القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

نٓ ۚ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ١

سورة القلم، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةالكشف والبيان عن تفسير القرآنالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

{ن} سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس، وبما يكتبون من الخير والنفع والعلوم. ما أنت -أيها الرسول- بسبب نعمة الله عليك بالنبوة والرسالة بضعيف العقل، ولا سفيه الرأي، وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لَثوابًا عظيمًا غير منقوص ولا مقطوع، وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم، وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره، وينتهي عما ينهى عنه.

الكشف والبيان عن تفسير القرآنالثعلبي، ت ٤٢٧هـ

{وَالْقَلَمِ} وهو الذي يكتب به الذكر ، وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض .

ويقال: لما خلق الله تعالى القلم -وهو أول ما خلقه- نظر إليه؛ فانشق بنصفين، ثم قال: اجر. الثعلبي ٢٧/ ١٤٠الثعلبي ٢٧/ ١٤٠

فقال: يا رب، بم أجري؟ قال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك .

قال عطاء: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟

قال: دعاني، فقال: أي بني. اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خيره وشره، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب، وما أكتب؟ قال: اكتب القدر. فجرى القلم في تلك الساعة بما كان وما هو كائن إلى الأبد" . الثعلبي ٢٧/ ١٤١الثعلبي ٢٧/ ١٤١

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثعلبي ٢٧/ ١٤٢الثعلبي ٢٧/ ١٤٢

ويُحكى أن ابن الزيات دخل على بعض الخلفاء، فوجده مغموما. فقال له روح عني يا ابن الزيات.

فأنشأ يقول:

الهم فضل والقضاء غالب ... وكائن ما خُط في اللوح

فانتظر الروح وأسبابه ... أيسر ما كنت من الروح

وقيل: أراد بالقلم الخط والكتابة، الذي أمتن الله تعالى على عباده بتعليمه إياهم ذلك، كما قال: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: ٤] . الثعلبي ٢٧/ ١٤٣الثعلبي ٢٧/ ١٤٣

وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه، ولم أُرد إخلاء هذا الكتاب عن نبذ من فصوصه:

فقال ابن هيثم: من جلالة القلم أنه لم يكتب لله تعالى كتاب إلا به، لذلك أقسم الله تعالى به .

وقيل: الأقلام مطايا الفتن، ورسل الكرام .

وقيل: القلم الطلسم الأكبر .

وقيل: البيان اثنان: بيان لسان، وبيان بنان، ومن فضل بيان البنان أن ما تثبته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام .

وقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا بشيئين:

القلم والسيف، والسيف تحت القلم . وفيه يقول شاعرهم: الثعلبي ٢٧/ ١٤٤الثعلبي ٢٧/ ١٤٤

إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت دونه الأمم

فالموت والموت لا شيء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجري به القلم

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وللصنوبري:

قلم من القصب الضعيف الأجوف ... أمضى من الرمح الطويل الأهيف

ومن النصال إذا بدت بقسِّيها ... ومن المهند ذي الصقال المرهف

وأشد إقدامًا من الليث الذي ... يكوي القلوب إذا بدى في الموقف

[٣٢٠٢] وأنشدنا الأستاذ أبو القاسم السدوسي ، قال: أنشدني عبد السميع الهاشمي ، قال: أنشدني ابن ضيعون لأبي تمام في معناه: الثعلبي ٢٧/ ١٤٥الثعلبي ٢٧/ ١٤٥

قوم إذا عزموا عداوة حاسد ... سفكوا الدما بأسنة الأقلام

ولضربة من كاتب ببنانه ... أمضى وأبلغ من دقيق حسام

وللبحتري:

قوم إذا أخذوا الأقلام عن غضب ... ثم أستمدوا بها ماء المنيات

نالوا بها من أعاديهم وإن كثروا ... ما لا ينال بحد المشرفيات

وقال آخر:

ما السيف عضبا يضيئ رونقه ... أمضى على النائبات من قلمه

ولابن الرومي:

