وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ١
التفسير
أقسم الله سبحانه بالليل عندما يغطي بظلامه الأرض وما عليها، وبالنهار إذا انكشف عن ظلام الليل بضيائه، وبخلق الزوجين: الذكر والأنثى. إن عملكم لمختلف بين عامل للدنيا وعامل للآخرة.
{والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى} قوله تعالى {واللّيلِ إذا يَغْشَى} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إذا أظلم , قاله مجاهد. الثاني: غطى وستر , قاله ابن جبير. الثالث: إذا غشى الخلائق فعّمهم وملأهم , قاله قتادة , وهذا قَسَم. {والنّهارِ إذا تَجَلّى} فيه وجهان: أحدهما: إذا أضاء , قاله مجاهد. الثاني: إذا ظهر , وهو مقتضى قول ابن جبير. ويحتمل ثالثاً: إذا أظهر ما فيه من الخلق , وهذا قسم ثانٍ. {وما خَلَقَ الذّكّرّ والأُنثى} قال الحسن: معناه والذي خلق الذكر والأنثى فيكون هذا قسماً بنفسه تعالى. ويحتمل ثانياً: وهو أشبه من قول الحسن أن يكون معناه وما خلق من الذكر والأنثى , فتكون (من) مضمرة المعنى محذوفة اللفظ , وميزهم بخلقهم من ذكر وأنثى عن الملائكة الذين لم يخلقوا من ذكر وأنثى , ويكون القسم بأهل طاعته من أوليائه وأنبيائه , ويكون قسمه بهم تكرمة لهم وتشريفاً. وفي المراد بالذكر والأنثى قولان: أحدهما: آدم وحواء , حكاه ابن عيسى. الثاني: من كل ذكر وأنثى. فإن حمل على قول الحسن فكل ذكر وأنثى من آدمي وبهيمة , لأن الله خلق جميعهم. وإن حمل على التخريج الذي ذكرت أنه أظهر , فكل ذكر وأنثى من الآدميين دون البهائم لاختصاصهم بولاية الله وطاعته , وهذا قسم ثالث: {إنّ سَعْيَكم لشَتّى} أي مختلف , وفيه وجهان: أحدهما: لمختلف الجزاء , فمنكم مثاب بالجنة , ومنكم معاقب بالنار. الثاني: لمختلف الأفعال , منكم مؤمن وكافر , وبر وفاجر , ومطيع وعاص. ويحتمل ثالثاً: لمختلف الأخلاق , فمنكم راحم وقاس , وحليم وطائش , وجواد وبخيل , وعلى هذا وقع القسم. وروى ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه , وفي أمية وأبّي ابني خلف حين عذّبا بلالاً على إسلامه , فاشتراه أبو بكر , ووفي ثمنه بردةً وعشر أوراقٍ , وأعتقه للَّه تعالى , فنزل ذلك فيه. {فأمّا من أَعْطَى واتّقَى} قال ابن مسعود يعني أبا بكر. وفي قوله (أعطى) ثلاثة أوجه: أحدها: من بذل ماله , قاله ابن عباس. الثاني: اتقى محارم الله التي نهى عنها , قال قتادة. الثالث: اتقى البخل , قاله مجاهد. {وصَدَّق بالحُسْنَى} فيه سبعة تأويلات: أحدها: بتوحيد الله , وهو قول لا إله إلا الله , قاله الضحاك. الماوردي ٦/ ٢٨٦الماوردي ٦/ ٢٨٦
الثاني: بموعود الله , قاله قتادة. الثالث: بالجنة , قاله مجاهد. الرابع: بالثواب , قاله خصيف. الخامس: بالصلاة والزكاة والصوم , قاله زيد بن أسلم. السادس: بما أنعم الله عليه , قاله عطاء. السابع: بالخلف من عطائه , قاله الحسن , ومعاني أكثرها متقاربة. {فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرىَ} فيه تأويلان: أحدهما: للخير , قاله ابن عباس. الثاني: للجنة , قاله زيد بن أسلم. ويحتمل ثالثاً: فسنيسر له أسباب الخير والصلاح حتى يسهل عليه فعلها. {وأمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغنَى} قال ابن مسعود: يعني بذلك أُمية وأبيّاً ابني خلف. وفي قوله (بخل) وجهان: أحدهما: بخل بماله الذي لا يبقى , قاله ابن عباس والحسن. الثاني: بخل بحق الله تعالى , قاله قتادة. (واستغنى) فيه وجهان: أحدهما: بماله , قاله الحسن. الثاني: عن ربه , قاله ابن عباس. {وكَذَّبَ بالحُسْنَى} فيه التأويلات السبعة. {فَسنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى} فيه وجهان: أحدهما: للشر من الله تعالى , قاله ابن عباس. الثاني: للنار , قاله ابن مسعود. ويحتمل ثالثاً: فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها فعند نزول هاتين الآيتين يروي قتادة عن خليد عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وملكان يناديان: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً ,) ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى} . الآية والتي بعدها. {وما يُغْنِي عنه ماله إذا تَرَدَّى} فيه وجهان: أحدهما: إذا تردّى في النار , قاله أبو صالح وزيد بن أسلم. الثاني: إذا مات فتردى في قبره , قاله مجاهد وقتادة. ويحتمل ثالثاً: إذا تردى في ضلاله وهوى في معاصيه. الماوردي ٦/ ٢٨٨الماوردي ٦/ ٢٨٨
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللهم، ارزقني جليسًا صالحًا. قال: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) ؟ قال علقمة: "والذكر والأنثى" . فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ ، فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان النبي ﷺ ؟ .
