أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ١
التفسير
قَرُب قيام الساعة وقضاء الله بعذابكم -أيها الكفار- فلا تستعجلوا العذاب استهزاء بوعيد الرسول لكم. تنزَّه الله سبحانه وتعالى عن الشرك والشركاء.
أخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: نزلت سُورَة النَّحْل بِمَكَّة
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن الزبير مثله
وَأخرج النّحاس من طَرِيق مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سُورَة النَّحْل نزلت بِمَكَّة سوى ثَلَاث آيَات من آخرهَا فانهن نَزَلْنَ بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فِي منصرف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أحد
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: لما نزلت {أَتَى أَمر الله} ذعر أَصْحَاب الرَّسُول حَتَّى نزلت {فَلَا تستعجلوه} فسكنوا
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الزّهْد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن أبي بكر بن حَفْص قَالَ: لما نزلت {أَتَى أَمر الله} قَامُوا فَنزلت {فَلَا تستعجلوه} وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس {أَتَى أَمر الله} قَالَ: خُرُوج مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم السيوطي ٥/ ١٠٧السيوطي ٥/ ١٠٧
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي بن كَعْب قَالَ: دخلت الْمَسْجِد فَصليت فَقَرَأت سُورَة النَّحْل وَجَاء رجلَانِ فقرآ خلاف قراءتنا فَأخذت بأيدهما فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت: يَا رَسُول الله استقرئ هذَيْن فَقَرَأَ أَحدهمَا فَقَالَ: أصبت
ثمَّ استقرأ الآخر فَقَالَ: أصبت
فَدخل قلبِي أشدّ مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الشَّك والتكذيب فَضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدْرِي فَقَالَ: أَعَاذَك الله من الشَّك والشيطان
فتصببت عرقاً قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ: اقْرَأ الْقُرْآن على حرف وَاحِد
فَقلت: إِن أمتِي لَا تَسْتَطِيع ذَلِك حَتَّى قَالَ: سبع مَرَّات
فَقَالَ لي: اقْرَأ على سَبْعَة أحرف بِكُل ردة رَددتهَا مَسْأَلَة
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة {أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه} قَالَ رجال من الْمُنَافِقين بَعضهم لبَعض: إِن هَذَا يزْعم أَن أَمر الله قد أَتَى فأمسكوا عَن بعض مَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ حَتَّى تنظروا مَا هُوَ كَائِن فَلَمَّا رَأَوْا أَنه لَا ينزل شَيْء قَالُوا: مَا نرَاهُ نزل
فَنزلت {اقْترب للنَّاس حسابهم} الْآيَة
فَقَالُوا: إِن هَذَا يزْعم مثلهَا أَيْضا فَلَمَّا رَأَوْا أَنه لَا ينزل شَيْء قَالُوا: مَا نرَاهُ نزل شَيْء فَنزلت (وَلَئِن أخرنا عَنْهُم الْعَذَاب إِلَى أمة مَعْدُودَة
) (هود آيَة ٨) الْآيَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن عقبَة بن عَامر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تطلع عَلَيْكُم قبل السَّاعَة سَحَابَة سَوْدَاء من قبل الْمغرب مثل الترس فَمَا تزَال ترْتَفع فِي السَّمَاء حَتَّى تملأ السَّمَاء ثمَّ يُنَادي مُنَاد: ياأيها النَّاس فَيقبل النَّاس بَعضهم على بعض: هَل سَمِعْتُمْ فَمنهمْ من يَقُول: نعم
وَمِنْهُم من يشك
ثمَّ يُنَادي الثَّانِيَة: ياأيها النَّاس هَل سَمِعْتُمْ فَيَقُولُونَ: نعم
ثمَّ يُنَادي: أَيهَا النَّاس {أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه} قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ إِن الرجلَيْن لينشران الثَّوْب فَمَا يطويانه وَإِن الرجل ليملأ حَوْضه فَمَا يسْقِي فِيهِ شَيْئا وَإِن الرجل ليحلب نَاقَته فَمَا يشربه ويشغل النَّاس وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: {أَتَى أَمر الله فَلَا تستعجلوه} قَالَ: الْأَحْكَام وَالْحُدُود والفرائض السيوطي ٥/ ١٠٨السيوطي ٥/ ١٠٨
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ} قَالَ: بِالْوَحْي
وَأخرج آدم بن أبي إِيَاس وَسَعِيد بن مَنْصُور وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: {الرّوح} أَمر من أَمر الله وَخلق من خلق الله وصورهم على صُورَة بني آدم
وَمَا ينزل من السَّمَاء ملك إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِد من الرّوح ثمَّ تَلا (يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا) (النبأ آيَة ٣٨)
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن مُجَاهِد فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره} قَالَ: إِنَّه لَا ينزل ملك إِلَّا وَمَعَهُ روح كالحفيظ عَلَيْهِ لَا يتَكَلَّم وَلَا يرَاهُ ملك وَلَا شَيْء مِمَّا خلق الله
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره} قَالَ: بِالْوَحْي وَالرَّحْمَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ} قَالَ: بِالنُّبُوَّةِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ فِي العظمة عَن الضَّحَّاك فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ} قَالَ: الْقُرْآن
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الرّبيع بن أنس فِي قَوْله: {ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ} قَالَ: كل شَيْء تكلم بِهِ رَبنَا فَهُوَ روح {من أمره} قَالَ: بِالرَّحْمَةِ وَالْوَحي على من يَشَاء من عباده فيصطفي مِنْهُم رسلًا
{أَن أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون} قَالَ: بهَا بعث الله الْمُرْسلين أَن يوحد الله وجده ويطاع أمره ويجتنب سخطه
وَأخرج ابْن سعد وَأحمد وَابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن يسر بن جحاش قَالَ: بَصق رَسُول الله فِي كَفه ثمَّ قَالَ: يَقُول الله أَنى تعجزني وَقد خلقتك من مثل هَذِه حَتَّى إِذا سوّيتك فعدلتك مشيت بَين برديك وللأرض مِنْك وئيد السيوطي ٥/ ١٠٩السيوطي ٥/ ١٠٩
فَجمعت ومنعت حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم قلت: أَتصدق وأنى أَوَان الصَّدَقَة السيوطي ٥/ ١١٠السيوطي ٥/ ١١٠
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقق والوقوع لا محالة [كما قال تعالى] : ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] ، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
وقوله: (فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) أي: قرب ما تباعد فلا تستعجلوه.
يحتمل أن يعود الضمير على الله، ويحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣، ٥٤] .
وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: فرائضه وحدوده.
وقد رده ابن جرير فقال: لا نعلم أحدًا استعجل الفرائض والشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه، استبعادًا وتكذيبًا.
قلت: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨] .
وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله -مولى المغيرة بن شعبة -عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ "تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء، ثم ينادي مناد فيها: يا أيها الناس. فيقبل الناس بعضهم على بعض: هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم. ومنهم من يشك. ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس. فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم؟ فيقولون: نعم. ثم ينادي الثالثة: يا أيها الناس، أتى أمر الله فلا تستعجلوه. قال رسول الله ﷺ : فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا، وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئًا أبدًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا -قال -ويشتغل الناس" . ابن كثير ٥/ ٥٥٥ابن كثير ٥/ ٥٥٥
ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، قال: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ابن كثير ٥/ ٥٥٦ابن كثير ٥/ ٥٥٦
لا كتاب مختار.