ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ ١
لها في الأقسام:الدلائل
التفسير
دنت القيامة، وانفلق القمر فلقتين، حين سأل كفار «مكة» النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فدعا الله، فأراهم تلك الآية.
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها. كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [سُبْحَانَهُ] ﴾ [النحل: ١] ، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقد وردت الأحاديث بذلك، قال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ خَطَبَ أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب فلم يبق منها إلا شِفٌّ يسير، فقال: "والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه، وما نرى من الشمس إلا يسيرا" .
قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العَمِّيّ، عن أبيه. وقد ذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.
حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره، قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دُكَيْن، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كُهَيْل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ والشمس على قُعَيْقِعان بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى" . ابن كثير ٨/ ٤٧٠ابن كثير ٨/ ٤٧٠
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مُطَرِّف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بُعِثتُ والساعة هكذا" . وأشار بإصبعيه: السبابة والوسطى.
أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عُبَيد، حدثنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السَّوَائي قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها " وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنتم والساعة كهاتين" .
تفرد به أحمد، رحمه الله . وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ : أنه الحاشر الذي يُحْشَرُ الناس على قدميه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْزُ بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غَزْوَان - قال بهز: وقال قبل هذه المرة- خطبنا رسول الله ﷺ قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصَرْمٍ وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صُبَابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقَى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرًا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مِصْرَاعَي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام" وذكر تمام الحديث، انفرد به مسلم .
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فَرْسَخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال. ابن كثير ٨/ ٤٧١ابن كثير ٨/ ٤٧١
ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة، فقال: ألا إن الله، عز وجل يقول: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة .
وقوله: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) : قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: "خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر" . وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك:
رواية أنس بن مالك:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
ورواه مسلم، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق .
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتىرأوا حِرَاء بينهما .
وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدّب، عن شيبان، عن قتادة . ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي، ويحيى القطان، وغيرهما، عن شعبة، عن قتادة، به .
رواية جبير بن مطعم رضي الله عنه :
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم.
تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه، وأسنده البيهقي في "الدلائل" من طريق محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن، [به] . وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره، عن حصين، به . ورواه البيهقي أيضا من طريق إبراهيم بن طَهْمَان وهُشَيْم، كلاهما عن حُصَين عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره . ابن كثير ٨/ ٤٧٢ابن كثير ٨/ ٤٧٢
رواية عبد الله بن عباس [ رضي الله عنهما ]
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان رسول الله ﷺ .
ورواه البخاري أيضا ومسلم، من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِرَاك [بن مالك] ، به مثله .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه.
وروى العَوْفي، عن ابن عباس نحو هذا.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كُسِفَ القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سُحِر القمر. فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إلى قوله: (مستمر) .
رواية عبد الله بن عمر:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدّوري، حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فِلْقَتَين: فِلْقَة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ : "اللهم اشهد" . ابن كثير ٨/ ٤٧٣ابن كثير ٨/ ٤٧٣
وهكذا رواه مسلم، والترمذي، من طرق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، به . قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله ابن مسعود:
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ "اشهدوا" .
وهكذا رواه البخاري ومسلم، من حديث سفيان بن عيينة، به . وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، عن ابن مسعود، به .
وقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا، اشهدوا" .
قال البخاري: وقال أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بمكة .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة، عن المغيرة، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك .
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدَّوْري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هُشَيْم، حدثنا مغيرة، عن أبى الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كَبْشَة، انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سِحْرٌ سحركم به. قال: فسئل السفار، قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأيناه.
رواه ابن جرير من حديث المغيرة، به . وزاد: فأنزل الله عز وجل : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) . ثم قال ابن جرير: ابن كثير ٨/ ٤٧٤ابن كثير ٨/ ٤٧٤
حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، أخبرنا أيوب، عن محمد -هو ابن سيرين- قال: نبئت أن ابن مسعود، رضي الله عنه ، كان يقول: لقد انشق القمر .
وقال ابن جرير أيضا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فَرْج القمر حين انشق.
ورواه الإمام أحمد عن مُؤَمَّل، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر .
وقال ليث عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "اشهد يا أبا بكر" . فقال المشركون: سُحِر القمر حتى انشق .
وقوله: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً) أي: دليلا وحجة وبرهانا (يعرضوا) أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، (وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي: ويقولون: هذا الذي شاهدناه من الحجج، سحرٌ سحرنا به.
ومعنى (مُسْتَمِرٌّ) أي: ذاهب. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، أي: باطل مضمحل، لا دوام له.
(وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.
وقوله: (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) قال قتادة: معناه: أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر.
وقال ابن جريج: مستقر بأهله. وقال مجاهد: (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) أي: يوم القيامة.
وقال السدي: (مُسْتَقِرٌّ) أي: واقع.
وقوله: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ) أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب، مما يتلى عليهم في هذا القرآن، (مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.
