جمع عشراء وهي الناقة إذا صار لحملها عشرة أشهر , وهي أنفس أموالهم عندهم , قال الأعشى:

(هو الواهبُ المائةَ المصْطفا ... ةَ إمّا مخاضاً وإمّا عِشاراً)

فتعطل العشار لاشتغالهم بأنفسهم من شدة خوفهم. وفي (عطلت) تأويلان: أحدهما: أُهملت , قاله الربيع. الثاني: لم تحلب ولم تدر , قاله يحيى بن سلام. وقال بعضهم: العشار: السحاب تعطل فلا تمطر. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أنها الأرض التي يعشر زرعها فتصير للواحد عُشراً , تعطل فلا تزرع. {وإذا الوُحوشُ حُشِرتْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: جمعت , قاله الربيع. الثاني: اختلطت , قاله أبي بن كعب فصارت بين الناس. الماوردي ٦/ ٢١٢الماوردي ٦/ ٢١٢

الثالث: حشرت إلى القيامة للقضاء فيقتص للجمّاء من القرناء , قاله السدي. الرابع: أن حشرها بموتها , قاله ابن عباس. {وإذا البحارُ سُجِّرتْ} فيه ثمانية تأويلات: أحدها: فاضت , قاله الربيع. الثاني: يبست , قاله الحسن. الثالث: ملئت , أرسل عذبها على مالحها , ومالحها على عذبها حتى امتلأت , قاله أبو الحجاج. الرابع: فجرت فصارت بحراً واحداً , قاله الضحاك. الخامس: سيرت كما سيرت الجبال , قاله السدي. السادس: هو حمرة مائها حتى تصير كالدم , مأخوذ من قولهم عين سجراء أي حمراء. السابع: يعني أوقدت فانقلبت ناراً , قاله عليّ رضي الله عنه وابن عباس وأُبي بن كعب. الثامن: معناه أنه جعل ماؤها شراباً يعذب به أهل النار , حكاه ابن عيسى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف (سجرت) إخباراً عن حالها مرة واحدة , وقرأ الباقون بالتشديد إخباراً عن حالها في تكرار ذلك منها مرة بعد أخرى. {وإذا النفوسُ زُوِّجَتْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني عُمل بهن عملٌ مثل عملها , فيحشر العامل بالخير مع العامل بالخير إلى الجنة , ويحشر العامل بالشر مع العامل بالشر إلى النار , قاله عطية العوفي: حين يكون الناس أزواجاً ثلاثة. الثاني: يزوج كل رجل نظيره من النساء فإن من أهل الجنة زوّج بامرأة من اهل الجنة , وإن كان من أهل النار زوّج بامرأة من أهل النار , قاله عمر بن الخطاب , ثم قرأ: {احْشُروا الذين ظلموا وأزواجهم} الثالث: معناه ردّت الأرواح إلى الأجساد , فزوجت بها أي صارت لها زوجاً , قاله عكرمة والشعبي. الرابع: أنه قرن كل غاو بمن أغواه من شيطان أو إنسان , حكاه ابن عيسى. ويحتمل خامساً: زوجت بأن أضيف إلى كل نفس جزاء عملها , فصار لاختصاصها به كالتزويج. {وإذا الموءوجة سُئِلَتْ} والموءودة المقتولة , كان الرجل في الجاهلية إذا ولدت امرأته بنتاً دفنها حية , إما خوفاً من السبي والاسترقاق , وإما خشية الفقر والإملاق , وكان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا ويمنعون منه حتى افتخر الفرزدق فقال: الماوردي ٦/ ٢١٣الماوردي ٦/ ٢١٣

(ومِنّا الذي مَنَعَ الوائداتِ ... فأحْيا والوئيدَ فلم تُوأَدِ)

وسميت موءودة للثقل الذي عليها من التراب , ومنه قوله تعالى: {ولا يئوده حفظهما} أي لا يثقله , وقال متمم بن نويرة:

(وموءودةٍ مقبورة في مفازةٍ ... بآمتها موسودة لم تُمهّدِ)

فقال توبيخاً لقاتلها وزجراً لمن قتل مثلها {وإذا الموءودة سئلت} واختلف هل هي السائلة أو المسئولة , على قولين: أحدهما: وهو قول الأكثرين أنها هي المسئولة: {بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ} فتقول: لا ذنب لي , فيكون ذلك أبلغ في توبيخ قاتلها وزجره. الثاني: أنها هي السائلة لقاتلها لم قتلت , فلا يكون له عذر , قاله ابن عباس وكان يقرأ: وإذا الموءودة سألت. الماوردي ٦/ ٢١٤الماوردي ٦/ ٢١٤

