وَٱلضُّحَىٰ ١
التفسير
أقسم الله بوقت الضحى، والمراد به النهار كله، وبالليل إذا سكن بالخلق واشتد ظلامه. ويقسم الله بما يشاء من مخلوقاته، أما المخلوق فلا يجوز له أن يقسم بغير خالقه، فإن القسم بغير الله شرك. ما تركك -أيها النبي- ربك، وما أبغضك بإبطاء الوحي عنك.
أخرج ابْن الضريس والنحاس وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: نزلت سُورَة الضُّحَى بِمَكَّة
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق أبي الْحسن البزي الْمقري قَالَ: سَمِعت عِكْرِمَة بن سُلَيْمَان يَقُول: قَرَأت على اسماعيل بن قسطنطين فَلَمَّا بلغت {وَالضُّحَى} قَالَ: كبر عِنْد خَاتِمَة كل سُورَة حَتَّى تختم فَإِنِّي قَرَأت على عبد الله بن كثير فَلَمَّا بلغت {وَالضُّحَى} قَالَ: كبر حَتَّى تختم وَأخْبرهُ عبد الله بن كثير أَنه قَرَأَ على مُجَاهِد فَأمره بذلك وَأخْبرهُ مُجَاهِد أَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أمره بذلك وَأخْبرهُ ابْن عَبَّاس أَن أبيّ بن كَعْب أمره بذلك وَأخْبرهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرهُ بذلك
وَأخرج أَحْمد وَعبد بن حميد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَأَبُو نعيم مَعًا فِي الدَّلَائِل عَن جُنْدُب البَجلِيّ قَالَ: اشْتَكَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلم يقم لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَأَتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت: يَا مُحَمَّد مَا أرى شَيْطَانك إِلَّا قد بركك لم تره قربك لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَأنْزل الله {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى} السيوطي ٨/ ٥٣٩السيوطي ٨/ ٥٣٩
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَسَعِيد بن مَنْصُور وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن جُنْدُب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيل على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد فَأنْزل الله {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن جُنْدُب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: احْتبسَ جِبْرِيل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَت بعض بَنَات عَمه: مَا أرى صَاحبك إِلَّا قد قلاك
فَنزلت: {وَالضُّحَى} إِلَى {وَمَا قلى}
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن أبي حَاتِم وَاللَّفْظ لَهُ عَن جُنْدُب قَالَ: رمي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحجر فِي أُصْبُعه فَقَالَ: هَل أَنْت إِلَّا أصْبع دميت وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت فَمَكثَ لَيْلَتَيْنِ أَو ثَلَاثًا لايقوم فَقَالَت لَهُ امْرَأَة: مَا أرى شَيْطَانك إِلَّا قد تَركك فَنزلت {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج الْحَاكِم عَن زيد بن أَرقم رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لما نزلت (تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى) (سُورَة المسد الْآيَة ١) إِلَى (وَامْرَأَته حمالَة الْحَطب) (سُورَة المسد الْآيَة ٤) فَقيل لامْرَأَة أبي لَهب: إِن مُحَمَّدًا قد هجاك
فَأَتَت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ جَالس فِي الملاء فَقَالَت: يَا مُحَمَّد علام تهوجون قَالَ: إِنِّي وَالله مَا هجوتك مَا هجاك إِلَّا الله
فَقَالَت: هَل رَأَيْتنِي أحمل حطباً أَو رَأَيْت فِي جيدي حبلاً من مسد ثمَّ انْطَلَقت
فَمَكثت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيَّامًا لَا ينزل عَلَيْهِ فَأَتَتْهُ فَقَالَت: مَا أرى صَاحبك إِلَّا قد وَدعك وَقَلَاكَ فَأنْزل الله {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج ابْن جرير عَن عبد الله بن شَدَّاد رَضِي الله عَنهُ أَن خَدِيجَة قَالَت للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا أرى رَبك إِلَّا قد قلاك فَأنْزل الله {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن عُرْوَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيل عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجزع جزعاً شَدِيدا فَقَالَت خَدِيجَة: أرى رَبك قد قلاك مِمَّا يرى من جزعك فَنزلت {وَالضُّحَى} إِلَى آخرهَا السيوطي ٨/ ٥٤٠السيوطي ٨/ ٥٤٠
