بيان إعجاز القرآنأبو سليمان الخطابي، ت ٣٨٨هـص ٤٧
القول في بيان إعجاز القرآنإذا ورد عليه منها ما يخالف المعهود من لغة أهل زمانه لم يسرع إلى النكير فيه والتلحين. أخبرنا أبو عمر عن أبي العباس قال: قال ابن الخطاب: أنحى الناس من لم يلَحِّن أحدًا. وسمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي العباس بن سريج قال: سأل رجل بعض العلماء عن قول الله عز وجل: {لا أقسم بهذا البلد} قأخبر أنه لا يقسم ثم أقسم به في قوله: {والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا} فقال له ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك؛ أجيبك ثم أقطعك , أو أقطعك ثم أجيبك؟ قال: لا بل اقطعني ثم أجبني. فقال له: أعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزًا , وعليه مطعنًا فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه , ولكن القوم علموا وجهلت , فلم ينكروا ما أنكرت , ثم قال له: إن العرب قد تدخل لا في أثناء كلامها وتلغي معناها , كقول الشاعر: في بئر لا حور سرى وما شعر يريد في بئر حور سرى وما شعر , وأخبرني أبو عمر عن أبي العباس عن ابن الأعرابي قال: العرب تذكر لا وتلغيه ولا تضمر لا وتستعمله , وانشد في الأول قوله: في بئر لاحور سرى وما شعر وفي الآخر قول الشاعر: أوصيك أن تحمدك الأقارب ... أو يرجع المسكين وهو خائب قلت: فهذا وما أشبهه زيادات حروف في مواضع من الكلام وحذف حروف في أماكن أخر منها , إنما جاءت على نهج لغتهم الأولى قبل أن يدخلها التغيير , ثم صار المتأخرون إلى ترك استعمالها في كلامهم. فافهم هذا الباب , فإنك إذا أحكمت معرفته استفدت علمًا كثيرًا وسقطت عنك مئونة عظيمة وزال عنك ريب القلب , وتخلصت من شغب الخصم , ولا قوة إلا بالله.