في كفه قلم ناهيك من قلم ... نبلا وناهيك من كف به اتشحا يمحو وبثبت أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا ما وحى ومحا الثعلبي ٢٧/ ١٤٦الثعلبي ٢٧/ ١٤٦

وأنشد بعضهم في وصفه:

وأخرس ينطق بالمحكمات ... وجثمانه صامت أجوف

بمكة ينطق في خفية ... وبالشام منطقه يعرف

وللمتنبي في وصفه:

نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع

يمج ظلامًا في نهار لسانه ... ويفهم عمن قال ما ليس يسمع

وقال آخر:

وما شجرات نابتات بقفرة ... إذا قُطعت صارت مطايا الأصابع لهنّ بكاء العاشقين ولونهم ... سوى إنما يبكين سود المدامع الثعلبي ٢٧/ ١٤٧الثعلبي ٢٧/ ١٤٧

وقال آخر:

له قلم نتائجه المعاني ... وأحكام الأئمة والقضاة

تناط بحده الأقدار طُرًّا ... بمحيا بعض خلق أو ممات

بمشية حية وبلون جان ... وجرم متيم وشبا الظبات

{وَمَا يَسْطُرُونَ} يكتبون . ويجوز أن يكون معناه: وسطرهم، يعني السفرة، وهي جمع الكتبة . الثعلبي ٢٧/ ١٤٨الثعلبي ٢٧/ ١٤٨

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَعلى الآيات ١ إلى ٧ابن كثير ٩/ ١٨٤ابن كثير ٩/ ١٨٤

قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول "سورة البقرة" ، وأن قوله: (ن) كقوله: ﴿ص﴾ ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.

وقيل: المراد بقوله: (ن) حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير:

حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري-حدثنا سليمان -هو الأعمش-عن أبي ظَبْيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر. فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. ثم خلق "النون" ورفع بخار الماء، ففُتِقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فإنها لتفخر على الأرض .

وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سِنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به. وهكذا رواه شعبة، ومحمد بن فُضَيل، وَوَكِيع، عن الأعمش، به. وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) وقد رواه شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان -أو مجاهد-عن ابن عباس، فذكر نحوه. ورواه مَعْمَر، عن الأعمش: أن ابن عباس قال … فذكره، ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي، عز وجل ، القلم، ثم قال له: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. ثم خلق "النون" فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه . ابن كثير ٩/ ١٨٤ابن كثير ٩/ ١٨٤

وقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال: حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المروذي حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مُؤَمَّل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صَبِيح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم: اكتب، قال: ما أكتب، قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة" . ثم قرأ: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) فالنون: الحوت. والقلم: القلم .

حديث آخر في ذلك: رواه ابن عساكر عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق " النون " وهي: الدواة. ثم قال له: اكتب. قال وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون - أو: ما هو كائن-من عمل أو رزق أو أثر أو أجل. فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت" .

وقال ابن أبي نَجِيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت [العظيم] الذي تحت الأرض السابعة.

وذكر البغوي وجماعة من المفسرين: إن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فالله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد:

حدثنا إسماعيل، حدثنا حُمَيد، عن أنس: أن عبد الله بن سلام بَلَغه مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ والولد ينزع إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا" . قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: "أما أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادةُ كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت" . ابن كثير ٩/ ١٨٥ابن كثير ٩/ ١٨٥

ورواه البخاري من طرق عن حُمَيد، ورواه مسلم أيضا وله من حديث ثوبان -مولى رسول الله ﷺ -نحو هذا. وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان: أن حبرًا سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ -يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة- قال: "زيادة كبد الحوت" . قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" . قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا " .

وقيل: المراد بقوله: (ن) لوح من نور.

قال ابن جرير: حدثنا الحسين بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قُرّة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) لوح من نور، وقلم من نور، يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة وهذا مرسل غريب.

وقال ابن جُرَيج أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام.