وَأخرج الْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل من طَرِيق عُرْوَة عَن خَدِيجَة قَالَت: لما أَبْطَأَ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوَحْي جزع من ذَلِك فَقلت لَهُ مِمَّا رَأَيْت من جزعه: لقد قلاك رَبك مِمَّا يرى من جزعك فَأنْزل الله {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج ابْن جرير وَابْن مرْدَوَيْه من طَرِيق الْعَوْفِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: لما نزل على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْقُرْآن أَبْطَأَ عَنهُ جِبْرِيل أَيَّامًا فَعير بذلك فَقَالَ الْمُشْركُونَ: ودعه ربه وقلاه فَأنْزل الله {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى} يَعْنِي أقبل {مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى}
وَأخرج ابْن جرير نَحوه من مُرْسل قَتَادَة وَالضَّحَّاك
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {وَالضُّحَى} قَالَ: سَاعَة من سَاعَات النَّهَار {وَاللَّيْل إِذا سجى} قَالَ: سكن بِالنَّاسِ
وَأخرج الْفرْيَابِيّ وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد رَضِي الله عَنهُ {وَاللَّيْل إِذا سجى} قَالَ: إِذا اسْتَوَى
وَأخرج عبد الرَّزَّاق عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ {إِذا سجى} قَالَ: إِذا لبس النَّاس
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {إِذا سجى} قَالَ: إِذا أقبل
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير رَضِي الله عَنهُ {وَاللَّيْل إِذا سجى} قَالَ: إِذا أقبل فَغطّى كل شَيْء
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم وَابْن الْمُنْذر مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا {إِذا سجى} قَالَ: إِذا ذهب {مَا وَدعك رَبك} قَالَ: مَا تَركك {وَمَا قلى} قَالَ: مَا أبغضك
وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي مُسْنده وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن أم حَفْص عَن أمهَا وَكَانَت خَادِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن جرواً دخل بَيت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَدخل تَحت السرير فَمَاتَ فَمَكثَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة أَيَّام لَا ينزل عَلَيْهِ الْوَحْي فَقَالَ: يَا خَوْلَة مَا حدث فِي بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جِبْرِيل لَا يأتيني السيوطي ٨/ ٥٤١السيوطي ٨/ ٥٤١
فَقلت يَا نَبِي الله مَا أَتَى علينا يَوْم خير منا الْيَوْم فَأخذ برده فلبسه وَخرج فَقلت فِي نَفسِي: لَو هيأت الْبَيْت وكنسته فَأَهْوَيْت بالمكنسة تَحت السرير فَإِذا بِشَيْء ثقيل فَلم أزل حَتَّى بدا لي الجرو مَيتا فَأَخَذته بيَدي فألقيته خلف الدَّار فجَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ترْعد لحيته وَكَانَ إِذا نزل عَلَيْهِ أَخَذته الرعدة فَقَالَ: يَا خَوْلَة دثريني فَأنْزل الله عَلَيْهِ {وَالضُّحَى وَاللَّيْل إِذا سجى} إِلَى قَوْله: {فترضى}
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عرض عَليّ مَا هُوَ مَفْتُوح لأمتي بعدِي فسرني فَأنْزل الله {وللآخرة خير لَك من الأولى}
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِل عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: عرض على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا هُوَ مَفْتُوح على أمته من بعده كفرا كفرا فسر بذلك فَأنْزل الله {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} فَأعْطَاهُ فِي الْجنَّة ألف قصر من لُؤْلُؤ ترابه الْمسك فِي كل قصر مَا يَنْبَغِي لَهُ من الْأزْوَاج والخدم
وَأخرج ابْن جرير من طَرِيق السّديّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} قَالَ: من رضَا مُحَمَّد أَن لَا يدْخل أحد من أهل بَيته النَّار
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان من طَرِيق سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} قَالَ: رِضَاهُ أَن تدخل أمته الْجنَّة كلهم
وَأخرج الْخَطِيب فِي تَلْخِيص الْمُتَشَابه من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} قَالَ: لَا يرضى مُحَمَّد وَاحِد من أمته فِي النَّار
