تَبَٰرَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١
التفسير
تكاثر خير الله وبرُّه على جميع خلقه، الذي بيده مُلك الدنيا والآخرة وسلطانهما، نافذ فيهما أمره وقضاؤه، وهو على كل شيء قدير. ويستفاد من الآية ثبوت صفة اليد لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله.
تَبارَكَ تفاعل من البركة، وهي التزيد في الخيرات، ولم يستعمل بيتبارك ولا متبارك، وقوله:
بِيَدِهِ عبارة عن تحقيق «الملك» ، وذلك أن اليد في عرف الآدميين هي آلة التملك فهي مستعرة، والْمُلْكُ على الإطلاق هو الذي لا يبيد ولا يختل منه شيء، وذلك هو ملك الله تعالى، وقيل المراد في هذه الآية: ملك الملوك، فهو بمنزلة قوله: اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران: ٢٦] ، عن ابن عباس رضي الله عنه. وقوله تعالى: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عموم، والشيء معناه في اللغة الموجود، والْمَوْتَ وَالْحَياةَ معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر، وما في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط» ، فقال أهل العلم: ذلك تمثال كبش يوقع الله عليه العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملا للموت على أنه يحل الموت فيه، فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله تعالى بذبح ذلك التمثال إعدام الموت. وقوله تعالى: خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أي ليختبركم في حال الحياة ويجازيكم بعد الموت، وقال أبو قتادة نحوه عن ابن عمر: قلت يا رسول الله: ما معنى قوله تعالى:
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا فقال: «يقول: أيكم أحسن عقلا، وأشدكم لله خوفا، وأحسنكم في أمره ونهيه، نظرا وإن كانوا أقلكم تطوعا. وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن بن أبي الحسن: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أزهدكم في الدنيا. وقوله تعالى: «ليبلو» دال على فعل تقديره: فينظر أو فيعلم أيكم، وقال جماعة من المتأولين: الموت والحياة، عبارة عن الدنيا والآخرة، سمى هذه موتا من حيث إن فيها الموت، وسمى تلك الحياة من حيث لا موت فيها، فوصفهما بالمصدرين على تقدير حذف المضاف، كعدل وزور، وقدم الْمَوْتَ في اللفظ، لأنه متقدم في النفس هيبة وغلظة، وطِباقاً قال الزجاج: هو مصدر، وقيل: هو جمع طبقة أو جمع طبق مثل: رحبة ورحاب، أو جمل وجمال، والمعنى بعضها فوق بعض، وقال أبان بن ثعلب: سمعت أعرابيا يذم رجلا، فقال: «شره طباق، خيره غير باق» ، وما ذكر بعض المفسرين في السماوات من أن بعضها من ذهب وفضة وياقوت ونحو هذا ضعيف كله، ولم يثبت بذلك حديث، ولا يعلم أحد من البشر حقيقة لهذا. وقوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ معناه من قلة تناسب، ومن خروج عن إتقان، والأمر المتفاوت، هو الذي يجاوز الحدود التي توجب له زيادة أو نقصانا، وقرأ جمهور القراء: «من تفاوت» ، وقرأ حمزة والكسائي وابن مسعود وعلقمة والأسود وابن جبير وطلحة والأعمش: «من تفوت» وهما بمعنى واحد، وقال بعض العلماء: فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ يعني به السماوات فقط، وهي التي تتضمن اللفظ، وإياها أراد بقوله: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ، وإياها أراد بقوله: ابن عطية ٥/ ٣٣٧ابن عطية ٥/ ٣٣٧
يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ الآية، قالوا وإلا ففي الأرض فطور، وقال آخرون: فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ يعني به جميع ما في خلق الله تعالى من الأشياء، فإنها لا تفاوت فيها ولا فطور، جارية على غير إتقان، ومتى كانت فطور لا تفسد الشيء المخلوق من حيث هو ذلك الشيء، بل هي إتقان فيه، فليست تلك المرادة في الآية، وقال منذر بن سعيد: أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها ثم أمر بالتكرير في النظر، وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر، ليرى فيها خللا أو نقصا، فإن بصره ينقلب خاسِئاً حسيرا، ورجع البصر ترديده في الشيء المبصر. وقوله: كَرَّتَيْنِ معناه مرتين، ونصبه على المصدر، والخاسئ المبعد بذل عن شيء أراده وحرص عليه، ومنه الكلب الخاسئ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد:
«اخسأ فلن تعد وقدرك» ، ومنه قوله تعالى للكفار الحريصين على الخروج من جهنم: اخْسَؤُا فِيها [المؤمنون: ١٠٨] ، وكذلك هنا البصر يحرص على روية فطور أو تفاوت فلا يجد ذلك، فينقلب خاسِئاً، والحسير العييّ الكالّ، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
لهن الوجا لم كن عونا على النوى ... ولا زال منها طالح وحسير
قوله عز وجل: ابن عطية ٥/ ٣٣٨ابن عطية ٥/ ٣٣٨
يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله. ولهذا قال: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
ثم قال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى الآية: أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملا؟ كما قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول -وهو العدم-موتًا، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُلَيْد، عن قتادة في قوله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء" .
ورواه مَعْمَر، عن قتادة .
وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) أي: خير عملا كما قال محمد بن عَجْلان: ولم يقل أكثر عملا.
ثم قال: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا، هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز.
ثم قال: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهم على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان، أصحهما الثاني، كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. ابن كثير ٩/ ١٧٦ابن كثير ٩/ ١٧٦
وقوله: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللا؛ أو فطورًا؟.
قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم في قوله: (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: شقوق.
وقال السدي: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: من خُروق. وقال ابن عباس في رواية: (مِنْ فُطُورٍ) أي: من وُهِيّ وقال قتادة: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) أي: هل ترى خَلَلا يا ابن آدم؟.
وقوله: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ) قال: مرتين. (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا) قال ابن عباس: ذليلا؟ وقال مجاهد، وقتادة: صاغرًا.
(وَهُوَ حَسِيرٌ) قال ابن عباس: يعني: وهو كليل. وقال مجاهد، وقتادة، والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء.
ومعنى الآية: إنك لو كررت البصر، مهما كررت، لانقلب إليك، أي: لرجع إليك البصر، (خَاسِئًا) عن أن يرى عيبًا أو خللا (وَهُوَ حَسِيرٌ) أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى نقصًا.
ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.
وقوله: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) عاد الضمير في قوله: (وَجَعَلْنَاهَا) على جنس المصابيح لا على عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم.
وقوله: (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى، كما قال: في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠] .
قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. ابن كثير ٩/ ١٧٧ابن كثير ٩/ ١٧٧
لا كتاب مختار.