وَيْلٌۭ لِّكُلِّ هُمَزَةٍۢ لُّمَزَةٍ ١
التفسير
شر وهلاك لكل مغتاب للناس، طعان فيهم.
الهمز: الكسر، كالهزم. واللمز: الطعن. يقال: لمزه ولهزه طعنه، والمراد: الكسر من أعراض الناس والغض منهم، واغتيابهم، والطعن فيهم وبناء «فعلة» يدل على أنّ ذلك عادة منه قد ضرى بها. ونحوهما: اللعنة والضحكة. قال: الزمخشري ٤/ ٧٩٤الزمخشري ٤/ ٧٩٤
وإن أغيّب فأنت الهامز اللّمزه
وقرئ: ويل للهمزة اللمزة. وقرئ: ويل لكل همزة لمزة، بسكون الميم: وهو المسخرة الذي يأتى بالأوابد والأضاحيك فيضحك منه ويشتم. وقيل: نزلت في الأخنس بن شريق وكانت عادته الغيبة والوقيعة. وقيل: في أمية بن خلف. وقيل: في الوليد بن المغيرة واغتيابه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغضه منه. ويجوز أن يكون السبب خاصا والوعيد عاما، ليتناول كل من باشر ذلك القبيح، وليكون جاريا مجرى التعريض بالوارد فيه، فإنّ ذلك أزجر له وأنكى فيه الَّذِي بدل من كل. أو نصب على الذم. وقرئ: جمع بالتشديد، وهو مطابق لعدده. وقيل عَدَّدَهُ جعله عدة لحوادث الدهر. وقرئ: وعدده أى جمع المال وضبط عدده وأحصاه. أو جمع ماله وقومه الذين ينصرونه، من قولك: فلان ذو عدد وعدد: إذا كان له عدد وافر من الأنصار وما يصلحهم. وقيل وَعَدَّدَهُ معناه: وعدّه على فك الإدغام، نحو: ضننوا أَخْلَدَهُ وخلده بمعنى، أى طوّل المال أمله، ومناه الأمانى البعيدة، حتى أصبح لفرط غفلته وطول أمله يحسب أنّ المال تركه خالدا في الدنيا لا يموت. أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض: عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا. أو هو تعريض بالعمل الصالح. وأنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأما المال فما أخلد أحدا فيه. وروى أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار. وقيل: عشرة آلاف. وعن الحسن: أنه عاد موسرا فقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم، ولا تفضلت على كريم؟ قال: ولكن لماذا؟ الزمخشري ٤/ ٧٩٥الزمخشري ٤/ ٧٩٥
قال: لنبوة الزمان، وجفوة السلطان، ونوائب الدهر، ومخافة الفقر. قال: إذن تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك كَلَّا ردع له عن حسبانه. وقرئ: لينبذان، أى: هو وماله. ولينبذن، بضم الذال، أى: هو وأنصاره. ولينبذنه فِي الْحُطَمَةِ في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها. ويقال للرجل الأكول: إنه الحطمة. وقرئ: الحاطمة، يعنى أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب، ولا شيء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه. ويجوز أن يخص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة والنيات الخبيثة. ومعنى اطلاع النار عليها: أنها تعلوها وتغلبها وتشتمل عليها. أو تطالع على سبيل المجاز معادن موجبها مُؤْصَدَةٌ مطبقا. قال:
تحنّ إلى أجبال مكّة ناقتي … ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة
وقرئ: في عمد، بضمتين. وعمد، بسكون الميم. وعمد. بفتحتين. والمعنى: أنه يؤكد يأسهم من الخروج وتيقنهم بحبس الأبد، فتؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد، استيثاقا في استيثاق. ويجوز أن يكون المعنى: أنها عليهم مؤصدة، موثقين في عمد ممدّدة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص. اللهم أجرنا من النار يا خير مستجار.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزا بمحمد وأصحابه» . الزمخشري ٤/ ٧٩٦الزمخشري ٤/ ٧٩٦
الهماز: بالقول، واللماز: بالفعل. يعني: يزدري بالناس وينتقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] .
قال ابن عباس: (هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهُمَزة، يهمزه في وجه، واللمزة من خلفه. وقال قتادة: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم.
وقال مجاهد: الهمزة: باليد والعين، واللمزةُ: باللسان. وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحوم الناس.
ثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق. وقيل غيره. وقال مجاهد: هي عامة.
وقوله: (الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ) أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] قاله السدي، وابن جرير.
وقال محمد بن كعب في قوله: (جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ) ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل، نام كأنه جيفة.
وقوله: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) أي: يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار؟ (كَلا) أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: (لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) أي: ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم من أسماء النار صفة؛ لأنها تحطم من فيها.
ولهذا قال: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ) قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي. ابن كثير ٩/ ٤٨١ابن كثير ٩/ ٤٨١
وقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حَذْوَ حلقه ترجع على جسده.
وقوله: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) أي: مطبقة كما تقدم تفسيره في سورة البلد.
وقال ابن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خَرزَاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) قال: "مطبقة" .
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد عن أبي صالح، قوله، ولم يرفعه.
(فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السُّدِّي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني: الأبواب هي الممدوة .
وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.
وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير.
وقال أبو صالح: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) يعني القيود الطوال.
آخر تفسير سورة "ويل لكل همزة لمزة" ابن كثير ٩/ ٤٨٢ابن كثير ٩/ ٤٨٢
لا كتاب مختار.