وقد رواه البخاري هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ؟ قال: "والذكر والأنثى" . قال: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني أن أقرأ: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) والله لا أتابعهم .
هذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء -ورفعه أبو الدرداء- وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو مُثبَت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) ابن كثير ٩/ ٤١٦ابن كثير ٩/ ٤١٦
فأقسم تعالى بـ (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) أي: إذا غَشيَ الخليقةَ بظلامه، (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) أي: بضيائه وإشراقه، (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى) كقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النبأ: ٨] ، وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] .
ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان القسم عليه أيضا متضادا؛ ولهذا قال: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا.
قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى) أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره، (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالمجازاة على ذلك -قاله قتادة، وقال خَصِيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى) قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زُهَير بن محمد، حدثني مَن سَمِع أبا العالية الرياحي يُحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: "الحسنى: الجنة" .
وقوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) قال ابن عباس: يعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة.
وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئةُ بعدها؛ ولهذا قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ) أي: بما عنده، (واستغنى) قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله، واستغنى عن ربه، عز وجل . رواه ابن أبي حاتم.
(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) أي: بالجزاء في الدار الآخرة.
(فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) أي: لطريق الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] ، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله، عز وجل ، يُجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مُقدّر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة:
رواية أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عَيَّاش، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: "بل على أمر قد فُرغ منه" . ابن كثير ٩/ ٤١٧ابن كثير ٩/ ٤١٧
قال: ففيم العملُ يا رسول الله؟ قال: "كل ميسر لما خلق له" .
رواية علي، رضي الله عنه : قال البخاري، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بَقِيع الغَرْقَد في جنازة، فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" . فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل؟ فقال: "اعملوا، فكل ميسر لما خلق له" . قال: ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) إلى قوله: (لِلْعُسْرَى) .
وكذا رواه من طريق شعبة ووَكِيع، عن الأعمش، بنحوه ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه : كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخْصَرَةٌ فَنَكَسَ فجعل ينكُت بمخصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد - أو: ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة" . فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: "أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء" . ثم قرأ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) الآية .
وقد أخرجه بقية الجماعة، من طرق، عن سعد بن عبيدة، به .
رواية عبد الله بن عمر: وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعتُ سالم بنَ عبد الله يُحدث عن ابن عُمَر: قال: قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فُرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: " فيما قد فُرغَ منه، فاعمل يا ابن الخطاب، فإن كُلا مُيَسَّر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء" .
ورواه الترمذي في القدر، عن بندار، عن ابن مَهْدِي، به وقال: حسن صحيح.
حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: "لأمر قد فرغ منه" . فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ : "كل عامل مُيَسَّر لعمله" . ابن كثير ٩/ ٤١٨ابن كثير ٩/ ٤١٨
ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، به .
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق ابن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ﷺ فقالا يا رسول الله، أنعمل فيما جَفَّت به الأقلام وجَرَتْ به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: "بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير" . قالا ففيم العمل إذًا؟ قال: "اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له" . قالا فالآن نجد ونعمل .
رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هَيْثَم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حَلْبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل، أمر قد فُرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: "بل أمر قد فرغ منه" . قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: "كل امرئ مهيأ لما خلق له" .
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كَبْشَة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجَنْبَتَيْهَا ملكان يناديان بصوت يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا" . وأنزل الله في ذلك القرآن: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي كبشة، بإسناده مثله.
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عُمَر العَدَاني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رجلا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ الثمر من نخلته، فتسقط الثمرة فيأخذها صبيان الفقير فنزل من نخلته فَنزع الثمرة من أيديهم، وإن أدخل أحدهم الثمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع الثمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجلُ إلى النبي ﷺ ، وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "اذهب" . ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ : "أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة" فقال له: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي لنخلا كثيرًا ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها. فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة. فقال الرجل: يا رسول الله، إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: "نعم" . ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة، ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمدًا، [قد] أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت، له: قد أعطيتُ ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجلُ، فقال له: أتُراك إذا بعتها؟ قال: لا إلا أن أعطى بها شيئًا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها ؟ قال: أربعون نخلة. فقال الرجل: لقد جئتَ بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟ ! ثم سكتا وأنشأ في كلام [آخر] ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان ابن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعدُ: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيتُ على أن تعطيني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. ثم مكث ساعة، ثم قال: هي لك على ساق وأوقف له شهودًا وعد له أربعين نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: "النخلة لك ولعيالك" . قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل : (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) إلى قوله: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) إلى آخر السورة . ابن كثير ٩/ ٤١٩ابن كثير ٩/ ٤١٩
هكذا رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًا.
قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه : حدثني هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالا جُلَداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ ! فقال: أيْ أبَت، إنما أريد -أظنه قال - ما عند الله: قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى * وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) . ابن كثير ٩/ ٤٢٠ابن كثير ٩/ ٤٢٠
وقوله: (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) قال مجاهد: أي إذا مات. وقال أبو صالح، ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار. ابن كثير ٩/ ٤٢١ابن كثير ٩/ ٤٢١
لا كتاب مختار.