وَأخرج مُسلم عَن ابْن عَمْرو رَضِي الله عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَلا قَول الله فِي إِبْرَاهِيم (فَمن تَبِعنِي فَإِنَّهُ مني) (سُورَة إِبْرَاهِيم الْآيَة ٣٦) وَقَول عِيسَى (إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك) (سُورَة النِّسَاء الْآيَة ١١٨) الْآيَة
فَرفع يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أمتِي أمتِي وَبكى فَقَالَ الله: يَا جِبْرِيل اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّد فَقل لَهُ: إِنَّا سنرضيك فِي أمتك وَلَا نسوءك السيوطي ٨/ ٥٤٢السيوطي ٨/ ٥٤٢
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية من طَرِيق حَرْب بن شُرَيْح رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قلت لأبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن: أَرَأَيْت هَذِه الشَّفَاعَة الَّتِي يتحدث بهَا أهل الْعرَاق أَحَق هِيَ قَالَ: إِي وَالله حَدثنِي عمي مُحَمَّد بن الحنفيه عَن عَليّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: أشفع لأمتي حَتَّى يناديني رَبِّي أرضيت يَا مُحَمَّد فَأَقُول: نعم يَا رب رضيت
ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ: إِنَّكُم تَقولُونَ يَا معشر أهل الْعرَاق إِن أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله (يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا) (سُورَة الزمر الْآيَة ٥٣) قلت: إِنَّا لنقول ذَلِك
قَالَ فكلنا أهل الْبَيْت نقُول: إِن أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} وَهِي الشَّفَاعَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن رَضِي الله عَنهُ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله: {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} قَالَ: هِيَ الشَّفَاعَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِنَّا أهل بَيت اخْتَار الله لنا الْآخِرَة على الدُّنْيَا {ولسوف يعطيك رَبك فترضى}
وَأخرج العسكري فِي المواعظ وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن لال وَابْن النجار عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على فَاطِمَة وَهِي تطحن بالرحى وَعَلَيْهَا كسَاء من حَملَة الإِبل فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا قَالَ: يَا فَاطِمَة تعجلِي فتجرعي مرَارَة الدُّنْيَا لنعيم الْآخِرَة غَدا فَأنْزل الله {ولسوف يعطيك رَبك فترضى}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن عِكْرِمَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: لما نزلت {وللآخرة خير لَك من الأولى} قَالَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب: لَا يدع الله نبيه فِيكُم إِلَّا قَلِيلا لما هُوَ خير لَهُ
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة رَضِي الله عَنهُ فِي قَوْله: {ولسوف يعطيك رَبك فترضى} قَالَ: ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة هِيَ الْجنَّة وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل وَابْن عَسَاكِر من طَرِيق مُوسَى بن عَليّ بن رَبَاح عَن أَبِيه رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كنت عِنْد مسلمة بن مخلد وَعِنْده عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فتمثل مسلمة بِبَيْت من شعر أبي طَالب فَقَالَ: لَو أَن أَبَا طَالب رأى مَا نَحن فِيهِ الْيَوْم من نعْمَة الله وكرامته لعلم أَن ابْن أَخِيه سيد قد جَاءَ بِخَير كثير فَقَالَ عبد الله: ويومئذ قد كَانَ سيداً كَرِيمًا قد جَاءَ بِخَير كثير فَقَالَ مسلمة: ألم يقل الله {ألم يجدك يَتِيما فآوى ووجدك ضَالًّا فهدى ووجدك عائلاً فأغنى} فَقَالَ عبد الله: أما الْيَتِيم فقد كَانَ يَتِيما من أَبَوَيْهِ وَأما الْعيلَة فَكل مَا كَانَ بأيدي الْعَرَب إِلَى الْقلَّة السيوطي ٨/ ٥٤٣السيوطي ٨/ ٥٤٣
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن ابْن شهَاب رَضِي الله عَنهُ قَالَ: بعث عبد الْمطلب ابْنه عبد الله يمتار لَهُ تَمرا من يثرب فَتوفي عبد الله وَولدت آمِنَة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَكَانَ فِي حجر جده عبد الْمطلب