وقوله: (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، (فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) يعني : أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . ابن كثير ٨/ ٤٧٥ابن كثير ٨/ ٤٧٥
فتحها بالأقسام البلس (؟) في النجم الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعاً وأفولاً وصعوداً وهبوطاً، افتتح هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلاً وسمعاً في التأثير في أعظم آيات الله وغير ذلك ليقطع العباد عن الفساد، ويستعدوا لها قبل مجيئها أحسن استعداد، فقال دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها: {اقتربت الساعة} اشتدت قرباً الساعة: اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم عليه السلام لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر، فيكون في الزمان مهلة لذلك.
ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند إلى آية دالة عليه، وكانت الآيات السماوية أعظم، فالتأثير فيها أدل على تمام الاقتدار، وكان القمر أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم، وكانت العرب أعرف الناس بها، دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام الأسباب فقال: {وانشق} بغاية السرعة والسهولة {القمر *} آية للرسول المنذر لكم بها، فكان انشقاقه - مع الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالاً على كونها وقربها أيضاً بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على التأثير في الآخرة الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ولسببهما (؟) الذي هو من أسباب خراب الأرض، يقول الإنسان عنده: أين المفر؟ المؤذن بطيّ العالم المعلم بأن له رباً فاعلاً بالاختيار مدبراً بالحكم الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، فيثيب من تابع رسله ويعاقب من خالفهم، وانشقاق القمر على حقيقته في زمان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر شهير جداً، وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري، وقال: رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى. وذلك أن قريشاً سألوا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يريهم آية «فأراهم انشاق القمر بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره» - رواه الشيخان عن ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما، ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فلم يبق فيه شك، قال القشيري: وروى أيضاً ابن عمر وحذيفة وابن عباس وجبير بن مطعم رضي الله عنهم، وقال أبو حيان: سبب نزولها أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين، ووعدوه بالإيمان إن فعل ذلك، وكانت ليلة البدر فسأل ربه فانشق - انتهى، ومن قال: المراد به «سينشق» يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سيما وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة الشهيرة. البقاعي ١٩/ ٨٧البقاعي ١٩/ ٨٧
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما أعلمهم سبحانه بأن إليه المنتهى، وأن عليه النشأة الأخرى، وإذا ذاك يقع جزاء كل نفس بما أسلفت، أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى: {اقتربت الساعة وانشق القمر} ثم إن سورة ص تضمنت من عناد المشركين وسوء حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد في غيرها مما تقدمها، وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك بآيات لا يتوقف عنها إلا من أضله الله وخذله، وأثبتت السورة بعد على تمهيد ما تضمنته سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} [الزمر: ٣] وقوله: {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء} [الزمر: ٤] وقوله: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} [الزمر: ١٤] وقوله مثلاً لحالهم: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: ٢٩] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ، وقوله في سورة غافر: {ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر: ٤] وقوله: {ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله} [غافر: ١٢] وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} [غافر: ٢١ - ٨٢] الآية، وقوله: {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} [غافر: ٥٦] وقوله: {ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون} [غافر: ٦٩] {الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون} [غافر: ٧٠] إلى قوله: {فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون} [غافر: ٧٧] وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [غافر: ٨٢] إلى ما تخلل هذه الآيات، وقوله في فصلت {فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة} [فصلت: ٥] {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} [فصلت: ٢٦] {إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا} [فصلت: ٤٠ - ٤٤] إلى قوله: {أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: ٤٠ - ٤٤] وقوله: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} [فصلت: ٥٣] إلى آخر السورة، وقوله في الشورى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل} [الشورى: ٦] {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم} [الشورى: ١٣] الآية {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: ٢١] الآية {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ} البقاعي ١٩/ ٨٨البقاعي ١٩/ ٨٨
[الشورى: ٤٨] وقوله في الزخرف: {أفنضرب عنكم الذكر صفحاً} [الزخرف: ٥] الآية، {وجعلوا له من عباده جزءاً} [الزخرف: ١٥] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع، وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان {بل هم في شك يلعبون} [الدخان: ٩] إلى قوله: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون} [الدخان: ١٦] وقوله: {إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين} [الدخان: ٤٠] إلى قوله هذا {ما كنتم به تمترون} [الدخان: ٥٠] وقوله في الأعراف: {فبأيّ حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: ١٨٥] إلى قوله: {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم} [الجاثية: ١١] وقوله: {أفرءيت من اتخذ إلهه هواه} [الجاثية: ٢٣] إلى آخر السورة، وقوله في الأحقاف: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} [الأحقاف: ٣] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها، وكذلك سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر بقتلهم وأسرهم وتعجيل حربهم {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: ٤] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على الكفار من كل ما قرعوا به، ولم تخرج عن الغرض المتقدم، وكذا سورة الحجرات لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجلاله ما يقر عين المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها البقاعي ١٩/ ٩٠البقاعي ١٩/ ٩٠
لا كتاب مختار.