القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

أَوْ مِسْكِينًۭا ذَا مَتْرَبَةٍۢ ١٦

سورة البلد، الآية ١٦مكية
في سورتها

الشبهات

دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتابالشنقيطي، ت ١٣٩٣هـ

قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } [البلد/ ١٦] .

يدل ظاهره على أن المسكين لاصق بالتراب ليس عنده شيء، فهو أشد فقرًا من مطلق الفقير، كما ذهب إليه مالك وكثير من العلماء.

وقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ} الآية [الكهف/ ٧٩] يدل على خلاف ذلك؛ لأنه سماهم مساكين مع أن لهم سفينة عاملة للإيجار .

والجواب عن هذا محتاج إليه على كلا القولين:

أما على قول من قال: إن المسكين مَن عنده ما لا يكفيه، كالشافعي؛ فالذي يظهر لي أن الجواب أنه يقول: المسكين عنده الإطلاق ينصرف إلى من عنده شيء لا يكفيه، فإذا قُيِّدَ بما يقتضي أنه لا شئ عنده فذلك يُعْلَمُ من القيد الزائد لا من مطلق لفظ المسكين. الشنقيطي ١/ ٣٦١الشنقيطي ١/ ٣٦١

وعليه، فاللَّه -في هذه الآية- قيد المسكين بكونه ذا متربة، فلو لم يقيده لانصرف إلي من عنده ما لا يكفيه، فمدلول اللفظ حالة الإطلاق لا يعارض بمدلوله حالة التقييد.

وأما على قول من قال بأن المسكين أحوج من مطلق الفقير، وأنه لا شيء عنده، فيجاب عن آية الكهف بأجوبة:

منها: أن المراد بقوله: {مَسَاكِينَ} أنهم قوم ضعاف لا يقدرون على مدافعة الظلمة، ويزعمون أنهم عشرة، خمسةٌ منهم زَمْنَى.

ومنها: أن السفينة لم تكن ملكًا لهم، بل كانوا أجراء فيها، أو أنها عارية، واللام للاختصاص.

ومنها: أن اسم المساكين أطلق عليهم ترحمًا؛ لضعفهم.

والذي يظهر لمقيده -عفا اللَّه عنه- أن هذه الأجوبة لا دليل على شئ منها؛ فليس فيها حجة يجب الرجوع إليها.

وما احتج به بعضهم من قراءة عليٍّ -رضي اللَّه عنه- (لمسَّاكين) بتشديد السين، جمع تصحيح لـ "مسَّاك" بمعنى المَلَّاح، أو دابة المُسُوك التي هي الجلود = فلا يخفى سقوطه؛ لضعف هذه القراءة وشذوذها.

والذي يتبادر إلى ذهن المنصف أن مجموع الآيتين دل على أن لفظ "المسكين" مُشَكِّك؛ لتفاوت أفراده، فيصدق بمن عنده ما لا يكفيه بدليل آية الكهف، ومن هو لاصق بالتراب لا شيء عنده بدليل آية البلد، كاشتراك الشمس والسراج في النور مع تفاوتهما، واشتراك الثلج والعاج في البياض مع تفاوتهما. الشنقيطي ١/ ٣٦٢الشنقيطي ١/ ٣٦٢

والمُشَكِّك إذا أطلق ولم يقيد بوصف الأشَدِّية انصرف إلى مطلقه.

هذا ما ظَهَر، والعلم عند اللَّه تعالى.

والفقير -أيضًا- قد تطلقه العرب على من عنده بعض المال، كقول مالك.

ومن شواهده قول راعي نمير:

أما الفقير الذي كانت حَلُوبَتُه ... وَفْقَ العيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ

فسماه فقيرًا مع أن عنده حلوبة قدر عياله. الشنقيطي ١/ ٣٦٣الشنقيطي ١/ ٣٦٣