قال قتادة: يقتل أحدهما بنته ويغذو كلبه , فأبى الله سبحانه ذلك عليهم. {وإذا الصُّحُف نُشِرَتْ} يعني صحف الأعمال إذا كتب الملائكة فيها ما فعل أهلها من خير وشر، تطوى بالموت وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها قيقول: ( {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحْصاها} . وقرأ حمزة والكسائي بتشديد نشّرت على تكرار النشر , وقرأ الباقون بالتخفيف على نشرها مرة واحدة , فإن حمل على المرة الواحدة فلقيام الحجة بها , وإن حمل على التكرار ففيه وجهان: أحدهما: للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع. الثاني: لتكرير ذلك من الإنسان والملائكة الشهداء عليه. {وإذا السماءُ كُشِطَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها يعني ذهبت , قاله الضحاك. الثاني: كسفت , قاله السدي. الثالث: طويت , قاله يحيى بن سلام , كما قال تعالى: {يوم نطوي السماء} الآية. {وإذا الجحيمُ سُعِّرَتْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أحميت , قاله السدي. الثاني: أُوقدت , قاله معمر عن قتادة. الثالث: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم , قاله سعيد عن قتادة. {وإذا الجنّةُ أُزْلِفَتْ} أي قرّبت , قال الربيع: إلى هاتين الآيتين ما جرى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير. {عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرتْ} يعني ما عملت من خير وشر. وهذا جواب {إذا الشمس كورت} وما بعدها , قال عمر بن الخطاب: لهذا جرى الحديث , وقال الحسن: {إذا الشمس كورت} قسم وقع على قوله {علمت نفسٌ ما أَحضَرَتْ} . الماوردي ٦/ ٢١٥الماوردي ٦/ ٢١٥

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْعلى الآيات ١ إلى ١٤ابن كثير ٩/ ٣٢٨ابن كثير ٩/ ٣٢٨

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) يعني: أظلمت. وقال العوفي، عنه: ذهبت، وقال مجاهد: اضمحَلّت وذَهَبت. وكذا قال الضحاك.

وقال قتادة: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: (كُوِّرَتْ) غُوّرت.

وقال الربيع بن خُثَيم: (كُوِّرَتْ) يعني: رمى بها.

وقال أبو صالح: (كُوِّرَتْ) ألقيت. وعنه أيضا: نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.

قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جَمعُ الشيء بعضه إلى بعض، ومنه تكوير العمامة [وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكاره، وهي] جمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله: (كُوَّرَتْ) جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمى بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها . ابن كثير ٩/ ٣٢٨ابن كثير ٩/ ٣٢٨

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بَجِيلة، عن ابن عباس: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحا دبورًا فتضرمها نارا. وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) قال: "كورت في جهنم" .

وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حَيَّان، حدثنا دُرُسْتُ بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشمس والقمر ثوران عقيران في النار" .

هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري:

حدثنا مُسَدَّد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناجُ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" .

انفرد به البخاري وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب "بدء الخلق" ، وكان جديرًا أن يذكره هاهنا أو يكرره، كما هي عادته في أمثاله! وقد رواه البزار فَجَوّد إيراده فقال:

حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد-مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فَحدّث قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشمس والقمر نوران في النار يوم القيامة" . فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: أحسبه قال: وما ذنبهما.

ثم قال: لا يروى عن أبي هُرَيرة إلا من هذا الوجه، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.

وقوله: (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) أي: انتثرت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] ، وأصل الانكدار: الانصباب.

قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) قال: اختلطت، (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) قال: أهملها أهلها، (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر. قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. ابن كثير ٩/ ٣٢٩ابن كثير ٩/ ٣٢٩

رواه ابن جرير -وهذا لفظه-وابن أبي حاتم، ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خُثَيم ، والحسن البصري، وأبو صالح، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك في قوله: (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) ي: تناثرت.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم عن النبي ﷺ : (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) قال: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يُعبَدا لدخلاها" . رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.

وقوله: (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) أي: زالت عن أماكنها ونُسِفت، فتركت الأرض قاعا صفصفا.

وقوله: (وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ) قال عكرمة، ومجاهد: عشار الإبل. قال مجاهد: (عُطِّلَت) تركت وسُيّبت.

وقال أبي بن كعب، والضحاك: أهملها أهلها: وقال الربيع بن خُثَيم لم تحلب ولم تُصَرّ، تخلى منها أربابها.

وقال الضحاك: تركت لا راعي لها.

والمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإبل- وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وَصَلت في حملها إلى الشهر العاشر-واحدها عُشَراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع-قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها، بما دَهَمهم من الأمر العظيم المُفظع الهائل، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها.

وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة، يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها. وقد قيل في العشار: إنها السحاب يُعطَّل عن المسير بين السماء والأرض، لخراب الدنيا. و [قد] قيل: إنها الأرض التي تُعشَّر. وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تُعَطَّل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه "التذكرة" ، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى أكثر الناس . ابن كثير ٩/ ٣٣٠ابن كثير ٩/ ٣٣٠

قلت: بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم.

وقوله: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) أي: جمعت. كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] . قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب. رواه ابن أبي حاتم. وكذا قال الربيع بن خُثَيم والسّديّ، وغير واحد. وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق [موافية] فيقضي الله فيها ما يشاء.

وقال عكرمة: حشرها: موتها.

وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا حُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) قال: حَشرُ البهائم: موتها، وحشر كل شيء الموت غيره الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة.

حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خُثَيم : (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة، فقال: قال ابن عباس: حشرها: موتها.

وقد تقدم عن أبيّّ بن كعب أنه قال: (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) اختلطت.