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِل وَابْن مرْدَوَيْه وَابْن عَسَاكِر رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: سَأَلت رَبِّي مَسْأَلَة ووددت أَنِّي لم أكن سَأَلته فَقلت: قد كَانَت قبلي الْأَنْبِيَاء مِنْهُم من سخرت لَهُ الرّيح وَمِنْهُم من كَانَ يحيي الْمَوْتَى فَقَالَ تَعَالَى: يَا مُحَمَّد ألم أجدك يَتِيما فآويتك ألم أجدك ضَالًّا فهديتك ألم أجدك عائلاً فأغنيتك ألم أشرح لَك صدرك ألم أَضَع عَنْك وزرك ألم أرفع لَك ذكرك قلت: بلَى يَا رب
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: سَأَلت رَبِّي شَيْئا وددت أَنِّي لم أكن سَأَلته قلت: يَا رب كل الْأَنْبِيَاء فَذكر سُلَيْمَان بِالرِّيحِ وَذكر مُوسَى فَأنْزل الله {ألم يجدك يَتِيما فآوى}
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه والديلمي عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ: لما نزلت {وَالضُّحَى} على رسو ل الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: يمن عليّ رَبِّي وَأهل أَن يمن رَبِّي وَالله أعلم
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فِي قَوْله: {ووجدك ضَالًّا فهدى} قَالَ: وَجدك بَين ضَالِّينَ فاستنقذك من ضلالتهم
أخرج ابْن جرير عَن سُفْيَان {ووجدك عائلاً} قَالَ: فَقير وَذكر أَنَّهَا فِي مصحف ابْن مَسْعُود ووجدك عديماً فآوى وَأخرج ابْن الْأَنْبَارِي فِي المصاحب عَن الْأَعْمَش قَالَ: قِرَاءَة ابْن مَسْعُود ووجدك عديماً فأغنى السيوطي ٨/ ٥٤٤السيوطي ٨/ ٥٤٤
أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر} قَالَ: لَا تحقره وَذكر أَن فِي مصحف عبد الله فَلَا تَكْهَر وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {فَلَا تقهر} قَالَ: فَلَا تظلم
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة {فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر} يَقُول: لَا تظلمه
وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة {فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر} قَالَ: كن للْيَتِيم كأب رَحِيم {وَأما السَّائِل فَلَا تنهر} قَالَ: رد السَّائِل برحمة ولين
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن سُفْيَان {وَأما السَّائِل فَلَا تنهر} قَالَ: من جَاءَ يَسْأَلك عَن أَمر دينه فَلَا تَنْهَرهُ وَالله أعلم
أخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} قَالَ: بالنبوّة الَّتِي أَعْطَاك رَبك
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُجَاهِد {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} قَالَ: بِالْقُرْآنِ
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن مقسم قَالَ: لقِيت الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فصافحته فَقَالَ: التقابل مصافحة الْمُؤمن
قلت أَخْبرنِي عَن قَوْله: {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} قَالَ: الرجل الْمُؤمن يعْمل عملا صَالحا فيخبر بِهِ أهل بَيته
قلت أَي الْأَجَليْنِ قضى مُوسَى الأول أوة الآخر قَالَ: الآخر
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم من وَجه آخر عَن الْحسن بن عَليّ فِي قَوْله: {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} قَالَ: إِذا أصبت خيرا فَحدث إخوانك
وَأخرج ابْن جرير عَن أبي نَضرة قَالَ: كَانَ الْمُسلمُونَ يرَوْنَ أَن من شكر النِّعْمَة أَن يحدث بهَا
وَأخرج عبد الله بن أَحْمد فِي زَوَائِد الْمسند وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان بِسَنَد ضَعِيف عَن أنس بن بشير قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْمِنْبَر: من لم يشْكر الْقَلِيل لم يشْكر الْكثير وَمن لم يشْكر النَّاس لم يشْكر الله والتحدث بِنِعْمَة الله شكر وَتركهَا كفر وَالْجَمَاعَة رَحْمَة وَأخرج ابْن دَاوُد عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أبلى بلَاء فَذكره فقد شكره وَإِن كتمه فقد كفره وَمن تحلى بِمَا لم يُعْط فَإِنَّهُ كلابس ثوب زور السيوطي ٨/ ٥٤٥السيوطي ٨/ ٥٤٥
وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أعْطى عَطاء فَوَجَدَهُ فليخبر بِهِ فَإِن لم يجد فليثن بِهِ فَمن أثنى بِهِ فقد شكره وَمن كتمه فقد كفره
وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أولى مَعْرُوفا فليكافئ بِهِ فَإِن لم يسْتَطع فليذكره فَإِن من ذكره فقد شكره
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: من أولى مَعْرُوفا فليكافئ بِهِ فَإِن لم يسْتَطع فليذكره فَإِن من ذكره فقد شكره
وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عمر بن عبد الْعَزِيز قَالَ: إِن ذكر النِّعْمَة شكر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن قَالَ: أَكثر وَاذْكُر هَذِه النِّعْمَة فَإِن ذكرهَا شكر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْجريرِي قَالَ: كَانَ يُقَال: إِن تعداد النعم من الشُّكْر
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن يحيى بن سعيد قَالَ: كَانَ يُقَال: تعداد النعم من الشُّكْر
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَالْبَيْهَقِيّ عَن قَتَادَة قَالَ: من شكر النِّعْمَة إفشاؤها
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن فُضَيْل بن عِيَاض قَالَ: كَانَ يُقَال: من شكر النِّعْمَة أَن يحدث بهَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن أبي الْحوَاري قَالَ: جلس فُضَيْل بن عِيَاض وسُفْيَان بن عُيَيْنَة لَيْلَة إِلَيّ الصَّباح يتذاكران النعم أنعم الله علينا فِي كَذَا أنعم الله علينا فِي كَذَا
وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عنأبي الْأسود الدؤَلِي وزاذان الْكِنْدِيّ قَالَا: قُلْنَا لعَلي: حَدثنَا عَن أَصْحَابك
فَذكر مناقبهم
قُلْنَا: فحدثنا عَن نَفسك
قَالَ: مهلا نهى الله عَن التَّزْكِيَة
فَقَالَ لَهُ رجل: فَإِن الله يَقُول {وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث} قَالَ: فَإِنِّي أحدث بِنِعْمَة رَبِّي كنت وَالله إِذا سَأَلت أَعْطَيْت وَإِذا سكت ابتدئت بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم السيوطي ٨/ ٥٤٦السيوطي ٨/ ٥٤٦
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جُنْدُبا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله عز وجل : (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .
رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق، عن الأسود بن قيس، عن جُنْدُب -هو ابن عبد الله البَجلي ثم العَلقي به وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس: سمع جندبًا قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: وُدِّع محمد. فأنزل الله: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس، أنه سمع جندبًا يقول: رمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت?
قال: فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركتك فنزلت: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) والسياق لأبي سعيد.
قيل: إن هذه المرأة هي: أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه، عليه السلام ، دميت. وقوله -هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون-ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام، ونزول هذه السورة. فأما ما رواه ابن جرير:
حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله ابن شداد: أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك. فأنزل الله: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)
وقال أيضا: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فجزع جزعًا شديدًا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نَرى من جزعك. قال: فنزلت: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) إلى آخرها . ابن كثير ٩/ ٤٢٤ابن كثير ٩/ ٤٢٤
فإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] ولعل ذكر خديجة ليس محفوظًا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن، والله أعلم.
وقد ذكر بعض السلف -منهم ابن إسحاق-أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ ، حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] . قال: قال له هذه السورة: (وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)
قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزلَ على رسول الله ﷺ القرآن، أبطأ عنه جبريل أياما، فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فأنزل الله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى)
وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) أي: سكن فأظلم وادلَهَم. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا. كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢] ، وقال: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] .