وقيل: المراد بقوله: (ن) دواة، والقلم: القلم. قال ابن جرير:

حدثنا عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة في قوله: (ن) قالا هي الدواة.

وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًا فقال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله النون، وهي الدواة" .

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت الثمالي، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون -وهي الدواة-وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام. ثم ألزم كل شيء من ذلك، شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل، أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئًا فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قومًا عَرَبا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] ؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل . ابن كثير ٩/ ١٨٦ابن كثير ٩/ ١٨٦

وقوله: (والقلم) الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] . فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: (وَمَا يَسْطُرُونَ) قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني: وما يكتبون.

وقال أبو الضُّحى، عن ابن عباس: (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي: وما يعملون.

وقال السدي: (وَمَا يَسْطُرُونَ) يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد.

وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة. وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم:

حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سُليم السلمي، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب وما أكتب؟ قال: اكتب القدر [ما كان] وما هو كائن إلى الأبد" .

وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه، به وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، به وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في كتاب "السنة" من سننه، عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن ابن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة -واسمه حُبَيش بن شُريح الحَبشي الشامي-عن عبادة، فذكره .

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء" . غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه

وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: (وَالْقَلَمِ) يعني: الذي كتب به الذكر. .

وقوله: (وَمَا يَسْطُرُونَ) أي: يكتبون كما تقدم. ابن كثير ٩/ ١٨٧ابن كثير ٩/ ١٨٧

وقوله: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) أي: لست، ولله الحمد، بمجنون، كما قد يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، (وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) أي: بل لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. ومعنى (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي: غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه.

وقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد.

وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال مَعْمَر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول الله ﷺ . قالت: كان خلقه القرآن، تقول كما هو في القرآن.

وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ . فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن.

وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله ﷺ . فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلتُ: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن .

هذا حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث قتادة بطوله وسيأتي في سورة "المزمل" إن شاء الله تعالى.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن .

وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ . فقالت: أما تقرأ القرآن: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبلُ فاطرحي الطعام! قالت: فجاءت بالطعام. قالت: فألقت الجارية، فوقعت القصعة فانكسرت -وكان نِطْعًا - قالت: فجمعه رسول الله وقال: "اقتضوا - أو: اقتضى-شك أسود -ظَرفًا مكان ظَرفِك" . قالت: فما قال شيئًا . ابن كثير ٩/ ١٨٨ابن كثير ٩/ ١٨٨

وقال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد بن هشام: قال: أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: أخبريني بخلُق النبي صلى لله عليه وسلم. فقالت: كان خلقه القرآن. أما تقرأ: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)

وقد روى أبو داود والنسائي، من حديث الحسن، نحوه

وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، وأخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبَير بن نفير قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة، رضي الله عنها ، فسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ . فقالت: كان خُلُق رسول الله ﷺ القرآن.

وهكذا رواه أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي. ورواه النسائي في التفسير، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، به

ومعنى هذا أنه، عليه السلام ، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ ﷺ عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقًا ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله ﷺ

وقال البخاري: [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله] حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير

والأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب "الشمائل" .

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله. ولا خُيِّر بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله، عز وجل ابن كثير ٩/ ١٨٩ابن كثير ٩/ ١٨٩

وقال الإمام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنما بُعِثتُ لأتمم صالح الأخلاق" . تفرد به

وقوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك: من المفتون الضال منك ومنهم. وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] ، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .

قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة.

وقال العوفي، عن ابن عباس: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: الجنون. وكذا قال مجاهد، وغيره. وقال قتادة وغيره: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) أي: أولى بالشيطان.

ومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: (بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ) لتدل على تضمين الفعل في قوله: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ) وتقديره: فستعلم ويعلمون، أو: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون. والله أعلم.

ثم قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق. ابن كثير ٩/ ١٩٠ابن كثير ٩/ ١٩٠