القرآن الكريم ابحث في القرآن بكلمة أو برقم مثل ٢:٢٨٢Ctrl K

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ١

سورة الإنفطار، الآية ١مكية
في سورتها

التفسير

المختارةجامع البيان في تفسير القرآنالتفسير الميسرتفسير القرآن العظيم
التفسير الميسرنخبة من العلماء

إذا السماء انشقت، واختلَّ نظامها، وإذا الكواكب تساقطت، وإذا البحار فجَّر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها، وإذا القبور قُلِبت ببعث مَن كان فيها، حينئذ تعلم كلُّ نفس جميع أعمالها، ما تقدَّم منها، وما تأخر، وجوزيت بها.

تفسير القرآن العظيمابن كثير، ت ٧٧٤هـ
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَعلى الآيات ١ إلى ١٢ابن كثير ٩/ ٣٤١ابن كثير ٩/ ٣٤١

يقول تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) أي: انشقت. كما قال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] .

(وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) أي: تساقطت.

(وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط مالحها بعذبها. وقال الكلبي: ملئت.

(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت) قال ابن عباس: بُحِثَت. وقال السدي: تُبَعثر: تُحرّك فيخرج من فيها.

(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) أي: إذا كان هذا حَصَل هذا.

وقوله: (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؟: هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب؛ حيث قال: (الْكَرِيمِ) حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم- أي: العظيم-حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول الله يوم القيامة: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبتَ المرسلين؟ " . ابن كثير ٩/ ٣٤١ابن كثير ٩/ ٣٤١

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان: أن عمر سمع رجلا يقرأ: (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) فقال عمر: الجهل .

وقال أيضا: حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيى البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) قال ابن عمر: غره-والله-جهله.

قال: ورُوي عن ابن عباس، والربيع بن خُثَيم والحسن، مثل ذلك.

وقال قتادة: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) شيءٌ، ما غَرّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان.

وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: "ما غرك بي لقلت: سُتُورك المُرخاة.

وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) لقلت: غرني كرم الكريم.

قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة .

وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه (الْكَرِيم) ؛ لينبه على أنه لا ينبغي أن يُقَابَل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء.

و [قد] حكى البغوي، عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا نزلت هذه الآية في الأسود بن شَريق، ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة، فأنزل الله: (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) ؟ .

وقوله: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) أي: ما غرك بالرب الكريم (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) أي: جعلك سَويا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا حَريزُ، حدثني عبد الرحمن بن مَيسرة، عن جُبير ابن نُفَير، عن بُسْر بن جحَاش القرشي: أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: "قال اللَه عز وجل : ابن آدم أنَّى تُعجِزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سَوّيتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض منك وَئِيدٌ، فجَمَعت ومَنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدقُ، وأنَّى أوانُ الصدقة ". ابن كثير ٩/ ٣٤٢ابن كثير ٩/ ٣٤٢

وكذا رواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حَريز بن عثمان، به .

قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزِّي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة .

وقوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال مجاهد: في أي شَبَه أب أو أم أو خال أو عم؟

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بنُ عُلَيِّ بن رَبَاح، حدثني أبي، عن جدي: أن النبي ﷺ قال له: "ما ولد لك؟ " قال: يا رسول الله، ما عسى أن يُولَد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: " فمن يشبه؟ ". قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه وإما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: " مه. لا تقولَنَّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) " قال: سَلَكك .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني، من حديث مُطهر بن الهيثم، به وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت؛ لأن "مُطَهَّر بن الهيثم " قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث. وقال ابن حبان: يُرْوى عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبهُ حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هُرَيرة أن رَجُلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قال: " هل لك من إبل؟ ". قال: نعم. قال: " فما ألوانها؟ " قال: حُمر. قال: " فهل فيها من أورَق؟ " قال: نعم. قال: " فأنى أتاها ذلك؟ " قال: عسى أن يكون نزعة عِرْق. قال: " وهذا عسى أن يكون نزعة عرق" .

وقد قال عكرمة في قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير.

وقال قتادة: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال: قادر-والله -ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله، عز وجل ، قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة. ابن كثير ٩/ ٣٤٣ابن كثير ٩/ ٣٤٣

وقوله: (كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أي: بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.

وقوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) يعني: وإن عليكم لملائكةً حَفَظَة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطُّنَافِسِيّ، حدثنا وَكيع، حدثنا سفيان ومِسْعَر، عن علقمة بن مَرْثَد، عن مجاهد قال: : قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بحرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه" .

وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار، فوصله بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم عن التعرِّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يُفَارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بحرم حائط، أو ببعيره" .

ثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه، واحتمل حديثه .

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مُبَشّر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام ابن نَجِيح، عن الحسن-يعني البصري- عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله، عز وجل ، ما حفظا في يوم، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفى الصحيفة" .

ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث .

قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبو زُرْعة، وابن أبي حاتم والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره.

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلُوسِي حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة يعرفون بني آدم- وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم-فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسَمَّوه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله وذكروه بينهم وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان" . ابن كثير ٩/ ٣٤٤ابن كثير ٩/ ٣٤٤

ثم قال البزار: سلام هذا، أحسبه سلام المدائني، وهو لين الحديث . ابن كثير ٩/ ٣٤٥ابن كثير ٩/ ٣٤٥

جامع البيان في تفسير القرآنالإيجي، ت ٩٠٥هـ
(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للهعلى الآيات ١ إلى ١٩الإيجي ٤/ ٤٥٥الإيجي ٤/ ٤٥٥

(إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) : انشقت، (وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) : تساقطت، (وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ) : فتح بعضها إلى بعض، فصارت بحرًا واحدًا، أو فتحت مجاريها فيذهب ماؤها فلا يبقى بحر، (وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ) : قلب ترابها، وبعث من فيها من الموتى أحياء، (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) ، جواب إذا، ومعناه ما مر في سورة لا أقسم، (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ) ، أيّ شيء جرأك على عصيان من لطف بك حتى قابلت الطاعة بالمعاصي، وما عرفت أن الكرم يقتضي عدم التسوية بين المطيع والعاصي، عن ابن عباس وغيرهما: غرَّه واللهِ جهلُه، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) : جعل أعضاءك سليمة مسواة، [ (فعَدَّلَكَ) ]: صيرك معتدلاً متناسبة الخلق، وقراءة التخفيف إما بمعنى التشديد، وإما بمعنى عدلك وصرفك عن صورة غيرك، وخلقك خلقة حسنة لا كالبهائم، (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) : ركبك في أي صورة شاء، فما زائدة، في الحديث (إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم، ثم قرأ (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) ، وعن عكرمة وغيره: إن شاء في صورة كلب، أو خنزير، لكن بلطف الله خلقه في شكل حسن، (كَلَّا) ، ردع عن الاغترار بالرب الكريم، (بَلْ تُكَذٌبُونَ بالدِّينِ) ، إضراب إلى بيان حقيقة ما هو السبب في الاغترار والدين: والجزاء، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبينَ) : ملائكة كرامًا على الله يكتبون الأعمال، والأقوال، وكرامًا صفة لحافظين، (يَعْلَمُونَ مَا تَفعلُونَ) ، فالجزاء ثابت محقق، وأنتم تكذّبون به، (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) ، يعني: لأجل ذلك يكتبون، (يَصْلَوْنَهَا) : يدخلونها، (يَوْمَ الدِّينِ وَمَا همْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) : قط بعد دخولها، بل هم مخلدون فيها، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) ، فيه تعجيب وتعظيم لشأنه، أي: لا يدرى كنهه أحد، وإن تأمله مرات، (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا) : لا يقدر أحد على نفع أحد، ولا على ضره، وقراءة " يومُ " بالرفع فعلى البدل من يوم الدين، أو هو يوم لا تملك (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله) : وحده لا كما ملكهم في الدنيا بعض الأمور ظاهرًا. الإيجي ٤/ ٤٥٥الإيجي ٤/ ٤٥٥

سورة التطفيف مختلف فيها

وهى ست وثلاثون آية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ الإيجي ٤/ ٤٥٨الإيجي ٤/ ٤٥٨