وقوله: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) أي: ما تركك، (وَمَا قَلَى) أي: وما أبغضك، (وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى) أي: والدار الآخرة خير لك من هذه الدار. ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها إطراحًا، كما هو معلوم [بالضرورة] من سيرته. ولما خُيِّرَ، عليه السلام ، في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله عز وجل ، اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النَّخعِي، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا؟ فقال رسول الله ﷺ : "ما لي وللدنيا؟! ما أنا والدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظَلّ تحت شجرة، ثم راح وتركتها .
ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث المسعودي به وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعدَّه له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه [من] مسك أذفر كما سيأتي.
وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: عرض على رسول الله ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا، فسر بذلك، فأنزل الله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس: ومثلُ هذا ما يقال إلا عن توقيف. ابن كثير ٩/ ٤٢٥ابن كثير ٩/ ٤٢٥
وقال السدي، عن ابن عباس: من رضاء محمد ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة. وهكذا قال أبو جعفر الباقر.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاويةُ بن هشام، عن علي بن صالح، عن زيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "إنا أهلُ بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) .
ثم قال تعالى يعدد نعَمه عل عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى) وذلك أن أباه تُوفّي وهو حَملٌ في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد، عليه السلام ، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب. ثم لم يزل يحوطه وينصره ويَرفع من قَدره وَيُوقّره، ويكفّ عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحُسن تدبيره، إلى أن تُوفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجُهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنَّته على الوجه الأتم والأكمل. فلما وصل إليهم آوَوه ونَصَرُوه وحاطوه وقاتلوا بين يديه، رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وقوله: (وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى) كقوله ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ومنهم من قال [إن] المراد بهذا أنه، عليه السلام ، ضل في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع. وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي. ابن كثير ٩/ ٤٢٦ابن كثير ٩/ ٤٢٦
وقوله: (وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى) أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي، الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى) قال: كانت هذه منازل الرسول ﷺ قبل أن يبعثه الله، عز وجل . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وفي الصحيحين -من طريق عبد الرزاق-عن مَعْمَر، عن همام بن مُنَبّه قال: هذا ما حَدّثنا أبو هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس" .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه" .
ثم قال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) أي: كما كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسِنْ إليه، وتلطف به.
قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
(وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) أي: وكما كنت ضالا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.
قال ابن إسحاق: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) أي: فلا تكن جبارًا، ولا متكبرًا، ولا فَحَّاشا، ولا فَظّا على الضعفاء من عباد الله.
وقال قتادة: يعني رَد المسكين برحمة ولين.
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أي: وكما كنت عائلا فقيرًا فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها، قابليها، وأتمها علينا" .
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَية، حدثنا سعيد بن إياس الجُرَيري، عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدّث بها.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مَليح، عن أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: "من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر. والجماعة رحمة، والفرقة عذاب" إسناد ضعيف. ابن كثير ٩/ ٤٢٧ابن كثير ٩/ ٤٢٧
وفي الصحيحين، عن أنس، أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله. قال: "لا ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم" .
وقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" .
ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن الربيع بن مسلم وقال: صحيح.
وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "من أبلي بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره" . تفرد به أبو داود .
وقال أبو داود: حدثنا مُسَدَّد، حدثنا بشر حدثنا عمارة بن غَزْية، حدثني رجل من قومي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعطَى عَطاء فَوَجَد فَليَجزْ به، فإن لم يجد فَليُثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره" . قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب، عن عُمارة بن غَزية، عن شرحبيل عن جابر -كرهوه فلم يسموه. تفرد به أبو داود .
وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك. وفي رواية عنه: القرآن.
وقال ليث، عن رجل، عن الحسن بن علي: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) قال: ما عملت من خير فَحَدث إخوانك.
وقال محمد بن إسحاق: ما جاءك الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدّث بها واذكرها، وادع إليها. وقال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سرًا إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة، فصلى.
آخر تفسير سورة "الضحى" [ولله الحمد] . ابن كثير ٩/ ٤٢٨ابن كثير ٩/ ٤٢٨
لا كتاب مختار.