قال ابن جرير: والأولى قَولُ من قال: (حُشِرَت) جُمعت، قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص: ١٩] ، أي: مجموعة.

وقوله: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَية، عن داود، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي، رضي الله عنه ، لرجل من اليهود: أين جهنم؟ قال: البحر. فقال: ما أراه إلا صادقا. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] ، (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) [مخففة] .

وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الدّبور فتسعرها، وتصير نارًا تأجج، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾

وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط-شيخٌ صَالِح يُشبهُ مالكَ بن أنس- عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا البحر بركة-يعني بحر الرُّوم-وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر. ابن كثير ٩/ ٣٣١ابن كثير ٩/ ٣٣١

وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود: "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا" الحديث، وقد تقدم الكلام عليه في سورة "فاطر" .

وقال مجاهد، والحسن بن مسلم: (سُجِّرَت) أوقدت. وقال الحسن: يبست. وقال الضحاك، وقتادة: غاض ماؤها فذهب ولم يبق فيها قطرة. وقال الضحاك أيضا: (سُجِّرَتْ) فجرت. وقال السدي: فتحت وسيرت. وقال الربيع بن خُثَيم (سُجِّرَتْ) فاضت.

وقوله: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) أي: جمع كل شكل إلى نظيره، كقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سمَاك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قال: الضرباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله"، وذلك بأن الله عز وجل يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧ - ١٠] ، قال: هم الضرباء .

ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير أن عُمَر خطب الناس فقرأ: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) فقال: تَزَوّجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم. وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار .

وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس.

وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) ؟ فسكتوا. قال: ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قال: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة.

وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قال: الأمثال من الناس جمع بينهم. وكذا قال الربيع بن خُثَيم والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير، وهو الصحيح. ابن كثير ٩/ ٣٣٢ابن كثير ٩/ ٣٣٢

قول آخر في قوله: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) قال ابن أبي حاتم:

حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث [بن سوار] ، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاما، فينبت منه كل خلق بلي، من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على الأرض. قد نبتوا، ثم تُرسَل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى : (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ)

وكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري أيضا في قوله: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) أي: زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة" .

وقوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) هكذا قراءة الجمهور: (سُئلَت) والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا؟!

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ) أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى: "سألت" أي: طالبت بدمها. وعن السدي، وقتادة، مثله .

وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فقال الإمام أحمد:

حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود- وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل-عن عروة، عن عائشة، عن جُدَامة بنت وهب-أخت عكاشة- قالت حضرتُ رسولَ الله ﷺ في ناس وهو يقول: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلَة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يُغيلُونَ أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئا" . ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : " ذلك الوأد الخفي، وهو الموءودة سئلت" .

ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ-وهو عبد الله بن يزيد-عن سعيد بن أبي أيوب ورواه أيضا ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب ورواه مسلم أيضا وأبو داود والترمذي، والنسائي، من حديث مالك بن أنس، ثلاثتهم عن أبي الأسود، به . ابن كثير ٩/ ٣٣٣ابن كثير ٩/ ٣٣٣

وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عَدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجُعْفي قال: انطلقتُ أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تَصل الرحم وتقري الضيف، وتفعل [وتفعل] هلكت في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: "لا" . قلنا: فإنها كانت وأدت أختا لنا في الجاهلية، فهل ذلك نافعُها شيئا؟ قال: "الوائدةُ والموءودةُ في النار، إلا أن يدركَ الوائدةَ الإسلامُ، فيعفو الله عنها" .

ورواه النسائي، من حديث داود بن أبي هند، به .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "الوائدة والموءودة في النار" .

وقال أحمد أيضا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصُّرَيمية، عن عمها قال: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموءودة في الجنة" .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة قال: سمعت الحسن يقول: قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "الموءودة في الجنة" .

هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله.

وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله عز وجل (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) قال ابن عباس: هي المدفونة.

وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سمَاك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * [بأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ) ، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة" . قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة" . ابن كثير ٩/ ٣٣٤ابن كثير ٩/ ٣٣٤

قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم نكتبه إلا عن الحسين بن مهدي، عنه .

وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إلي- قال: حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: "وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية" . وقال في آخره: "فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة" . ثم قال:

حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حُصَين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وأدتُ اثنتي عشرة ابنًة لي في الجاهلية- أو: ثلاث عشرة-قال : " أعتق عددهن نَسِما" . قال: فأعتق عددهن نسما، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها، ونسميها القيسية .

وقوله: (وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) قال الضحاك: أعطى كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله. وقال قتادة: [صحيفتك] يا ابن آدم، تُملى فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته.

وقوله: (وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ) قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب.

وقوله: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) قال السدي: أحميت. وقال قتادة: أوقدت. قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.

وقوله: (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) قال الضحاك، وأبو مالك، وقتادة، والربيع بن خُثَيم أي: قربت إلى أهلها.

وقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] . وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] .

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن مُطَرّف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزلت: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) قال عمر: لما بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) قال: لهذا أجرىَ الحديثُ. ابن كثير ٩/ ٣٣٥ابن كثير ٩/ ٣٣٥