(وَيْلٌ للْمُطَفِّفِينَ) ، التطفيف: البخس، والنقص في الكيل والوزن، وعن ابن عباس: لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله، فأحسنوا الكيل بعد ذلك، (الذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ) : يكتالون حقوقهم من الناس، (يَسْتَوْفون) : يأخذونها وافية، ولما كان اكتيالهم منهم أخذ حق عليهم عداه بعلى، قال الفراء: من وعلى يعتقبان في هذا الموضع، (وَإِذَا كَالُوَهُمْ) ، أي: كالوا هم، (أَو وَزَنوَهُمْ) ، أي: لهم، فهو من باب حذف الجار وإيصال الفعل، قيل: فيه حذف المضاف، أي: كالوا مكيلهم وموزونهم، (يُخسِرُون) : ينقصون، وهؤلاء كأن عادتهم في أخذ حقهم من الناس الكيل دون الميزان لتمكنهم الاكتيال من الاستيفاء والسرقة بتحريك المكيال ونحوه ليسعه، وأما إذا أعطوا كالوا ووزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعًا، ولذا ما ذكر الوزن في الأول، (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) ، فإن الظن بالبعث رادع عن مثل تلك القبائح، (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) : لعظم ما فيه، (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ) ، منصوب بأعني، أو مبعوثون، أو بدل من الجار والمجرور، (لِرَبِّ العَالَمِينَ) : لحكمه، (كَلَّا) ، ردع عن الغفلة عن البعث، وعن التطفيف، (إِنَّ كتَابَ الفُجَّارِ) : الذي فيه أعمالهم، (لَفِي سِجِّينٍ) : هي أرض السابعة، السفلى فيها الشياطين، وأرواح الكفار، وهي صخرة تحت الأرض السابعة أو بئر في جهنم، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) ، لعظمه وغاية قباحته، (كِتَابٌ مرْقُوم) ، من المفسرين من جعله خبرًا ثانيًا لقوله: " إن كتاب الفجار " أو خبر محذوف، أي: هو يعني كتاب الفجار كتاب مرقوم مسطور بَيِّن [مختوم عليه] ، ومنهم من قال: السجين: كتاب جامع هو ديوان الشر فيه أعمال الأشرار، وهو كتاب مرقوم، وسمي الكتاب سجينًا الذي هو الحبس، والتضييق، لأنه سبب الحبس في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش، هو مسكن إبليس وجنوده استهانة، وليشهده الشيطان، وقيل: كتاب، أي: موضع كتاب بحذف المضاف، (وَيْل يَوْمَئِذٍ للْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُل مُعْتَدٍ) : متجاوز عن الحد، (أَثِيمٍ) : منهمك في الحرمات، (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ) ، من فرط الجهل والعناد، (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا) ، ردع عن هذا القول، (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانوا يَكْسِبُون) ، أي: ليس الأمر كما يقوله من أن ذلك أساطير الأولين، بل كثرة ارتكابهم الآثام، صارت سببًا لحصول الرين في قلوبهم، ولهذا تفوه بهذا المقال، وكذب به، وفي الحديث (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلوا قلبه، وذاك الران الذي ذكره الله في القرآن "كلا بل ران" )، ولفظ الترمذي والنسائي، وابن ماجة (إن العبد) بدل إن المؤمن، وعن كثير من السلف: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت، والرين: الصدأ، (كَلَّا) ، ردع عن الكسب الراين، (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون) : فلا يرونه، أو عن رحمته وكرامته، (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الجَحِيمِ) : ليدخلونها، (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا) ، ردع عن التكذيب، أو تكرير للأول، (إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) ، عن كثير من السلف: هي السماء السابع، وفيها أرواح المؤمنين، أو لوح من زبرجد خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، أو قائمة العرش اليمنى، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كتَابٌ مَّرْقُوم) ، الكلام فيه ما مر في نظيره بعينه، (يَشْهَدُهُ الُمقَربونَ) : يحضره من كل سماء مقربوها، (إِن الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) ، أي: يوم القيامة، (عَلَى الأَرَائِكِ) : على السرر في الحجال، (يَنظُرُونَ) : إلى ملكهم ونعيمهم، أو إلى الله، أو إلى عدوهم كيف يعذبون، (تَعْرِفُ فِي وَجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) : بهجة التنعم ورونقه، (يُسْقَوْنَ مِن رحِيقٍ) : خمر خالص، (مَخْتُومٍ) : يختم أوانيه إكرامًا لهم كعادة الملوك، (خِتَامُهُ مِسْكٌ) : مقطعه عن الفم، وآخره مسك، أو تختم الأواني بالمسك مكان الطين، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ) : فليرتغب، (المُتَنَافسُونَ) : المرتغبون، وفي الحديث المرفوع: (أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة ماء على ظمإٍ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم) ، (وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ) ، أي: تمزج تلك الخمر للأبرار من تسنيم، هو عين في الجنة، (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا المُقَربونَ) : صرفًا، وتمزج للأبرار، ونصب عينًا على المدح، أو الحال، والكلام فيها كما مر في سورة " هل أتى على الإنسان " ، (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) : كفار قريش، (كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون) : يستهزءون بفقراء المؤمنين، (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُون) : يشير بعضهم بعضًا بأعينهم استهزاء، (وَإِذا انقَلَبُوا) : رجعوا أي: هؤلاء المجرمون، (إِلَى أَهْلِهمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ) : ملتذين بالسخرية، (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ) ، نسب المجرمون المؤمنين إلى الضلال، (وَمَا أُرْسِلُوا) ، قال الله تعالى: وما أرسل المجرمون، (عليهم) : على المؤمنين، (حَافِظِينَ) ، لأعمالهم، شاهدين برشدهم وضلالهم، (فَالْيَوْمَ) ، أي: القيامة، (الذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفارِ يَضْحَكُونَ) ، في مقابلة ما ضحكوا بهم في الدنيا، (عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) ، إليهم في النار، أو إلى الله، حال من يضحكون، (هَلْ ثُوِّبَ الكفارُ) : هل جوزوا، (مَا كَانُوا يَفْعَلُون) ، من السخرية، وغيرها. الإيجي ٤/ ٤٥٩الإيجي ٤/ ٤٥٩

والحمد لله وحده. الإيجي ٤/ ٤٦٢الإيجي ٤/ ٤٦٢